الاتحاد

دنيا

سيد الشيشيني كفيف يحاضر في التنمية البشرية

لم يكن فقدانه البصر وسيلة عجز له، ولكنه أخذ من هذا الفقدان العزيمة والإرادة التي دفعته ليلتحق بالمدارس لتحصيل العلم، ويكفي أنه الوحيد بين أشقائه الذي أكمل تعليمه.. إنه سيد الشيشيني (29 سنة) بأحد الأحياء الشعبية بمحافظة الاسكندرية، وهو واحد من بين 7 أشقاء، لم يلتحقوا بالمدارس رغم أن الله لم يحرمهم من نعمة البصر، ودرس في جامعة كمبردج والتي يحضّر فيها رسالة الماجستير حاليا. شخصية الشيشيني تقترب كثيرا من شخصية الشيخ حسني بطل فيلم «الكيت كات»، والتي قدمها النجم محمود عبدالعزيز، فهو يتواجد في المحافل العلمية. ويتقدم الجماهير في مباريات كرة القدم، ويسافر إلى عواصم عديدة ليحاضر فيها عن التنمية البشرية.

لم يكن طفلا مثل باقي الأطفال، فقده للبصر جعله يشعر بالغربة لوقت فهو يصعب عليه التواجد بين الأطفال للعب واللهو، ولكن عبر امتلاكه لذكاء فطري استطاع أن يكون بين الأطفال. كان يخطط نوع اللعبة التي تتماشى مع ظروفه، ومع وصوله الى سن الدراسة تلقى تعليمه في مدارس النور وهي مدرسة مخصصة للتلاميذ فاقدي البصر. وعندما التحق بالمدرسة كان الجدل بين المدرسين الطفل الكفيف يمتلك ذكاء فطريا، البعض طالب بنقله الى سنة دراسية تالية لأنه لديه معلومات ويمتاز بشخصية كانت سببا في قيامه بزيارات الى أصدقائه في المدارس الأخرى من أجل التناقش والتحاور معهم. وكانت الدراسة في مدارس النور دراسة داخلية التلميذ يقيم إقامة كاملة في المدرسة. ولكن مع وصول الشيشيني الى المرحلة الثانوية قرر أن يترك الاقامة الداخلية وانفتح على المجتمع.

بين ظهرانيي المشجعين

ومع فترة اندماجه مع المجتمع بدأ سيد يحضر مباريات كرة قدم يشجع أندية الاسكندرية التي كانت تلعب في الدوري الممتاز. من خلال أحاديث أصدقائه صار يعرف امكانات اللاعبين، وانفتح الشيشيني الكفيف على المجتمع الذي يعيش فيه شارك في عدة عروض مسرحية منها مسرحية اللعبة للكاتب الأفريقي فيمي ياجوبا وتم عرضها على مسرح الطليعة 1998. ودخل المرحلة الثانوية ونجح بمجموع كبير ولكنه قرر دراسة التاريخ لأنه يعشق دراسة التاريخ الذي لديه معلومات عامة كثيرة تساعده في استذكار دروسه. أتم دراسته حتى الثانوية العامة كانت على طريقة برايل أما في الجامعة فالدراسة تتم بطريقة غير طريقة برايل. وكان يسجل المحاضرات عبر كاسيت ويسمعها في الامتحانات كان يحضر معه مرافق يكتب ما يقوله له.

الانفتاح الرقمي

مع الألفية الثالثة كان انفتاح الشيشيني على عالم الكمبيوتر والإنترنت من خلال صديق له سمع عن المقهى الإلكتروني فقرر الذهاب إليه وأول مرة انبهر بما سمع عن الكمبيوتر الذي سمع من خلاله مقطوعات موسيقية، ما عرفه في زيارته للمقهى الالكتروني جعله يفكر بأي وسيلة امتلاك الكمبيوتر وكيف يحصل على برامج تجعله يعمل عليه، خاصة أنه كفيف. عن تأثير الكمبيوتر على شخصيته، قال: «هناك نوافذ جديدة انفتحت لي ومن خلالها صرت أتابع كل الجديد صارت لدي معلومات عديدة، صرت أعرف في السياسة والرياضة وساعدتني البرامج التي تجعل المكفوف بصيرا أمام الحاسب الآلي». ومع نهاية دراسته بكلية الآداب قرر استكمال دراسته العليا، ولكنه وجد كل الأبواب أمامه مغلقة، فلم يشعر باليأس بل انتقل لدراسة التنمية البشرية، يقول الشيشني: «بعد نهاية دراستي قررت دراسة البحث في التميز واكتشاف الأفضل، ودلني أحد أصدقائي على د. ابراهيم الفقي خبير التنمية البشرية الذي صرت تلميذا له ودرست تحت يديه عامين وخلال فترة دراستي مع الفقي قمت بتأليف كتاب أسرار القراءة باللمس الذي أشاد به».

خريطة ذهنية

التقى الشيشني بتوني بوزان المعروف بأستاذ الذاكرة، لدى زيارته إلى مصر ليحاضر في مؤتمر، عن لقائه به يقول: «كنت أشعر بالخوف فأنا الكفيف الوحيد وسط خمسة آلاف شخص مبصر، كنت أريد أن ألفت انتباه توني بوزان لي، وساعدتني الصدفة في خطف الانتباه لأن الجلسة الأولى كانت مخصصة للخرائط الذهنية، واستطعت أن أرسم خريطة ذهنية كالتي أعدها أكثر من 300 شخص موجود بالقاعة، فقال لي بوزان «أنت رائع، ستصبح أنت أول مدرب كفيف في العالم للخرائط الذهنية»، وطلب مني الصعود الى المسرح للتحدث مع الجمهور كقائد مختلف يمتلك قدرات هائلة» وتعد الخرائط الذهنية التي ابتكرها بوزان، الملقب بسيد العقول، أداة التفكير متعددة الأساليب لتقوية الذاكرة، وقد شكلت أكبر الفتوحات العلمية الرائدة في هذا المجال على مدار خمسمائة عام، وفق معلومات منشورة على الإنترنت. واستغل الشيشني قدرته على رسم الخرائط الذهنية في معالجة الإدمان، لاسيما بعد أن التقى د. أشرف عبدالله وهو معالج نفسي تعلم منه أسلوب العلاج بالإيحاء لشفاء المدمنين. ونجح في ذلك وأصبح أول كفيف في العالم يعمل في مهنة مدرب لقدرات التنمية البشرية.

اقرأ أيضا