الاتحاد

دنيا

الإعلام مارس مؤامرة صمت ضد المبدعين الحقيقيين

القاهرة-أحمد الجندي:
انفرد العرب دون سائر الأمم بالكرم الشديد في توزيع الألقاب على من يستحق قليلاً وعلى من لا يستحق كثيراً·· وبلغ الأمر في أيامنا هذه حد الإسراف والسفه الذي يستحق رفع دعوى حجر·· والحق أن الفضائيات العربية ساهمت بشكل كبير في هذه الهوجة أو الموجة لأنها تود أن تضفي هالة على من تستضيفه في برامجها ولقاءاتها·· فهذا نجم كبير·· وهذا مفكر كبير·· وهذا نجم النجوم وذاك أسطورة الملاعب·· وهكذا حتى أصبح الجميع نجوما ومفكرين وأساطير وفقدت الألقاب معناها وقيمتها ومنها لقب المفكر أو المبدع أو الأديب أو الشاعر·
ويقول د· جابر عصفور -رئيس المجلس المصري الأعلى للثقافة- إن المفكر هو من يهتم بالقضايا العامة على مستوى وطنه والعالم كله· بمعنى أن يكون مهتما بجميع القضايا في كل دول العالم·
وأكد أن المفكر الحقيقي لا تقتصر معارفه على مجال تخصصه ولابد أن يكون ملما بجميع القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ومهتما بغيره من المفكرين يساعدهم ويساندهم ويدعمهم ويدعو لأفكارهم إذا وجد صدى لها في نفسه·
كائن منقرض
وأوضح أن المفكر الذي يستحق هذا اللقب ينبغي أن يكون ذكياً عميق النظرة ولا يقف عند ظاهر الأمر وان يمتلك تحليلاً دقيقاً للأمور ولا يناقض فكره عمله·
وأضاف: في العالم العربي تبقى آراء الكثير من المفكرين مجرد كلام بلا فعل والمفكر العربي الحقيقي كائن منقرض فلم يعد هناك مفكرون يستحقون هذا اللقب·
ويؤكد الدكتور ميلاد حنا أن لقب مفكر لا يمنح من معهد علمي أو مؤسسة أو جامعة وإنما هو لقب يطلق على صاحب الفكر أسوة بلقب حكيم أو مبدع وهو يعطى من خلال الجمهور والمثقفين الذين يتابعون أعماله وإبداعه، فإذا اقتنع الناس بأنه يقدم فكرا أطلقوا عليه هذا اللقب وإذا اجمع الناس على أن هذا الشخص مفكر فهو يستحق ذلك·
كلنا فلاسفة!
ويرى الدكتور محمود أمين العالم أن كل إنسان فيلسوف ومفكر مع اختلاف الدرجة· والمفكرون نوعان أحدهما اكتسب فكره عن طريق وسائل الإعلام أو مراحل التعليم المختلفة· والثاني يناقش ويواجه وينتقد كل ما يتم ضخه عبر وسائل الإعلام، أو التعليم وفكره يضيف للناس أبعادا جديدة أو يفتح عيونهم وأذهانهم على معان غائبة عنهم·
وقال إن المفكر ليس منافقاً لسلطة أو لنظام ولا يبرر كل ما تفعله السلطة وما تصدره من قوانين فهو يستخدم الحكمة ليخرج برؤية صحيحة وموضوعية للواقع ولابد أن يتحلى بالأمانة ولا يفكر لمصلحة ذاتية أو لصالح سلطة أو جماعة معينة·
صفات المفكر
ويوضح د· محمد عمارة أن المفكر لابد أن يكون ذا علم في شتى مجالات المعرفة وله آراء ونظريات وأفكار مختلفة ومبتكرة، وتتسم آراؤه بالحكمة والموضوعية· ولا يجب أن يكون أحادي الفكر يركز على جانب معين دون بقية الجوانب في أي قضية· ولا يجب أن يكون لديه إصرار على أن رأيه هو الصواب دائما وآراء الآخرين هي الخطأ·· أو تكون أفكاره نابعة من منفعة شخصية أو لمجاملة طرف أو حاكم أو نظام والمفكر يفرض فكره وآراءه من خلال قوة وعمق وصحة هذه الأفكار·
هوجة ألقاب
ويقول الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة أن أجهزة الإعلام لها دور كبير في هوجة الألقاب فهي لا تنتقي من تسلط عليهم الأضواء فتبرز أشخاصا لا يستحقون أن تطلق عليهم الألقاب ومع الإلحاح على الناس يصدق الجميع أن هؤلاء شعراء وأدباء·
وأوضح أن عددا من المبدعين الموهوبين لا يجيدون لعبة التعامل مع أجهزة الإعلام باعتباره العنصر الرئيسي في جلب الشهرة، وفي هذا العصر المتقلب لا تعد الشهرة المقياس الوحيد للحكم على المبدع وهناك مشهورون ولكن شهرتهم مستمدة من تسليط الأضواء عليهم لا لجودة إبداعهم أو لمكانتهم الأدبية·
ويقول الأديب أحمد الشيخ أن هناك مئات الموهوبين في مجالات إبداعية مختلفة لكنهم لا يحظون بأي شهرة لأنهم غير قادرين على الوصول لأسباب الشهرة ولا يسعون وراءها، وهناك من هم أقل موهبة وعوضوا نقص موهبتهم بالسعي وراء أسباب الشهرة التي صارت من نصيب أنصاف الموهوبين وأصبحت الألقاب الأدبية التي يحملونها بلا معنى وفقدت مصداقيتها، فقديماً لم يكن لقب أديب أو شاعر أو ناقد أو كاتب يطلق إلا على صاحب الموهبة الأصيلة، والآن كل من نشر رواية ركيكة على نفقته في دار نشر مجهولة يقول إنه أديب وروائي ومن صدر له ديوان شعر بالمجاملة من دورية نشر رسمية متواضعة يطلق عليه شاعر·
مؤامرة صمت
ويرى الناقد د· حامد أبو أحمد أن هناك مؤامرة صمت ضد المبدعين الحقيقيين مما يجعلهم بمعزل عن الحياة الإبداعية رغم مكانتهم وموهبتهم وهناك جهات معينة يهمها أن يكون هؤلاء بعيدين لأنهم يمثلون خطراً عليها بقوة إبداعهم وبكتاباتهم الجريئة وآرائهم الواضحة، وسلطت تلك الجهات أضواءها على المهادنين الموالين من أنصاف الموهوبين وأطلقت عليهم الألقاب حتى تفرضهم على الناس·
ويؤكد د· صلاح قنصوة -أستاذ فلسفة الجمال بأكاديمية الفنون بالقاهرة- أن المفكر يجب ألا يكون أنانيا أو ساعيا إلى تضخيم ذاته أو أن يفرض نفسه على الناس من منطلق سياسي وينبغي أن يكون المفكر أعزب ليس له زوجة حتى تكون لديه الجرأة في إعلان أفكاره·
كان زمان!
قديماً لم يكن لقب أديب أو شاعر أو ناقد أو كاتب يطلق إلا على صاحب الموهبة الأصيلة، والآن كل من نشر رواية ركيكة على نفقته في دار نشر مجهولة يقول انه أديب وروائي، ومن صدر له ديوان شعر بالمجاملة من دورية نشر رسمية متواضعة يطلق عليه شاعر·
أمية القراءة
سبب شهرة أنصاف الموهوبين أننا شعوب تعاني أمية القراءة، ففي الغرب يحمل الأديب والشاعر لقبه من خلال الناس والجمهور الذي يطالع إبداعه، أما لدينا فالإعلام يفرض أسماء معينة يخلع عليها الألقاب بلا مبرر·
ليست مقياساً
أجهزة الإعلام لها دور كبير في هوجة الألقاب، فهي لا تنتقي من تسلط عليهم الأضواء فتبرز أشخاصاً لا يستحقون، ومع الإلحاح على الناس يصدق الجميع أن هؤلاء شعراء وأدباء· وفي هذا العصر المتقلب لا تعد الشهرة المقياس الوحيد للحكم على المبدع وهناك مشهورون ولكن شهرتهم مستمدة من تسليط الأضواء عليهم لا لجودة إبداعهم أو لمكانتهم الأدبية·

اقرأ أيضا