الأربعاء 25 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
المرة القادمة··لن نقول حصل خير!
11 أغسطس 2005

القاهرة ـ سارة صلاح:
هذه ليست حادثة لكنها لولا ستر الله وشهامة الاستاذ اسماعيل كان يمكن ان تكون حادثة بشعة·· كان يمكن أن تكون كارثة تحل على رأس التلميذة اليتيمة هبة!
انتهت زيارة الاستاذ اسماعيل للإسكندرية وركب القطار العائد إلى القاهرة وهو يستجمع في خياله الأيام التي قضاها في الإسكندرية مرتاح البال، في القطار انشغل بقراءة الجريدة·· لأكثر من ساعة لم يرفع رأسه خلالها عن صفحات الجريدة إلا نادرا، لكنه اخيرا فوجئ بمن يقتحم عليه خلوته·· يا استاذ: حضرتك مسافر إلى القاهرة؟
نظر الاستاذ اسماعيل بدهشة للرجل الذي كان يقف إلى جوار مقعده واستغرب منه هذا السؤال·· فهو لا يعرفه كما انه لا يرتدي زي مفتش القطار ليسأله مثل هذا السؤال لكن مع ذلك لم يكن لديه مانع في الإجابة· نعم·· أنا مسافر إلى القاهرة· قال له الرجل: إذن·· هل لديك مانع من توصيل 'أمانة' إلى مصر؟ بدهشة سأله الاستاذ اسماعيل أمانة؟ ما هي؟ لم يرد الرجل وانما اشار إلى شيء ضئيل كان يقف خلفه واتسعت عينا الاستاذ اسماعيل ذهولا وهو ينظر إلى الأمانة 'كانت طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها في عينيها بحر دموع وفي يدها كيس صغير به ملابسها القليلة!·
قال الرجل للأستاذ اسماعيل إنه لا يعرف هذه الطفلة لكنه وجدها في القطار تبكي، وعندما سألها عما بها قالت له انها من القاهرة، وانها كانت في رحلة بالإسكندرية مع بعض تلاميذ مدرستها، حيث أقاموا في معسكر للمتفوقين بالأنفوشي، وان بعض التلاميذ ضايقوها، فتركت المعسكر عائدة إلى بيت أهلها في القاهرة لكنها في القطار شعرت بانها لن يمكنها الوصول أبدا إلى البيت فاستغرقت في البكاء·
أخذ الاستاذ اسماعيل ينقل بصره بين الرجل والطفلة الصغيرة غير مصدق لقصة الرجل· ثم سأل الطفلة بصوت حنون: صحيح يا شاطرة الكلام ده؟ أومأت برأسها موافقة وقد غطت الدموع وجهها البريء·· لكن الايماءة لم تكن كافية لاقناع رجل دقيق مثل الاستاذ اسماعيل الذي يعمل مدرسا فأفسح لها مكانا بجواره على المقعد واخرج منديلا مسح به دموعها· ثم سألها: ايه الحكاية بالضبط؟
قالت هبة·· أنا تلميذة بالصف الخامس بمدرسة الامام محمد عبده الابتدائية المشتركة بباب الشعرية· نجحت بتفوق فاختاروني للسفر مع المتفوقين في معسكر الكشافة البحرية بالأنفوشي بالإسكندرية·· كان معسكرا جميلا وقضينا أياما حلوة لولا ان احدى زميلاتنا وهي ابنة مدرس كانت تضايقني وتسخر مني لأني أسكن في حي باب الشعرية الشعبي وعندما فاض بي فكرت في الذهاب إلى عمتي التي تعيش بالإسكندرية لتحضر وتتسلمني من إدارة المعسكر وخرجت دون ان يعلم احد وأنا أتصور ان الإسكندرية صغيرة لكني فوجئت بعد ان مشيت أكثر من ساعة بالزحام والسيارات انني ضعت في الشوارع·· وقفت أبكي فتوقف سائق تاكسي ليسألني عما بي وعندما حكيت له حكايتي اصطحبني إلى محطة القطار وقطع لي تذكرة وركبت القطار لكني شعرت بالخوف فأنا لا أعرف حتى شوارع القاهرة فتجمع حولي الركاب وتطوع هذا الرجل الطيب ليحل مشكلتي·
سألها الاستاذ اسماعيل: (موش خايفة) يا هبة والدك يزعل لما يعرف أنك تركت المعسكر بدون اذن؟
ردت ابنة العاشرة في براءة: أنا عايشة مع ماما·· بابا مات من زمان! اشترى لها ساندويتشات وشيكولاتة ولانه رجل دقيق لم يتسلمها من الراكب هكذا وانما أصر على تحرير 'مذكرة' كتبها بنفسه وفيها أقوال الراكب الذي عثر على 'هبة' وجعل بعض الركاب يضعون توقيعاتهم وعناوينهم وأرقام بطاقاتهم الشخصية كشهود!·
لم يذهب بها إلى بيتها مباشرة، بل ذهب إلى أقرب جامع من البيت دخل ومعه الطفلة الصغيرة· حكى كل شيء لإمام المسجد وطلب منه احضار 'أم هبة' التي ما ان ظهرت على باب المسجد حتى اندفعت ابنتها إلى حضنها وتفجرت دموع الطفلة مرة أخرى·· واختلطت بدموع أمها التي لم تكن تدري ما يحدث ولا لماذا ابنتها هنا وليست في المعسكر مع زميلاتها بالإسكندرية؟
كان الليل قد هبط· غادر الاستاذ اسماعيل حي باب الشعرية سائرا على قدميه يفكر· ركب القطار عائدا إلى بيته في حلوان·· لم ينم جيدا في الصباح كان في مكتبي يروي لي الحكاية· قال: كان ممكن أقول لنفسي انني عملت ما عليّ وأرضيت ضميري بتوصيل 'هبة' إلى أمها·· لكن ضميري لم يسترح·
سألته: لماذا؟
قال: لا يجب ان تمر القصة هكذا بسهولة لابد من التحقيق مع المشرفين على المعسكر·· لا ينبغي ان ننهي القصة بالعبارة التقليدية المرفوضة 'حصل خير' لان الحقيقة انه بالفعل لولا ستر الله كان يمكن ان تحدث أشياء كثيرة للطفلة 'هبة'·· الخير آخرها!·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©