صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

قبائل عربية في أوزبكستان

من الحياة اليومية

من الحياة اليومية

زرت أرمينيا، ووقفت على آثار مدينة دوين قاعدة الفتوحات الإسلامية لبلاد جنوب القوقاز، ومقر ممثل الخليفة في تلك البلاد، وصعدت شمالاً إلى حدود جمهورية جورجيا ولكني لم أدخلها، ثم زرت جمهورية قرغيزستان، وتجولت في وادي فرغانة الشهير، ووصلت مدينة أوش على الحدود الأوزبكية - القرغيزية، في رحلة بدأت من مدينة بشكيك العاصمة بمحاذاة جبال تيان شان الشهيرة، التي وصلتها جيوش القائد الفذ قتيبة بن مسلم الباهلي، وكنت على بعد كيلومترات معدودة من قبره، وصولاً إلى حدود الصين إلى مدينة كشغر التي لم تتح لي الفرصة لزيارتها· كما زرت جمهورية أذربيجان، ووقفت على عدة قرى جبلية جميلة قيل لي أنها مسكونة من قبل أبناء القبائل العربية·
تحيط بمدينة شماخي القرى العربية العديدة التي حافظت على أسمائها العربية القديمة، مدينة برذعة في أقصى الحدود الغربية الأذربيجانية، ومدينة كنجة مدينة الشاعر الشهير نظامي كنجوي، صعوداً إلى حدود داغستان، وفيها مدينة دربند التي سماها العرب باب الأبواب·
كما زرت جمهورية أوزبكستان وتفرجت على كنوز سمرقند، التي سماها العرب ياقوتة الدنيا، ومدينة بخارى التي يكفيها شرفاً أنها المدينة التي أنجبت الإمام البخاري·
هاجرت كثير من القبائل العربية إلى خارج حدود الجزيرة العربية لعدة أسباب، وخلال فترات تاريخية متعددة، خاصة بعد بدء الفتوحات في العصر الأموي ثم العباسي، ووصل أبناء تلك القبائل مثل أسد وطئ والازد وتميم وغيرهم، بدءاً من إيران إلى منطقة آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، إلى أذربيجان أو بلاد اللان، وأرمينيا، وداغستان، وأشهر مدنها مدينة ديربند، أو باب الأبواب كما سماها العرب، وأوزبكستان وأشهر مدنها بخارى وسمرقند وفرغانة، وصولاً إلى كشغر في جنوب غرب الصين اليوم، إلى خراسان التي تتوزع رقعتها الجغرافية اليوم بين جمهوريتي تركمانستان، وتوجد فيها إحدى أهم قاعدة من قواعد الفتوحات الإسلامية، مدينة مرو Merv التي نشأ وتربى فيها الخليفة المأمون قبل توليه الخلافة، ومنطقة أبرشهر التي عرفت بنيسابور أو نيشابور في شمال شرق إيران اليوم، وفيها مدينة طوس، مدينة الإمام أبي حامد الغزالي، وفيها قبر الخليفة هارون الرشيد، هنا قراءة في أسباب هجرات تلك القبائل إلى بلاد ماوراء النهر التي تعرف اليوم بجمهورية أوزبكستان·
حضارات نهرية
الأراضي الواقعة ماوراء نهر سيحون، التي تقع اليوم ضمن جمهورية أوزبكستان، هي إحدى أهم جمهوريات آسيا الوسطى· وقد أعلنت استقلالها في 31 أغسطس عام 1991 وكانت بذلك أول دولة إسلامية تعلن خروجها من منظومة الاتحاد السوفييتي· بالإضافة إلى وقوعها في قلب آسيا الوسطى، هي تقع بين نهرين من أشهر الأنهار سيراداريا (أوسيحون كما تسميه كتب التراث العربي) وأموداريا (جيحون)· تماماً مثل حضارة الصين التي نشأت بين نهرين· وهي بشكل أو بآخر تنتمي إلى كل الحضارات النهرية التي عرفها العالم· امتزج على أرض أوزبكستان عنصران أساسيان هما الجنسان الآري والتركي· ولم يعيشا بمعزل عن التطورات الإثنية في العالم من حولهما، فقد قام الإسكندر المقدوني بغزو هذه المنطقة في القرن الرابع قبل الميلاد، وحدث أول تمازج بين الحضارتين الهلينية والشرقية، وأصبحت أوزبكستان أهم الحلقات التي تربط طريق الحرير·
الفتح الإسلامي
في عام ،651 بدأ الفتح الإسلامي لهذه البلاد تحت قيادة قتيبة بن مسلم، وبدأت بهذه الموجة الحضارية الثالثة التي غمرت هذه المنطقة، وقد وجد الإسلام طريقاً صعباً للنفاذ إلى هذه القبائل الرعوية المتناثرة، ولكن دخول أهل أوزبكستان إليه، أهل الاستقرار والزراعة، أعطى الإسلام دعماً قوياً، وقاد ذلك إلى إنتاج طائفة من العلماء الأجلاء مثل الإمامين البخاري والترمذي اللذين أصبحا من الأعمدة الأساسية في الحديث والتفسير· ولم يحضر العرب الإسلام إلى وسط آسيا فقط، لكنهم أحضروا اللغة العربية التي استمرت سائدة في هذه المنطقة لمدة ألف عام على الأقل· ضمّت أوزبكستان أشهر المدن والمراكز الحضارية التي اكتسبت شهرتها في العالم الإسلامي قديما، وعرف من أبنائها كثير من العلماء الأعلام في الفكر والفن والهندسة والطب والفلك والعلوم الشرعية الدينية، ممن أطبقت شهرتهم الآفاق بفعل منجزاتهم الفكرية والعلمية التي أنارت آفاق العلم، وهذه إحدى سمات الحضارة العربية الإسلامية، أولئك العلماء دونوا جل مؤلفاتهم باللغة العربية، لغة العلم والحضارة آنذاك، حيث سادت لعدة قرون بعد أن أشرق نور الإسلام على هذه البقاع فأثرى شخصية أبنائها، وأعطاهم تلك الخصوصية الحضارية ذات البعد الكوني والإنساني·
الهجرة العربية
منذ أكثر من ألف عام، هاجرت قبائل عربية إلى بلاد ما وراء النهر، وهي منطقة آسيا الوسطى، كما أطلق عليها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وظهور خمس جمهوريات مستقلة اليوم في هذه المنطقة وهي:
أوزبكستان، كازاخستان، تركمانستان، قرغيزستان، وطاجكستان، عاصر العرب فيها الكثير من الأحداث عبر التاريخ أثرت على هويتهم وثقافتهم· من نظرة متفحصة في المراجع الصادرة خلال الفترة الأخيرة من الحكم السوفييتي لآسيا الوسطى، نطالع تسميات غير واضحة عن نسب القبائل العربية، ولا بد أن ذلك حدث بسبب التشويه الكبير الذي لحق بتاريخ المنطقة أثناء الوجود الروسي والحكم السوفييتي، وتدوين تلك التسميات بالحروف الروسية من قبل أناس يجهلون المخارج الصحيحة لحروف اللغة العربية، فنطالع أسماء لقبائل مثل: بالوي، إسكندري، قريشي، باخشي، جورجي، زانجي باي، مير، حيدري، رشيدي، سانوني، خوجة جي، شيباني، وغيرها من الأسماء·
وقد قسّم الباحثون المستشرقون الروس القبائل العربية إلى مجموعات ثلاث، هي:
1 - مجموعة القبائل العربية الأصيلة التي واكبت الفتح العربي الإسلامي لما وراء النهر·
2 - مجموعات عرقية ظهرت خلال القرون الوسطى المتقدمة، وحملت قبائلها تسميات جغرافية، ويعتقد أن بينها قبائل عربية أصيلة·
3 - القبائل العربية الأصيلة التي سكنت المنطقة خلال فترة لا تزيد على 100-150 سنة·
ويشير المستشرق الروسي برتولد Barthold في كتابه العالم الإسلامي الذي نشر عام 1918 م، أن العرب احتفظوا بقوة بشخصيتهم القومية، وتركيبتهم وتسمياتهم القبلية البدوية في تركستان حتى الآن، ولو أنهم فقدوا لغتهم العربية (هذا الكلام قيل بالطبع أوائل القرن المنصرم)· وفي البلدان المفتوحة استوطن البدو ليس كقبائل متفرقة، بل في مجموعات قبلية كبيرة·
وقد انقسموا إلى شماليين وجنوبيين، كان القسم الأعظم منهم موزع على المجموعات الرئيسية من القيسيين والكلبيين، وكانت القبائل الشمالية العربية مقسمة بدورها إلى نزاريين ومعديين، ومعد كان ابن عدنان، ونزار كان ابن معد·
وضمت مجموعة مضر، التي ينسب إليها القيسيون، ربيعة ووائل، والأخيرة انقسمت بدورها إلى مجموعات بكر وتغلب·
تقسيم تركستان
تدل الدراسات المختلفة المهتمة بمنطقة آسيا الوسطى، على أن العرب يعيشون بكثافة في جمهورية أوزبكستان وتركمانستان وطاجكستان، خاصة المناطق الجنوبية منها، وبذل في العديد من هذه المراجع الكثير من الجهد لتسليط الضوء، وإعطاء معلومات تحليلية عن منشأ عرب تركستان انطلاقاً من المعلومات التي توافرت لها، ومن الدراسات الاثنوغرافية الميدانية التي قامت بها البعثات الروسية، والمراجع المدونة، كما حاولت فرق علمية بقيادة عدد من خيرة مسستشرقي الاتحاد السوفياتي السابق تتبع طرق الهجرة التي اعتمدتها القبائل العربية للوصول إلى تركستان·
ولابد من الإشارة إلى أن السلطات السوفييتية عمدت إلى تقسيم تركستان الروسية (وهي تركستان الغربية، حيث الجزء الشرقي من تركستان التاريخية أي تركستان الشرقية يقع اليوم في الجزء الغربي من الصين في مقاطعة سينكيانغ، وأشهر مدنها الإسلامية التي وصلها العرب هي مدينة كشغر) قسمتها السلطات السوفيتية إدارياً إلى جمهوريات: أوزبكستان، وقازاخستان، وقرغيزستان، وطاجاكستان، وتركمانستان في عام 1924 م وما بعد· كما يشير الدكتور محمد البخاري والدكتور تيمور مختاروف في كتابهما ''صور عربية من تاريخ العرب في ماوراء النهر''، بينما احتفظت الإدارة العسكرية السوفييتية بوحدتها القيادية تحت اسم ''قطاع تركستان الحربي'' منذ تأسيسها في 1867 م وحتى خروجها من المنطقة بعد استقلال هذه الجمهوريات، وانفراط عقد الاتحاد السوفييتي السابق· وقد تسنى لي زيارة دولتين من هذه الدول الخمس هما أوزبكستان وقرغيزستان·
ورغم الجهود التي بذلها المستشرقون الروس إلا أن عاملي الزمن والطرق التي سلكها العرب للوصول إلى مناطق سكنهم الحالية، لم يحظيا بدراسة كافية من مدراس الاستشراق المتعددة؛ لأن تركيزها كان على تثبيت فكرة أن العرب غزاة ومحتلون، وأنهم خلال غزوهم لما وراء النهر، خلال الفترة التاريخية الممتدة ما بين القرنين السابع والثامن الميلاديين، تركوا في المدن الرئيسية ببلاد ماوراء النهر (أوزبكستان حالياً) بخارى، وسمرقند، مجرد حاميات عسكرية لا أكثر، وأنهم أجبروا السكان المحليين على إخلاء قسم من بيوتهم لسكناهم·
ولكن المستشرق برتولد Barthold اعترف في كتابين آخرين له الأول عنوانه ''تركستان في عصر الاجتياح المغولي''، والثاني هو ''بعض الآراء عن الثقافة الآرية في تركستان''، أن العرب في وقت متأخر انتشروا في المنطقة بشكل واسع، وأنهم عاشوا خلال القرن التاسع الميلادي في جميع مدن خراسان وماوراء النهر· وخراسان تاريخياً هي منطقة شاسعة تشمل اليوم أراضي شمال شرق إيران، وأهم مدنها نيسابور او نيشابور، وتاريخياً مدينة طوس التي توفي ودفن فيها الخليفة هارون الرشيد رحمه الله، وتشمل خراسان مناطق شاسعة تقع اليوم معظم أراضيها في جمهورية تركمانستان، وأهم مدنها واحة مرو وتسمى اليوم ميرف Merv وكانت تسكنها قبائل عربية كتميم وأسد والأزد وطئ وغيرها·
الانتشار التاريخي
تذكر المراجع التاريخية (الروسية بصورة خاصة والتي لم يترجم أغلبها على حد علمنا لحد الآن وهذه دعوة نوجهها إلى كل المهتمين بتاريخ القبائل العربية من أفراد وجهات إلى المبادرة وتوجيه الدعم اللازم لترجمة كنوز الاستشراق السوفييتي) أن العرب أثناء حملاتهم الأولى لفتح بلدان ما وراء النهر ونشر الدين الإسلامي فيها، تواجدوا في المناطق التي لوحظ فيها مناطق سكنها العرب في مايمورغ في جنوب شرق سمرقند عام 654 م، وشاهنيان في حوض نهر سورخنداريا عام 667 م، وراميتان وغيرها من المناطق القريبة من بخارى خلال عامي 673 - 674 م، وفي منطقتي بخارى وسمرقند في عام 676 م، ومناطق بخارى وسمرقند وخجند خلال أعوام 680 - 683 م، وترمذ في عام 689 م·
وفي عام 710 م في مدينة نسف بالقرب من قارشي وكيش أو مدينة شهرسابز وهي مسقط رأس الأمير تيمور، وخلال الأعوام 710 - 712 م في خوارزم، وخلال عامي 713 - 714 م في وادي فرغانة (حيث سنحت لي الفرصة لزيارته من الجانب القرغيزي) ومدينة الشاش (طشقند عاصمة أوزبكستان حالياً)، حيث تتركز أكبر نسبة من السكان المتحدرين من أصول عربية، وهذه كلها مناطق تقع اليوم في جمهورية أوزبكستان·

المصدر : د· البخاري محمد، ود· مختاروف تيمور، صور عربية من تاريخ العرب في ماوراء النهر، ط1 2002م مركز زايد للتراث والتاريخ، العين·