الثلاثاء 24 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
زواج في مهب الريح!
11 أغسطس 2005

القاهرة ـ اشرف عبدالمنعم:
عندما يسيطر الكسل العقلي على رؤوسنا، ويعبث الضمور بأفكارنا في آلام مضنية، ونقف على جدول اليقين عطاشى يقتلنا الظمأ الى الحقيقة·· فإذا باليقين تخالطه عكارة الظنون·· أنقف حيارى؟ هل نظل ظمأى·· أم نشرب من اليقين المخلوط بالشكوك؟ وكل حالة من الحالتين لها ما بعدها·· والجريمة كرصاصة انطلقت لا مهرب منها!!·
لا شك أن في الأمر أكثر من شيء غير معقول·· إنها في جلستها تلك تحاول الامساك بعقلها، وهو يهرب منها هروب نعامة من بندقية صياد·· كلما خيل لها أنها بدأت وراحت تقرأ الصور في ذاكرتها، دخلت الصور بدون استئذان في بعضها، وركبت الصفحات بعضها، وطالعتها النهاية التي آلت إليها· وتكورت عشرون عاما على بعضها، كأنها في منديل قديم مهترئ تتساقط من ثقوبه الأحداث!
ها هي الجولة الأولى برحابتها والدنيا تفتح ذراعيها، وتفرش الأرض تحت قدميها وهي تخطو أولى خطواتها في جامعة القاهرة وفي كلية قمة ترنو إليها العيون، وكل أهلها وفي مقدمتهم الأم تناديها 'يا باشمهندسة' وهي نشوانة بكل ما حولها تمارس النصر كحق لها جزاء ما بذلته من جهد، لم يؤثر في جمالها ورواء شبابها الذي اضفى عليه الانتصار بهاء جديدا، وحتى تحتفظ بالنصر دائما أصرت على الاجتهاد المضني، دون أن تلتقط انفاسها، فهي اختارت كلية لا تعطي طلابها فرصة لالتقاط الأنفاس!·
لا وقت للصداقة
وأبدت تفوقا ملحوظا، وحرصت على المحاضرات حرصها على الحياة نفسها واجتازت المراحل الأولى والثانية بتفوق لفت إليها انظار الطلاب والطالبات والاساتذة، وبدأت الصداقات تسعى إليها من كل جانب حتى انها كانت تتهرب منها بحجة أنه لا وقت تضيعه في القيل والقال، أما اذا كانت مذاكرة ومناقشات في المحاضرات فمرحبا بها·· وفي المرحلة قبل الأخيرة كان منافسها طالب تبدو عليه سمات الثراء، فهو صاحب سيارة، ووالده يرأس مجلس ادارة شركة مقاولات كبرى، وحاول أن يفتح معها حوارا لكنها لم ترحب به، وجن جنونه، ولم يتورع أن يفاتحها في أنه يبغي صداقتها لانه ينوي خطبتها فعلا، قبل الامتحانات، وظن وهو ينهي اليها الخبر أنها سوف ترقص فرحا، لكنها قطبت وجهها وقالت له في غضب انه في قرارة نفسه يريد فقط ان يشغلها حتى تنشغل به، فلا تتفوق عليه، ومن الخير له ان يبحث عن وسيلة اخرى!·
وكانت صدمة للشاب، الذي كان الى حد ما صادقا في شغفه، ولامها على ما فعلته به الكثير من الزميلات، والزملاء·· فقد ذاعت القصة بين طلبة 'البكالوريوس' واهتمت به زميلة اخرى، وتزوجا فعلا بعد التخرج بشهر واحد·· أما هي فوجدت وظيفة في شركة هندسية كان أحد اساتذتها مستشارا لها، وافاقت بعد الوظيفة فوجدت نفسها تتابع أخبار الخطوبات والزيجات باهتمام·· فقد استيقظت الأنثى التي يحتويها هذا الكيان والذي أصبح في حاجة إلى رجل!·
تنازل
وأعلنت احدى الهيئات الحكومية عن طلب مهندسين وتقدمت وعُينت في الوظيفة وتسلمت عملها الذي كان في ضاحية من ضواحي القاهرة ومضت عليها عدة أشهر قبل أن تلتقي بهذا المهندس الذي تقدم إليها يطلب يدها، ولم تتردد في أن تقدمه لأهلها، وتمت الخطوبة وراح كلاهما يدرس الآخر على مهل، ولم تجد فيه ما يمنع من أن يصبح زوجا ناجحا، فالتكافؤ موجود والرغبة في بناء بيت ومواصلة الحياة الزوجية موجودة بدرجة عالية، والتجاوز عن الاختلافات في بعض الآراء موجود أيضا، والإلفة والعشرة سوف تذيب الكثير من التراكمات، مع قبولها بالتنازل عن نزعة التفوق التي تلازمها، لان الرجل يرضيه أن يكون هو المتفوق، وهي على استعداد محدود جدا، لأن تعطيه بعض ما يريده، على ألا يكون ذلك على حساب تفوقها الأصيل في تكوينها· ومضى العام الأول وحملت واستطاع الحمل أن يجعلها هادئة ويختصر الكثير من نزعتها إلى التفوق وتهذيب أنانيته دون أن يسقط أسنانها، وكان التعايش السلمي بينهما يغرس أرضهما بزهور يراها الجميع!
وجاء الولد الأول واكتسحت الفرحة بالانجاب كل الخلافات الصغيرة ووثبت المسؤولية عند كليهما تشغله عن نفسه بشيء آخر يستحق الانشغال به، بل هو أجمل ما يشغل به أي إنسان خاطره، ونسيت أو تناست في هموم الأمومة تفوقها، وفي العام الثالث وعلى وشك الرابع، جاء الابن الثاني وأصبح أبا للمرة الثانية وشعر أن الأبوة ليست شيئا جميلا، كما كان يتصور·· فالمصروفات تضاعفت والغلاء كل يوم يقضم المرتب بلا رحمة - مرتبه ومرتبها - وفكر في البحث عن عقد عمل في الخارج، ورحبت بالفكرة وركزا جهودهما في هذا الاتجاه الذي حل مكان كل الأحلام السابقة· ويوم أن جاء يحمل إليها عقد العمل في الكويت عدت ذلك انتصارا لهذه الأسرة التي هي الركن الأول فيها وذهبت تطلب إجازة بدون أجر لمرافقة الزوج المسافر·· لكن الشركة رفضت إجازة أكثر من عام، وبعدها تعتبر مستقيلة، ولم تجد بدا من القبول وسافرت الأسرة على اعتبار انه بعد عام تكون الأمور قد تكشفت·· أما هو فقد استقال!
ومضت بهم الحياة في الكويت·· وقد ارتفع الدخل إلى الضعف ثلاث مرات أو أكثر وكبر الولدان، ومضى عام كامل وبحثت عن عمل والتحقت به وتضاعف الدخل واستولى هو على مرتبها يضعه في البنك باسمه، ولم تشأ أن تتوقف عند هذا المنحنى·· فالهدف البعيد أو القريب·· أصبح ادخار أكبر مبلغ في أقل فترة غياب عن القاهرة للعودة، ولكن الفترة طالت إلى عشر سنوات، وفي كل عام يحضران إلى القاهرة في إجازة ويرتفع الرصيد وكلما ارتفع أغراهما بالبقاء إلى أن جاءت حرب الكويت وقبلها بشهر واحد كان قد سحب كل رصيده وحوله إلى القاهرة تمهيدا للعودة·· ومن حسن حظهما أن الحرب وقعت وهما في إجازة· ورغم أن نية العودة كانت موجودة إلا أن الحرب أصابتهما فقد فوتت عليهما أن يكون قرار العودة النهائي بأيديهما، واتفقا على الانفاق من عائد المدخرات إلى أن يجدا عملا أو يقيما مشروعا· وبقيت في البيت وراح هو يستكشف·· أي عمل يختار؟ هل يقيم مشروعه وحده أم مع آخرين؟·· أم يلح في الالتحاق بوظيفة·· وهي هل تظل ربة بيت، وترعى الولدين أم تبحث هي الأخرى عن وظيفة؟
أنياب البطالة
وطالت البطالة عليهما وأفزعهما أن العائد لم يعد يكفيهما واضطرا إلى السحب من الرصيد بعد عامين، وازداد الاضطراب وكلاهما يتظاهر أمام الآخر بالتماسك، لكن الأعصاب المتوترة جعلت الخلافات تدب بينهما، وتخطف الاستقرار، والرضا بالواقع، وكان عليه أن يجد عملا أيا كان الأجر، وفي أي موقع وراح يتصل بكل الزملاء في عديد من الشركات، والمؤسسات، وأخيرا جاء يعلنها أنه وجد وظيفة مهندس في إحدى مدن 'القنال' وأفزعها أن يبتعد عن الأسرة وعن الولدين اللذين دخلا الجامعة·· لكن لم تقف في سبيله، فليس هناك البديل· وتسلم العمل ولم يعد يحضر سوى أول كل شهر بضعة أيام، ثم يواصل الغياب، ووجدت المهندسة أنها في بطالة وان الأولاد لم يعودوا في حاجة، لكنها هي كانت في حاجة إلى عمل تشغل به وقتها، فقد كان البقاء في البيت يحطم معنوياتها شيئا فشيئا، وهو أول كل شهر يحول البيت جحيما، ويختلق المعارك، ويمارس ضرب تفوقها في الصميم وتحاول أن تتفادى الغضب من أجل الإجازة·· لكنه يتحصن غاضبا، ويدفع إليها بالنقود ويترسخ في ذهنها أنها ليست زوجة وإنما هي مديرة بيت فقط، وتمعن في التفوق، والتعالي ويمضي هو في إهمالها كامرأة وزوجة وتطول برودة الفراش، كل إجازة وتتحرك الأنثى داخلها، وتلعب في صدرها فرقة من الفئران، لا فأرا واحدا·· لا بد أن في الأمر امرأة أخرى!
وانطلقت بكل ملكات المرأة التي جُرحت في أكثر من موضع تريد الوصول إلى السر في هذه الطعنات·· في زيجة ناجحة طوال ما يقرب من عشرين عاما·· ثم تفوق في كل مجال من الدراسة إلى الوظيفة·· وها هي الأيام تسلبها الوظيفة·· ثم توشك أن تسلبها البيت الذي تفاخر به، فماذا يبقى لها؟·· كانت عازمة على كشف ما غيره وسافرت إلى مقر عمله وراحت تتحرى في سرية تامة وداهمتها المفاجأة دون تمهيد· فقد تأكدت من أنه على علاقة 'بصيدلانية' تعمل في نفس المؤسسة التي يعمل بها وتمكنت من مشاهدتها فاطمأنت، فهي لم تكن تفوقها في الجمال، ولكنها أصغر منها فلم تكن تجاوزت الثلاثين إلا بسنوات، أما هي فقد تجاوزت الأربعين منذ سنوات·· وبذلت من أعصابها الكثير حتى لا تهاجمه هناك·· إلا أن أعصابها لم تتوقف عن النزيف، وهي تنتظر قدومه أول الشهر، ولم تستطع أن تفتح فمها لمخلوق بمأساتها·· فقد عز على كبريائها أن تعلن حتى لولديها أنها هُزمت من امرأة· ورغم انها رأتها بعين الباحثة التي تريد ان ترى العيون مضاعفة، إلا أنها لم تنكر هذا السحر الأنثوي الذي يغلف ملامحها، وهذا الطلاء الذي يجتذب الرجولة، ويحركها في عنف ولعل 'الملعونة' اخترعته لنفسها فقط·· فقد كان من بين المعلومات التي وصلتها عنها انها لعوب شديدة الإغراء، وليس أدل على ذلك من أنها مطلقة للمرة الثالثة، وهي قادرة على أن تلقي في روع كل رجل أنها خلقت له، ولو كان أضعف الرجال، ولعل ذلك أقوى عناصر قدراتها الأنثوية·· التي تصطاد بها الرجال! وقد بدأت العلاقة بينها وبين المهندس الزوج، والأب والذي اضطربت نفسيته من البطالة والهزيمة واهمال زوجته له بانشغالها بالولدين عنه·· منذ أول شهر وصل فيه إلى هذه المدينة·· ثم تطورت العلاقة إلى زواج عرفي بموجب عقد حرره محام وشهد عليه اثنان وكانت الوليمة 'علبة حلويات'!
علمت الزوجة بكل هذا وعادت فلم تنبس ببنت شفة·· لكنها سقطت طريحة الفراش، وهذا ما جعلها تعود إلى شريط حياتها، وعند هذه الصورة الأخيرة·· فوجئت بالابن الأكبر يدخل عليها ويلح عليها في السؤال، لماذا ركبها الاكتئاب فجأة ولماذا هي مريضة؟·· وأقسمت بكل الايمان انه ليس أكثر من 'شوية برد' ولملمت الفراش حولها، كأنها تخشى أن يرى الابن الصور، وهي تجري بين صدرها ورأسها!!
الاختيار
وجاءت إجازة 'المهندس' الشهرية وفوجئ بزوجته المريضة فأبدى الانزعاج، وزعمت أنه البرد لكنه لم يصدق ولما ألح عليها انفجرت فيه وقالت له كل شيء، وقالت له ان عليه أن يختار·· وسألها هل الأولاد عرفوا؟ قالت: لم يطاوعني قلبي على كسر شبابهم في أبيهم· قال لها: إذن فسوف أطلقها عند عودتي! وغادرت الفراش، وأمضى أجمل إجازة وداعبها الأولاد بقولهم 'انهم عرفوا الآن سبب المرض الذي كانت تعانيه ويقترحون أن يبحث الأب عن عمل هنا'· لكن لم يخطر ببالهم شيء من الحقيقة·· وعاد 'المهندس' وكانت لديه الشجاعة لكي يعلم 'الصيدلانية' بالطلاق·· وأرعدت وأبرقت وهددته بالقتل ثم الانتحار بعده·· لأنها لا تطيق الحياة بغيره أو مع غيره·· وتماسكا فتضاربا، وخرج فذهب إلى قسم الشرطة، يسبقها وحرر محضرا اثبت فيه أنها تهدده بالقتل مسموما، وذهبت المباحث للقبض عليها ففوجئت بها ميتة على سريرها، فألقوا القبض عليه·· وقال التقرير الذي حُرر بمعرفة الطب الشرعي بعد تشريح الجثة ان 'الصيدلانية' تناولت كمية قاتلة من الحبوب·· وأفرجت عنه النيابة·· وكانت أسرته قد جاءت لتقف بجواره في مأساته، وبعد الإفراج سأله ابنه الأكبر: لماذا اتهموك بقتلها دون أهل المدينة؟ قال: يا بني·· كانت زوجتي!
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©