الاتحاد

دنيا

«ضريبة الدهون» سياج حماية للقلب والدماغ من مخاطر ارتفاع ضغط الدم

الدهون المشبعة تضر الجسم لأنها تدفعه إلى إنتاج الكوليسترول بوفرة (رويترز)

الدهون المشبعة تضر الجسم لأنها تدفعه إلى إنتاج الكوليسترول بوفرة (رويترز)

غير خاف على أحد أن الذين يُكثرون من تناوُل الأغذية الغنية بالدهون يدفعون أثماناً باهظةً من صحتهم ومالهم، وليس أقلها كبر محيط الخصر الذي يؤثر سلباً على مظهر الجسم وجماليته. أما إنْ أفرط الشخص في استهلاك الدهون المشبعة أو الدهون التقابلية، فليكن مستعداً لمواجهة مخاطر الإصابة بأمراض القلب ومشاكل صحية أخرى. ولعل الغريب والطريف أن الكثير منا يدفع “عرق جبينه” مقابل حصوله على هذه الدهون سيئة السمعة. فما سبيل كل مستهلك لمعرفة المضر والمفيد من الدهون؟


في محاولة منها لتحسين الصحة العامة، كانت حكومة الدانمارك قد بدأت مؤخراً في تطبيق “ضريبة الدهون” على الأشخاص الذين يقتنون منتجات غذائية تحوي أكثر من 2,3% من الدهون المشبعة، وذلك بجعلهم يدفعون 1,5 دولار عن كل نصف كيلوجرام من المنتج الذي تتجاوز نسبة دهونه المشبعة المعدل المقبول.
ولا يُعمل بمثل هذا القانون في الولايات المتحدة الأميركية، غير أن هناك العديد من الأسباب الدافعة في الواقع لتقييد عدد السعرات الحرارية التي تأتي من الدهون بشكل عام والدهون المشبعة بشكل خاص في النظام الغذائي لكل شخص. ولعل أبسط سبب وأقواه في الآن نفسه أن أنواع الدهون جميعها، بما فيها تلك التي توصف بالصحية والمفيدة، تُسهم في رفع كمية السعرات الحرارية التي نستهلكها. فالجسم يحصل على تسع سعرات حرارية من كل جرام واحد من الدهون، مقابل حصوله على أربع سعرات حرارية فقط عند استهلاكه جراماً واحداً من الكربوهيدرات أو البروتينات. وفارق ثلاث سعرات في كل جرام ليس بالأمر الهين، خُصوصاً بالنسبة للذين يطمحون إلى إنقاص أوزانهم أو الحفاظ عليها.
وفي الوقت نفسه، نجد أن الأطعمة التي تحتوي على الدهون والبروتينات معاً تُساعد المستهلك على عدم الإصابة بزيادة الوزن نظراً لأنها تُشعره بالامتلاء لفترات أطول. وبعض الدهون مثل أحماض “أوميجا 3” الأمينية الموجودة في السمك تُقلل ضغط الدم وتُزود الجسم بفوائد صحية أخرى. وقد أجرى بعض الباحثين مؤخراً عدداً من الدراسات التحليلية المقارنة أوضحوا فيها آخر ما توصلت إليه البحوث حول الآثار المختلفة لشتى أنواع الدهون على صحة المستهلك.
الدهون والصحة
كان النظام الغذائي الغني بالدهون بشتى أنواعها يُعد سابقاً بمثابة تذكرة درجة أولى تقود مباشرةً إلى الإصابة بأحد أمراض القلب. لكن دراسات حديثة كشفت أن هذا الأمر يخلو من دقة. إذ وجد الباحثون دليلاً قوياً ساطعاً يُفيد بأن تناوُل الدهون الأُحادية والدهون المتعددة غير المشبعة الموجودة عادةً في أسماك مثل السلمون والتروتة والجوز والبندق والأفوكادو ومعظم زيوت الخضراوات يُقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب ومشاكل صحية أخرى. وعلى سبيل المثال، كشف تقرير أُنجز سنة 2011 وشمل 50 دراسةً أن النظام الغذائي المتوسطي الذي يمتاز بغناه بالدهون الصحية له علاقة وثيقة بالتمتع بمحيط خصر أفضل وتناسبي مع أبعاد الجسم، وبضغط دم أفضل، ومعدل أفضل من البروتين الدهني مرتفع الكثافة (الكوليسترول الجيد)، ومستويات أقل من الجليسيريد الثلاثي مقارنةً مع مختلف الأنظمة الغذائية الأخرى. ووجدت دراسات أخرى أن الأشخاص الذين يستخدمون زيت الزيتون في الطهي وإعداد السلاطات هم أقل عُرضةً للإصابة بالسكتات مقارنةً بمن لا يستخدمون أبداً زيت الزيتون فيما يُعدونه من وجبات.
ومن جهة أخرى، يُجمع الباحثون على أن الدهون المشبعة تُسبب مشاكل صحية لمستهلكها نظراً لأنها تدفع الجسم إلى الإفراط في إنتاج الكولستيرول.
ولذلك فإن تقييد استهلاك هذا النوع من الدهون الموجود أساساً في مصادر حيوانية ونباتية مثل جوز الهند وزيت النخيل هو السبيل الأمثل لاتقاء أمراض القلب. وفي يونيو 2011، أظهرت دراسة أن النظام الغذائي الذي يحتوي على القليل من الدهون المشبعة والكربوهيدرات الصناعية من شأنه التقليل من قابلية الإصابة بمخاطر مرض الزهايمر عند الشيخوخة.
وبالإضافة إلى ذلك، أفادت دراسة أخرى أن التقليل من استهلاك الدهون المشبعة لا ينبغي أن يكون استراتيجية المستهلك الوحيدة. إذ من المهم أيضاً زيادة استهلاك الأطعمة التي تحوي خصائص غذائية مُخفضة للكوليسترول. وفي دراسة أخرى دامت ستة أشهر، تبين أن الأشخاص الذين قللوا من استهلاكهم للدهون المشبعة واستمروا في الوقت نفسه في اتباع أنظمة غذائية غنية بستيرول الزيوت النباتية وبروتين الصويا والألياف والجوز تمكنوا من تقليل مستويات البروتين الدهني منخفض الكثافة (الكوليسترول السيئ) أكثر من أقرانهم الذين ركزوا في أنظمتهم الغذائية فقط على التقليل من استهلاك الدهون المشبعة. وفي تقرير حديث قارن بين نتائج 48 دراسة حول الدهون، توصل مُعدوه إلى أن استبدال بعض الدهون المشبعة بدهون صحية أكثر يُقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 14%.
خطورة الدهون التقابلية
الدهون التقابلية هي الدهون غير المشبعة التي تحتوي على متزامر تقابلي للحمض الدهني، ويمكن أن تكون دهوناً أحاديةً أو متعددةً، لكنها لا تكون مشبعةً أبداً. ولا يختلف أي باحثين أو عالمين بشأن سلبيات الدهون التقابلية وأضرارها الصحية. ويوجد هذا النوع من الدهون جزئياً في الزيوت النباتية الصناعية المهدرجة (الهدرجة هي إضافة ذرة الهيدروجين إلى الدهون غير المشبعة لجعلها أكثر من حيث درجة عدم التشبع، ما يجعلها جذابةً لصانعي الأطعمة والمخابز بسبب قدرتها على الاحتفاظ بالأغذية دون أن تتلف لمدد أطول)، وهو يزيد مستويات الكوليسترول السيئ ويُقلل من مستويات الكوليسترول الجيد. ولذلك فإن الإكثار من استهلاك الدهون التقابلية كان له دوماً علاقة بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب. وليس ذلك فحسب، وإنما بأمراض أخرى كالكآبة، وفق نتائج دراسة أنجزت العام الماضي 2011 وشملت 12,059 راشداً.
ولا بُد من الإشارة إلى أن استهلاك الدهون التقابلية شهد تراجعاً ملحوظاً منذ سنة 2006 بعد أن أُلزم أقطاب الصناعات الغذائية بوضع نسبة الدهون التي يستخدمونها ضمن لاصقات المكونات. لكن يمكن إيجادها أيضاً في بعض المنتجات البديلة للزبدة (المرجرين) المستخدمة على نحو خاص في الطبخ والمخابز لإعداد الكعك والحلوى وغيرها من المنتجات المخبوزة. وينبغي التنويه إلى أن لاصقات المكونات التي تُظهر أن المنتج يحتوي على صفر جرام من الدهون التقابلية لا تعني في الواقع خلوها التام من الدهون التقابلية، بل أنها لا تحوي أكثر من 0,5 جراماً. ولذلك ينصح الباحثون وخبراء التغذية بالحرص على الاطلاع على لاصقات قائمة المكونات الخاصة بكل منتج غذائي لمعرفة الزيوت النباتية المهدرجة المستخدمة في تصنيعه.

هشام أحناش
عن “واشنطن بوست”

اقرأ أيضا