الإثنين 16 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
غواية السكين لابتسام الخميري عنف أنثوي بلغة شاعرية
غواية السكين لابتسام الخميري عنف أنثوي بلغة شاعرية
12 أغسطس 2005


يدور الأدباء والنقاد العرب حول أنفسهم دورة كاملة كل لحظة باحثين بلا جدوى عن خيوط رفيعة أو غليظة بين الاشياء والاشخاص والمدارس الادبية·· شاغلين بالهم بلا معنى بتصنيفات لا وجود لها مثل أدب النساء وأدب الرجال·· وأدب المغرب وأدب المشرق·· وأدب الجنوب وأدب الشمال·· والكتابة للاطفال والكتابة للكبار ويذهب الجهد هباء منثورا لأن الفروق التي يتحدثون عنها مفتعلة ومصنوعة وليس لها ظل من الواقع هذه التساؤلات والتصنيفات دارت أيضاً في الندوة التي اقيمت بالقاهرة لمناقشة المجموعة القصصية 'غواية السكين' للأديبة التونسية ابتسام الخميري·
الناقد د· عزازي علي عزازي قال في مداخلته: ان المجموعة القصصية التي نناقشها لأديبة تونسية فضلت ان تدشن ابداعها في مصر، مما يعني ان الابداع الجيد يفرض نفسه على أي متلق في أي بلد بصرف النظر عن اختلاف العادات والتقاليد لان الابداع يخاطب الانسانية كلها دون النظر إلى جنس أو دين أو لون أو وطن·
واضاف بأن مجموعة 'غواية السكين' تضمنت ثلاثا وعشرين قصة قصيرة متنوعة المضمون ومختلفة الافكار وتستحق ان تحمل مسمى 'قصص قصيرة'، ففي السنوات الأخيرة هناك جدل وخلاف حول القصة القصيرة خاصة بعد حركات التطور التي طرأت عليها حتى أصبحت تشكل حيرة شديدة للناقد والمبدع والقارئ، وفي الماضي كان المفهوم ان القصة القصيرة تتناول حدثا أو موقفا بشكل مكثف وبأسلوب لاهث سريع يتطلب خصائص معينة في السرد والحوار وتركيبه لكن التطور الذي شهدته القصة القصيرة في السنوات الأخيرة حطم هذه الثوابت واكسب القصة اساليب جديدة في الشكل والمضمون فأصبحت طريقة السرد مختلفة وكذلك بناء الشخصيات وتصوير الحدث والايقاع·
وأوضح انه في مجموعة 'غواية السكين' فضلت الكاتبة ابتسام الخميري التحرر من كل الثوابت وقدمت قصصها وفق احساسها الخاص بافكارها وشخوصها وأحداثها، فالشكل القصصي كلاسيكي لكن المضمون مختلف والسرد يغلب عليه طابع 'الاستذكار' واللغة يغلب عليها الاسلوب الشعري وإذا كانت الخاصية الأولى اعطت القصص تماسكا من حيث البناء الأدبي فإن الخاصية الثانية قد اكسبت المجموعة بعدا وجدانيا·
وقال الشاعر والناقد د· علاء عبدالهادي ان الخاصية الشعرية التي تميز لغة ابتسام الخميري سلاح ذو حدين اما ان يكون في صالح الكاتب وابداعه أو العكس وهذا يرجع إلى ان الكثيرين ممن يستخدمون هذه اللغة الشعرية في كتاباتهم الادبية ينصب اهتمامهم على اللغة وجرسها الشعري على حساب الحدث والشخصية والبناء العام للقصة والاساس في القصة القصيرة ليست اللغة الشاعرة بل الحدث والموقف والمضمون والفكرة·
وأضاف ان ابتسام الخميري نجحت في الأمساك بعفوية بلغتها والمحافظة دون ان تتأثر بنية القصة أو تتوه شخصياتها أو تفقد احداثها الايقاع وهذا يأتي من خلال موهبة حقيقية في الكتابة واحساس مرهف·
وأوضح ان الكاتبة تعمدت ان يكون هناك تنوع في القصص من أجل ان تبعد عن نفسها صفة الكتابة الذائبة التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه التهمة في وجه معظم صاحبات التجارب الابداعية·
وقال: قصة 'لغة الزهور' وهي القصة الأخيرة في المجموعة هي الوحيدة المشكلة لفرط شاعريه الكلمة وشدة حرص الكاتبة على المنطق الصحيح للكلمات فتقول: 'من جديد في احشائي يقبع جنين متمرد·· يرفض ان يكون له اب أو تاريخ أو وطن في احشائي طفل يكبر ويكبر وفي شرايينه يعيش الحب والأمل لطالما حدثني ونحن معا في اعالي الجبال: عن احلامه وطموحاته كان يمضي الساعات وهو يروي دون ككل أو ملل' ومن خلال هذه الفقرة نلمس مدى شاعرية اللغة وكأنها مقطع من قصيدة شعرية وليس من قصة قصيرة وفي نفس الوقت نجد بناء القصة متماسكا والحدث ينمو والفكرة تبرز رغم ان الجو السريالي والتجريدي يسيطر ويبدو كخلفية أو إطار يمثل طقسا عاما يغلف القصة التي تدور احداثها بضمير المتكلم·
ابداع مغاربي
وقال الناقد د· مدحت الجيار ان ابداع كاتبة من تونس يجعل السؤال مطروحا حول السمة التي تميز الابداع المغاربي خاصة الابداع النسائي والاجابة لا تخل بالمقولة التي تؤكد أن 'الابداع لا وطن له'، لأن الحديث عن خصائص الابداع وان الابداع الادبي المغاربي له خصوصيته فهناك اهتمام مفرط باللغة لدرجة ان الكاتب في المغرب العربي يعيش طقس القصيدة وهو يكتب القصة أو الرواية وكذلك الاهتمام المفرط بالسرد الذي يعمق الشخصية والحدث دون الاعتماد على الحوار مع عدم المباشرة وهو أمر تلقائي غير الالغاز المقصود الذي يضر الابداع·
وأضاف أن ما يميز اديبات المغرب العربي قدرتهن على الكتابة الذاتية بجرأة دون اعتبار لأى حساسيات وربما يرجع هذا لمساحة الحرية المتاحة امامهن ويلفت النظر في 'غواية السكين' عنوانها فابتسام الخميري اختارت أكثر قصص المجموعة سريالية لتعطيها هذا العنوان الغريب ليكون أيضا هو عنوان المجموعة والعنوان يوحي بالمضمون ففي القصة نجد 'السكين والغواية' حيث ترى امرأة احبت بعمق وغابت عن الوعي في هوى من تحب وافقدتها الخيانة اتزانها وانوثتها بعد ان شعرت بأن كرامتها ألقيت على قارعة الطريق ومشاعرها تمت استباحتها بعنف فتمثلت لها السكين كأنها ملاك الموت الذي ينادي لخلاصها، ومن خلال هذا الواقع وهذه الصورة لحديث ينمو ولبناء درامي محكم وأسلوب سريالي بالغ التلقائية تبرز فكرة القصة التي تتناول علاقة الإنسان بقدره·
وقالت الكاتبة فوزية مهران ان هناك تأثرا شديدا بثقافة غربية في الانتاج الأدبي بدول المغرب العربي خاصة الأبداع القصصي، وهذا التأثر ايجابي ولا يؤثر في الهوية والثقافة العربية التي تميز الادباء والمبدعين المغاربة ولكن لا يمكن اغفال هذه الجرأة والحرفية في السرد وبناء الشخصيات وهي سمة ظاهرة وملحوظة في كل قصص الاديبات المغاربيات وقد ترك التراث الادبي العالمي خاصة الادب الفرنسي تأثيره عليهن خاصة مع اجادتهن الكاملة للغة الفرنسية·
وأضافت ان عنوان 'غواية السكين' يوحي بالعنف الذي يشوب حياتنا وحياة المرأة بشكل خاص فالمرأة التي كان الشعراء يعرفونها بالمخلوق الرقيق اصبح العنف في حياتها فوق كل حد واصبح مرادفا للعصر الذي اغتال كل رقة وكل انوثة وكل رومانسية·
واكدت ان هذا العنف موجود في العديد من قصص المجموعة ولا يقتصر على القصة التي حملت المجموعة عنوانها لكنه اذا كان عنفا دمويا في هذه القصة فأنه يأخذ اشكالا أخرى لا تقل قسوة في قصص تالية· ففي قصة 'اغتراب' نرى العنف والقسوة في غربة المرأة وهي تعيش في مجتمعها وهي غربة افكار ومشاعر· وفي قصة 'رسم على الجليد' بلغ العنف اقصى مدى له عندما يتم تجاهل مشاعر المرأة وانوثتها ومعاملتها كأنها كائن مهمل وأضافت ان القارئ لا يشعر اثناء مطالعته لهذه المجموعة بأن الرجل غائب وانه بصدد سير ذاتية ومواقف انثوية· فالرجل حاضر وموجود في كل قصة وكل موقف وبدا كشبح هائل يقف في خلفية كل قصة يحرك الاحداث·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©