الإثنين 23 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
التلفيق للتوفيق بين الإسلام والعلمانية
12 أغسطس 2005

القاهرة ـ حلمي النمنم:
شهد العقدان الأخيران من القرن الماضي استقطابا ثقافيا وفكريا حادا بين دعاة الإسلام السياسي ودعاة الليبرالية أو العلمانية ووصل الاستقطاب الى حالة من العداء الشديد وتبادل الاتهامات، ركز أنصار الإسلام السياسي اتهاماتهم للعلمانية على أنها نتاج المجتمع الغربي بخصوصياته وثقافته التي قامت على الصراع بين الكنيسة وأمراء الإقطاع أي الحكم اللاهوتي والحكم الزمني 'الإنساني'·· وان العلمانية هي دعوة صريحة للفصل بين الدين والسياسة أو الدين والدولة وفي المقابل اتهم العلمانيون انصار الإسلام السياسي بانهم رجعيون ومتخلفون، يساندون الاستبداد والتسلط، فضلا عن أنهم يسيؤون للدين ذاته إذ يقدمونه وكأنه معاد للعصر الحديث وفي خصام مع التقدم والتطور بل ان مفكرا في قامة د· فؤاد زكريا قال ان هؤلاء ألحقوا أبلغ اهانة بالإسلام عبر تاريخه كله، إذ صوروه أمام العالم وكأنه دين يساند الإرهاب ولا يفرز غير الإرهابيين· وفي الأعوام الأخيرة، ربما منذ سبتمبر ،2001 بدأت هذه الثنائية تخف حدتها، و تراجع الاستقطاب كثيرا، تحت ضغوط العولمة والحملة على الإسلام في قطاعات ليست محدودة بالغرب، تصفه بانه يشجع الإرهاب والإرهابيين، وهكذا بدأ نوع من التقارب، حيث ظهر عدد من المفكرين الإسلاميين يتحدثون عن مفهوم الدولة المدنية في الإسلام، واصدر د· عبدالمعطي بيومي كتابا بهذا المعنى، يقطع فيه بأن الإسلام لم يعرف الدولة الدينية أو الثيوقراطية بالمعنى الذي عرفته أوروبا الكنسية في العصور الوسطى، وهناك الآن من يتحدثون عن أن الديمقراطية النيابية من صميم الإسلام·
وهناك محاولة جديدة قام بها د· أحمد سالم مدرس الفلسفة بجامعة طنطا للبحث عن أوجه الشبه بين الإسلام والعلمانية في كتابه 'الجذور العلمانية في الفكر التجديدي عند أمين الخولي'·
وفي هذا السياق فإن العلمانية تعني رفض سلطة رجال الدين وسيطرتهم على إدارة شؤون الحياة، ولا يعني رفض هذه السلطة عدم الاعتراف بدور الدين في حياة الفرد، أو في حياة المجتمع، ولذلك تتضح أهمية دور الدين في الفكر الليبرالي الأوروبي، حيث اعتبر الفيلسوف الانجليزي جون لوك مؤسس التقليد الليبرالي كأيديولوجيا، لأنه قام بتوظيف التراث الديني المسيحي في أفكاره عن الليبرالية، واستطاعت ليبرالية لوك ان تتواءم مع طبيعة الورع الديني عند الطبقة الوسطى، وهو ما حقق لها الذيوع والانتشار· ويترتب على رفض سلطة رجال الدين الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية ولا يعني الفصل عدم الاعتراف بدور الدين في الحياة السياسية، فمازالت فرنسا -إلى الآن- تدعى انها راعية الكاثوليكية في العالم، وفي الولايات المتحدة تحكم الآن إدارة تنتمي إلى أصولية دينية، كما ان دولة إسرائيل مؤسسة على العديد من الأساطير الدينية فالسياسة لم ولن تكف عن توظيف الأفكار الدينية من أجل خدمة اغراضها ومصالحها· وتؤمن العلمانية بنسبية الحقيقة وان كل شيء في هذا العالم خاضع لمتغيرات الزمان والمكان، ومن ثم التركيز على أهمية عنصر الزمن في إدارة شؤون العالم، والاعتماد على المنطق العلمي واعطاء مساحة أوسع للعقلانية الموضوعية·
تناول مخل
ويحاول الباحث اثبات ان هذه المعاني لا تتعارض مع الاسلام، فإذا كانت العلمانية تعني 'الدنيوية' فان الإسلام أعطى اهتماما بارزا للدنيا، ولهذا حاول بعض المفكرين الكشف عن المادية الإسلامية وأبعادها المختلفة، فالإسلام ينظر إلى الدنيا على انها 'مزرعة للاخرة فلا تصلح الآخرة إلا إذا أصلحت الدنيا، وسنحاسب في الآخرة على التفريط في إصلاح الدنيا، فالعمل الطيب وسيلة لإصلاح حياة صاحبه في الآخرة، كما هو وسيلة لصلاح دنياه، ولولا خوف أكثر الناس من حساب الله وجزائه هناك لم يتقنوا أعمالهم هنا··'
وهذا تناول مسطح ومخل، فالإيمان بالآخرة وربط كل عمل في الحياة الدنيا بالآخرة وحسابها، ليس من العلمانية في شيء، بل قد يكون ضد العلمانية، حيث يتقن الناس عملهم لأن هذا العمل يتقاضون عنه أجرا، ولن يكون العمل مقبولا منهم إذا كانت به عيوب وسلبيات، بل ان تناول الباحث لهذه الجزئية مخل بالنظرة الإسلامية ذاتها، فالخوف ليس هو العنصر الحاكم لكل المسلمين في اتقان العمل، حتى لو كان ذلك الخوف من الآخرة ويوم الحساب، وفي الفهم الصوفي للإسلام ليس هناك مكان للخوف، والحديث النبوي الذي طلب من المسلم الاتقان لم يجعله قرين الخوف من الحساب، ولكن قال 'ان الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه'·
ويعود الباحث إلى السمات الأخرى للعلمانية مثل الاهتمام بالمادية وبالزمن، يقول: 'ولا ينبغي ان ينظر إلى المادية كجزء مذموم، لان الإسلام يتكلم عن المادية التي تحتفي بصنع الخالق في البناء المادي للكون ويطالب بضرورة الكشف عن اسراره وقوانينه، وتسخير كل ذلك من أجل منفعة الإنسان، ولذلك فان آفة بعض العقول انها لا تلتمس الإيمان الا عن طريق خوارق ولا تلتمسه مما التمسه القرآن من تلك العجائب الهائلة في الكون المادي وهذا تعامل مع العلمانية والإسلام كمن يريد ان يغازل فتاة في شوارع القاهرة ويفسر فعلته بان الله جميل ويحب الجمال!! ويلجأ الباحث إلى كتاب حسين مروة 'النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية' وينقل عنه فقرات مطولة، ويصل إلى 'نسبية الحقيقة' فيقول: 'يعترف الفكر الإسلامي بأهمية نسبية الحقيقة، لان التعددية التي سادت كافة مجالات الثقافة العربية الإسلامية لم تكن لتقوم إلا بالايمان بنسبية الحقيقة، فالإسلام النظري، الكتاب والسُنة في إطلاقهما -لكي يتحرك صوب الواقع والتاريخ، فان ذلك يستلزم الجهد البشري في الفهم والتفقة، وهذا الفهم البشري لا يتم الا في حدود الزمان والمكان· ولهذا فهو يتسم بالنسبية، ومن ثم يتحول الإسلام النظري، الكتاب والسُنة، على يد الإسلام الحضاري والفهم البشري للإسلام وتطبيقه من المطلق إلى النسبي، ومن الروحي إلى الزمني، ولهذا فنحن يمكن ان نحكم على الفكر الإسلامي الحضاري والتاريخي بالقبول والرفض دون ان يمس هذا بالبؤرة الحية وهي الإسلام النظري، الكتاب والسُنة·
وهنا تظل الحاجة دائمة للتجديد حيث يعود العقل دوما إلى هذه البؤرة لتفسيرها، واستلهامها بما يوافق مستجدات كل زمن· ويضيف: ' لا يمكن في الإسلام اعطاء صفة القداسة لما هو بشرى نسبي، ومن هذا المنطلق فان جهود علماء الدين في الإسلام هي جهود نسبية بشرية تحتمل الصواب والخطأ، والقبول والرفض، وبالتالي فليس لرجال الدين في الاسلام أي سلطة كهنوتية، وليس لهم حق الوساطة بين الله والناس· فالإسلام حرر الإنسان من كل سلطة سوى الايمان بالله، وحرر البشر من عبادة البشر وهذا الوجه المشرق للإسلام سبق كل جهود العلمانية في تحرير الإنسان الغربي من السلطات الكهنوتية لرجال الدين وغيرهم، ولكن الأزمة الكبرى في ان السياسة قامت بتوظيف بعض العقائد، مثل عقيدة القضاء والقدر من أجل استمرار أوضاعها كما ان العالم الإسلامي في ظل حالة الانحطاط التي يعيش فيها، كانت بعض النظم السياسية فيه توظف التفسيرات الدينية للإسلام كأيديولوجيا عن توجه الدولة وحالة توظيف السياسة لأفكار دينية موجودة في معظم أرجاء العالم··'
أمسك الباحث بكل خصيصة من خصائص العلمانية وراح يبحث عما يشابهها في الإسلام، كي يخلص إلى انه لا تعارض بين الأمرين·
والحقيقة ان عددا غير قليل من المفكرين العرب في القرن العشرين، راحوا يبحثون عن جذور إسلامية لكل فكرة أو نموذج غربي أعجبهم، حين ذاعت الاشتراكية في منتصف القرن العشرين وجدنا الشيخ محمد الغزالي يصدر كتابه 'الاشتراكية في الإسلام' وأصدر أيضا الشيخ مصطفى السباعي من قادة الاخوان المسلمين في سوريا كتابا بهذا المعنى وربما بنفس العنوان ونشرته دور النشر الرسمية المصرية عدة مرات· وتبعهما آخرون وفي نفس التوقيت كانت الوجودية مزدهرة في فرنسا تحديدا وأوروبا الغربية عموما، فوجدنا د· عبدالرحمن بدوي يصدر كتابه 'الانسانية والوجودية في الفكر العربي' ويحاول الروائي محمود المسعدي في تونس الشيء نفسه، بل أكثر من ذلك وجدنا د· حسن حنفي يحاول الحديث عن أوجه شبه بين ماركس وعدد من المفكرين المسلمين الذين اهتموا بالطبيعة وحاول حسين مروة في كتابه عن النزعات المادية ان يعثر على أوجه شبه بين الماركسية أو المادية التاريخية والفكر الإسلامي·
أما المفكرون العقلانيون الذين أعجبوا بالفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت فقد راحوا يقارنون بين ديكارت وأبي حامد الغزالي، الملقب بحجة الإسلام، على أساس ان كلا منهما قد أصابه الشك فترة من حياته والمحاولات كثيرة وممتدة وآخرها تلك المحاولة للبحث عن أوجه شبه بين الإسلام والعلمانية، وسوف يكون مصيرها مثل سابقاتها، لعدة أسباب، أهمها ان الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين في المنطقة العربية، لم ينشأ على أرضية أو خلفية عقائدية ودينية محضة، وحتى لم ينشأ على خلفية فكرية صلبة ولكنه صراع سياسي في المقام الأول، نشب بين أنصار الإسلام السياسي والحكومات العربية، وقد خف هذا الصراع حين تمكنت الحكومات من حسمه، وفوق ذلك فان الاستشهادات التي اعتمد عليها الباحث هنا لعدد من المفكرين المسلمين هي شهادات لمدانين من أنصار الإسلام السياسي، انه يستشهد بالشيخ محمد عبده، مفتي الديار المصرية، في أوائل القرن العشرين، وكان مدانا من العلماء المتزمتين والسلفيين في عصره وإلى اليوم، يستشهد أيضا بالدكتور حسين مروة، الذي يهاجمه السلفيون ليلا ونهارا·
والعلمانية تجربة ولدت في مجتمع له ثقافته الخاصة وظرفه التاريخي الخاص، وجوهرها هو حرية الإنسان وقيمته كفرد، في مواجهة السلطة، سواء كانت سلطة الاستبداد السياسي أو سلطة الكهنوت الديني، واعتبار سعادة الإنسان هي المعيار وليس أي شيء آخر، والواضح ان مجتمعاتنا ليست على استعداد لاتخاذ هذا الاختيار إلى اليوم، وحدث ذات مرة في العام 1955 ان اقترح عالم أزهري مصري هو الشيخ عبدالحميد بخيت عدم الالتزام بصيام رمضان، لان الصيام يرهق المسلم صحيا وبدنيا ويعطله عن العمل وحاول الاستناد في ذلك الى بعض التأويلات الدينية للقرآن الكريم، فهاجت الدنيا عليه وفصلته جامعة الأزهر وقامت المظاهرات ضده وتم تجاهله تماما من الجميع رغم أنه ظل حيا حتى عام ·1978
نشوء و··ارتقاء
لكن الذي لا يمكن انكاره ان المجددين في الفكر الإسلامي، استفاد معظمهم من تيارات الفكر الغربي الحديث، سواء منها العقلاني أو العلمي أو الإنساني وغيرها ومن هؤلاء الشيخ أمين الخولي، الذي يسعى د· سالم إلى اثبات انه تأثر في آرائه بنظرية التطور لدى داروين· وكان شبلي شميل قد حاول ادخال آراء داروين إلى الثقافة العربية، لكنه استفز رجال الدين فلم تنجح محاولته، فقد كتب شميل 'كون الانسان يمكن قوام شأنه، وصلاح حاله بدون الديانات فمما لا يجب أن نشك فيه، بأنه لا يصلح حال الأمة إلا كلما ضعفت فيها شوكة الديانة ولا يقوى شأن الديانة إلا كلما انحط شأن الأمة·' وكان الافغاني ممن كتبوا ضد مذهب النشوء والارتقاء، وحاول تفسير دعاوي 'الماديين' واعتبر الأفغاني ان شبلي شمبل مخطئا في محاولته ولكن حين سُئل الأفغاني عن مقولة أبي العلاء المعري 'والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدث من جماد' كان رده ان مقصد المعري واضح وهو النشوء والارتقاء، ومن ثم فقد سبق العرب داروين في نظريته، وسار الافغاني أبعد من ذلك بكثير، حين قال ان مذهب الانتخاب الطبيعي موجود منذ القدم لدى العرب في حياة البداوة وفي عهد الإسلام، فقد كان العرب يمارسون الانتخاب الطبيعي في تحسين الحيوان، بهدف الحفاظ على أنساب الخيول وإلى حد ما النوق والجمال، وكانوا يمارسون الشيء نفسه في انتخاب الزوجات، حرصا على النسل والاصول العائلية والقبلية، وتمتليء كتب التراث العربي بالكثير من نوادر العرب وحكاياتهم في هذا الصدد قبل الإسلام وبعده ومع ذلك فان الأفغاني لم يسلم من النقد في ملاحظاته السلبية على النظرية ذاتها، وكان اسماعيل مظهر هو الذي فند رأي الأفغاني 'يدعى السيد الأفغاني ان من نظريات دارون ما يقول بان كلام هذا العلامة في أصل الأنواع يفضي بالبرغوث لان يصبح فيلا بمرور الوقت، وكر الدهور، وان ينقلب الفيل برغوثا وهذه الاسطورة التي تبادرت إلى ذهن هذا المؤلف انها من مقومات مذهب دارون لم تكن الا خرافة نقلها بعض من لا يوثق بعلمه· وتلقفها السيد الأفغاني من افواه الناس من الصحف الاخبارية ليقوض بها من مذهب دارون ما شاء له· 'واستمر الجدل حول هذه النظرية، إلى ان خطا الشيخ أمين الخولي خطوة أبعد وكان ذلك في العام ،1927 فقد كلف آنذاك بتدريس مادة الاخلاق بكلية أصول الدين، حيث قرر ان يدخل هذه النظرية إلى أكبر مؤسسة دينية في العالم الإسلامي وهو الأزهر·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©