الاتحاد

الاقتصادي

تزايد نشاط الاستثمارات الأجنبية في الاتحاد الأوروبي

مستخدم يعاين هاتفاً بنظام ويندوز فون في مؤتمر للمبرمجين نظمته مايكروسوفت (أ ب)

مستخدم يعاين هاتفاً بنظام ويندوز فون في مؤتمر للمبرمجين نظمته مايكروسوفت (أ ب)

بينما أرغمت أزمة الديون الأوروبية العديد من الشركات على تقليص أعمالها في القارة، سلكت شركة «داو للكيماويات» طريقاً مغايراً وذلك بمضاعفة استثماراتها بدلاً من خفضها. وخصصت الشركة 10 ملايين يورو (13,2 مليون دولار) لمصنع لتحلية المياه في شرق إسبانيا.
وعلى الرغم من صغر حجم استثمارات «داو» ومثيلاتها، فإنها تعكس توفر الفرص للشركات الأجنبية الكبيرة متعددة الجنسيات حتى في بلدان تعاني من المشاكل الاقتصادية مثل إسبانيا.
يقول جيفري ميرسيزي مدير عمليات «داو» بأوروبا «ما يحثنا على الاستثمار هو توفر التقنية الجيدة والعمال ذوي الخبرة العالية وبيئة المنافسة الحادة».
ورغم أن أوروبا لا تنمو بذات السرعة التي تنمو بها آسيا، فإنها ليست بذلك السوء الذي يصوره الكثيرون.
ومع أنه لا تتوفر أدلة إحصائية حتى الآن، لكن وبغض النظر عن أزمة الديون العالقة والركود الذي يخيم على العديد من دول منطقة اليورو، ذكرت العديد من الشركات العالمية أنها تعمل على زيادة أو المحافظة على استثماراتها في هذه المنطقة وفي مناطق أخرى من القارة.
وتتجاوز نظرة هذه الشركات المعاناة الحالية لهذه الدول حيث تراهن على الأرباح المضمونة في المستقبل، في وقت تحولت فيه لهجة القادة الأوروبيين نحو إنعاش النمو وجذب استثمارات القطاع الخاص في أعقاب سنتين من حالة التقشف الصارمة.
ثقة الشركات
وجاءت زيادة ثقة الشركات متعددة الجنسيات بعد سنوات عديدة تراجع خلالها معدل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في أوروبا، نظراً لتراجع قوة النشاط الاقتصادي ولضعف النظام المصرفي في المنطقة وللقلق المتنامي حول تخلف اليونان عن سداد ديونها ومخاوف أن تساعد كل هذه المشاكل في نشوب أزمة «ليمان» أخرى في الأسواق العالمية.
والآن وبعد ما خمدت حرارة أزمة منطقة اليورو، بدأت العناوين الرئيسية تحمل أخبار استثمارات الشركات الأجنبية الكبرى في أوروبا.
وفي أيرلندا على سبيل المثال، زادت هذه الشركات من حجم استثماراتها حيث جعل الركود الاقتصادي منافسة البلاد من حيث التكلفة، أكثر من أي وقت مضى.
وقامت «مايكروسوفت» مؤخراً باستثمار أكثر من 130 مليون دولار في توسعة مركز للبيانات خارج مدينة دبلن. كما تخطط شركة «إلي ليلي» العملاقة للأدوية لاستثمار 330 مليون يورو في مصنع للأدوية بالقرب من مدينة كورك.
وفي نفس الوقت، تعمل «جنرال اليكتريك» على توسعة مركز للبحوث والتطوير في مجال الطيران والطاقة والتقنية الطبية في ألمانيا، بتكلفة قدرها 30 مليون يورو، بالإضافة إلى 56 مليون أخرى لتعزيز وجودها التجاري هناك.
وتسعى «إنفوسيس» الهندية العاملة في الاستشارات التقنية والتعهيد، لإنفاق الملايين في استثمارات إضافية في أسواقها الرئيسية في شمال القارة وتوفير المزيد من الوظائف خلال العام الحالي.
ويجئ التوجه الحالي كرد فعل لحالة التراجع الكبيرة التي سادت القارة في 2010 عندما تراجع الحجم الكلي للاستثمارات الأجنبية المباشرة بنحو 19% مقارنة بالسنة التي سبقتها.
وبالمقارنة، ارتفعت في أميركا الشمالية حيث بدأت بوادر الانتعاش الاقتصادي بالفعل، هذه الاستثمارات بنسبة بلغت 44% ذلك العام.
ووفقاً للبيانات التي وردت مؤخراً عن بعض الاقتصاديين والمحللين، تعكف شركات كثيرة وصناديق استثمارية من الهند والإمارات والصين، على زيادة حجم أصولها الأوروبية وعلى إنشاء استثمارات جديدة في البنية التحتية وقطاع التقنية والصناعة في مختلف دول الاتحاد الأوروبي. وتفوقت أوروبا في 2011 لأول مرة على أميركا كأكبر منطقة لاستثمارات الصين الخارجية. وتتضمن الصفقات التي تم إنجازها حتى الآن خلال العام الحالي، شراء «مجموعة الصناعات الثقيلة» من شاندونج لحصة قدرها 75% من شركة «فيراتي» الإيطالية لصناعة اليخوت، واستحواذ شركة «الشبكة القومية» الصينية على 25% من شركة الكهرباء البرتغالية.
مشروعات جديدة
يقول مارك هينري، المدير المالي لشركة «ميشلن» الفرنسية لصناعة الإطارات «تلوح المزيد من التباشير بحلول وشيكة لأزمة منطقة اليورو، وإن لم يحدث ذلك من الممكن أن يعيش الناس معها. ونخطط في الوقت الحالي لإطلاق الكثير من المشاريع الاستثمارية في القارة من مصانع ومعدات وعمليات البحوث والتطوير خلال العام الحالي وما بعده».
وتخطط الشركة لإنفاق 50 مليون جنيه استرليني أكثر من (79 مليون دولار) لتحديث الماكينات في مصنعها في بريطانيا خلال الخمس سنوات المقبلة.
ومن المؤكد أن الأوقات الصعبة لم تنقض حتى الآن، حيث إنه ومقابل كل شركة من الشركات الغنية التي تراهن على عودة الانتعاش الاقتصادي لأوروبا، تعرضت آلاف الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم للاستنزاف نتيجة لعدم الاستقرار المالي والاقتصادي الذي ساد القارة لثلاث سنوات خاصة في الجزء الجنوبي منها.
وتعمل العديد من هذه الشركات الصغيرة التي تشكل مع بعضها معظم الوظائف الجديدة في أوروبا، على تكديس الأموال ريثما تتضح صورة مستقبل الاقتصاد العالمي. ولحين عودة هذه الشركات التي تشكل المحرك الفعلي للوظائف إلى نشاطها الفعلي، يبقى من الصعب تحقيق النمو المستدام على نطاق واسع في القارة.
والأكثر من ذلك، أصبح حصول العديد من هذه الشركات الصغيرة على الائتمانات المصرفية أمراً بالغ الصعوبة بغض النظر عن برنامج «البنك المركزي الأوروبي» بضخ المزيد من الأموال في مؤسسات منطقة اليورو المالية مقابل أسعار فائدة ضئيلة حتى تتمكن من الاستمرار في عمليات الإقراض.
ورغم أن بنوك مثل «بي أن بي باريباس» و»دويتشه» ومؤسسات مالية عملاقة أخرى، تصر على عدم حجب القروض عن الشركات والعملاء، ذكرت العديد من الشركات الأوروبية والأجنبية التي تسعى للاستثمار في أوروبا، أنها وجدت صعوبة في الحصول على تمويل مصرفي لتوسعة نشاطاتها التجارية.
الحصول على التمويل
يقول جيان جاي كاريير، السكرتير العام لـ «غرفة التجارة الدولية» في باريس «ذكرت الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم أنه ليس بإمكانها الحصول على تمويلات مصرفية سواء لأغراض تجارية أو توسعية أو للاستحواذ، حيث كدست البنوك الأموال تماماً».
وفي المقابل، نجحت الشركات الكبرى التي تملك أذرعا مالية في الحصول على قروض بأسعار فائدة قليلة من البنك المركزي.
وعلى سبيل المثال، ذكر أحد البنوك الألمانية مؤخراً أنه أخرج مثل هذه القروض بيد أنه لم يفصح عن حجمها. وتحدث الخبراء عن حاجة أوروبا لنظام رأس مال استثماري أفضل حتى يتمكن رواد الأعمال والنشاطات التجارية من تحويل الأفكار البناءة إلى نجاحات تجارية.
وذكر أريك شميدت، مدير «جوجل» عند افتتاحه للمقر الرئيسي لجنوب أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في باريس، أن لا فرق بين رواد الأعمال في أميركا وفرنسا عدا إمكانية الحصول على القروض. ويقول «ليس هناك قصور في الأفكار بقدر ما أنه في الحصول على رأس المال الاستثماري. وعند مزاولة النشاط التقني يتطلب ذلك المزيد من المال والتحرك السريع».
كما لا تساعد الفجوة الكبيرة بين دول الشمال الغنية مثل ألمانيا وبريطانيا وبلجيكا والأخرى الضعيفة في الجنوب، حيث تميل الشركات الاستثمارية نحو الأسواق التي تشهد ازدهاراً واضحاً بدلاً من الانتشار في دول أدت فيها ميزانيات التقشف إلى بروز أسئلة تتعلق بمدى صلاحية البيئة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وعلى ضوء أزمة منطقة اليورو، توصل صانعو القرار إلى حقيقة انه من الضروري خلق بيئة أفضل للنشاطات التجارية بغية توفير محفزات الاستثمار. ونتج عن المعدلات الضريبية العالية والتكاليف التشغيلية المرتفعة وأسواق العمل التي تتميز بالقوانين الصارمة والنظم غير المناسبة، هجرة عكسية للعديد من الشركات، الشئ الذي ظل يحدث خلال السنوات القليلة الماضية، مما أدى لعدم استفادة أجزاء من أوروبا اليوم. لكن وبتوفير أرضية يعمل فيها الجميع بالتساوي، من المؤكد أن الواقع سيتغير للأفضل بشكل كبير.

نقلاً عن: انترناشونال هيرالد تريبيون
ترجمة: حسونة الطيب

اقرأ أيضا