الاتحاد

دنيا

النيادي: أيها الشباب لن يفكر عنكم أحد وأيها الآباء نحتاج دعمكم

سيف علي المطوع

سيف علي المطوع

نحتاجكم ··· نحتاج لحبكم وحنانكم وأن نكون أول أولوياتكم، لا تنشغلوا عنا بمشاغل الدنيا ومادياتها الزائلة، فلحظة اقترابكم منا واحتوائكم لنا سر سعادتنا، ولا تحرمونا قربكم ودفء الجلوس معكم، لا تقرروا عنا بدعوى أنكم حريصون علينا، امنحونا حقنا في أن نختار ونجرب ونتعلم من أخطائنا· امنحونا ثقتكم وانزعوا الخوف من بين أعيننا وأعينكم، لاغنى لنا عنكم فاجعلوا أعينكم لا تغادرنا دون أن نشعر! هذه صيحة نداء من جيل اليوم الى الآباء ، من خلال حوار الأجيال الذي يجمع بين أب وابن من أسرتين مختلفتين، الأب هو سيف علي المطوع ، 48 عاماً، أنهى دراسته الجامعية من جامعة الإمارات وحصل على البكالوريوس في الآداب عام 1986 ودبلوم في الإدارة المدرسية عام 1997وشهادة المدرب المتميز من بريطانيا عام 2008 · وتنقل في وظيفته بين المدرس ومساعد المدير ومدير مدرسة ومذيع في قناة الشارقة لمدة أربع سنوات وأخيراً يعمل ومنذ ست سنوات كموجه إداري في منطقة العين التعليمية، ومدرب ومحاضر تربوي على مستوى الدولة لجميع مؤسسات الدولة وقطاعاتها·
والابن هو أحمد مطر النيادي، شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره ، التقيناه ليخاطب الشباب بلغتهم ، وهوالأول على صفه ومدرسته، وحصل على جائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز في دورتين، ومثل دولة الإمارات في القاهرة بعد حصوله على المركز الثاني في مسابقة التفوق في اللغة العربية·وينتمي لأسرة إماراتية متعلمة ومثقفة، تسكن في منطقة في العين تسمى أم غافة، غرست في نفس أحمد منذ طفولته الطموح وحب العلم ·
الحياة زمان
يحدثنا المطوع عن طبيعة الحياة في الماضي ويقول :''لقد عاشرت جيلين مختلفين، وأذكر أننا كنا نعيش في العريش المصنوع من سعف النخيل وذلك في فصل الصيف ، أما في فصل الشتاء فكنا نعيش في الخيم لتمتعها بالدفء، وكنا نحصل على الماء من الآبار، وكوني عشت ولا أزال في منطقة جبلية هي رأس الخيمة، فكانت تأتينا سنوات تجري المياه فيها بالسيول بكثرة ، أما المواصلات فكانت على الأغلب على الإبل والحمير، وبالنسبة للرعاية الصحية كانت غير متوفرة بالشكل الكافي حيث أن أقرب مستشفى يبعد عنا 45 كيلو متراً، لكن كنا على الأغلب نعتمد على الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب والكي، الذي أؤمن به كعلاج لبعض الأمراض ولديّ تجربة شخصية بذلك· وتعلمت في مدرسة قديمة ، وكنا ندرس بعض الحصص تحت الشجر·
كما أنني أذكر أن جدي راشد المزروعي المطوع كان شيخاً يدرس الأطفال في الكتّاب ويركز على تحفيظهم القرآن الكريم وتعليمهم الصلاة والعبادات وقليلاً من القراءة والكتابة دون وجود منهج محدد وهذا إشارة إلى التعليم في فترة الأربعينيات والخمسينيات·
العلاقات الأسرية
يصف المطوع علاقته بأسرته :'' علاقتي بأسرتي قوامها الحب والتفاهم والاحترام والتواصل المستمر على الرغم من كثرة أعباء العمل، لكنني أتواصل معهم بالهاتف بشكل دائم وأجالسهم وأستمع لهم على الأقل أربعة أيام في الأسبوع، فالتواصل الحقيقي مطلوب، وليس الصوري أو الشكلي، ولا يخفى أهمية المائدة الأسرية التي نعلم أبناءنا من خلالها أشياء كثيرة كآداب الطعام واحترام النعمة وغيرها وهذا على عكس ما نلحظه هذه الأيام حيث أن الأب يأكل لوحده والأبناء كل يأكل لوحده وفي غرفته ، أنا لا أنكر أن أعباء العمل قد تمنع من الاجتماع على كل وجبات الطعام ولكن على الأقل الاجتماع على وجبة طعام واحدة يومياً''·
وبالنسبة للعلاقات الاجتماعية في الماضي يعتقد المطوع أنها:'' كانت تتميز بالترابط الكبير ومما أذكره أنه لم تكن هناك شركات تتبنى مشاريع بناء البيوت أو المساكن ، بل كان الناس يساعدون بعضهم البعض في بنائها ، كما أن العلاقات لم تكن فقط بين أبناء القرية الواحدة ، بل كانت تمتد إلى القرى الأخرى حيث كان هناك لقاءات يومية وجلسات دافئة بين أبناء القرية، كما أن جلسات العزب هذه ما زالت موجودة حتى يومنا هذا ويحبها شبابنا كثيراً، لكن المشكلة أن أغلب العزب عند شبابنا هذه الأيام تعتبر هدراً للوقت حيث أنها تبدأ من بعد صلاة العشاء حتى منتصف الليل يقضونها ما بين التدخين ولعب الشدة وأحاديث عن الناس لا تجلب أية منفعة· وأنا شخصياً حضرت أكثر من عزبة للشباب لأنصحهم كأب وتربوي وعندما أناقشهم يقولون ''تعودنا على هذه العادة السلبية ولا نستطيع أن نغيرها''، وأذكر يوماً أنه اشتكى لي شاب أن والده يجلس في هذه العزبة منذ عشرين سنة ويقول: '' الليل من حق ربعي ''·
الزواج وتكاليفه
يخبرنا المطوع أنه اختار زوجته بنفسه على أساس الدين والتعليم والعائلة ووالدي لم يجبرني على اختيارها، علماً أنه كان على صلة قوية به لأنه كان يأخذه معه أثناء تجارته وأينما ذهب فتعلم منه الكثير ونمّى لديه الجانب الاجتماعي بصورة متزنة وصحيحة، ويضيف:'' كنت أول خريج جامعي في القرية بسبب تشجيع والدي لي حيث أنه وفر لي سيارة وزوجني على نفقته وكنت طالبا آنذاك، وجهز لي البيت وكل ما أحتاجه·أما تكاليف الزواج في الماضي فكانت بسيطة جداً مقارنة بالآن ··''
زيجات اليوم
ويعتقد المطوع أن الشباب والشابات يحتاجون قبل الزواج لأن يحصلوا على رخصة التأهيل الأسري الموجودة في بعض الدول الغربية، لأن هناك كثيراً من حالات الطلاق وفشل الزيجات بسبب عدم وعي الزوجين بواجبات كل منهما تجاه الآخر ·وهنا يطالب المطوع صندوق الزواج والمؤسسات الاجتماعية والأسرية بتبني موضوع الدورات الأسرية سواء ما قبل الزواج أو بعده للتحدث عن الحقوق والواجبات وغيرها وكذلك لا بد من مساندة وسائل الإعلام في عملية التوعية هذه ·
ويعترف المطوع بأنه لم يكن يجيد محاورة أولاده وزوجته ، لكنه بعد أن انتسب إلى دورة الحوار الناجح على مستوى الوظيفة والأسرة استفاد كثيرا وصار ينفذها على أسرته ويقدمها عبر ندوات ودورات للناس فهو يدعو جميع الأسر للمشاركة وأن لا تعمي أبصارهم الماديات عن أمور هم بأمس الحاجة إليها ·
المرأة في الماضي
يشير المطوع إلى شدة إعجابه بالمرأة في الماضي لأنها كانت تتولى أمور البيت والأسرة ، ويقول:'' أذكر أن والدي أثناء عمله بالتجارة كانت أمي تعمل معه وتساعده دون أن تقصر في البيت، كما أن موضوع تربية الاولاد والطبخ جداً مهم والذي يجب أن تتولاه الزوجة وليس الخادمة فكثيراً ما تعلق النساء العاملات فشلهن في بيوتهن على شماعة العمل، فكم من امرأة عاملة نجحت في بيتها وربت أبناء متميزين بعد أن أحسنت إدارة وقتها ووضعت أولويات في حياتها· وأنا هنا أوجه رسالة لفتيات اليوم مفادها اطبخن لأن مشاعر حب كثيرة تذهب مع هذا الطبخ إلى نفس الزوج والأولاد ···'' وينكر المطوع وجود التقليد الأعمى على زمان والده وزمانه الذي عاشه بل كان لديهم تقاليد إيجابية كلهارجولة وشهامة على عكس ماهو موجود عند أبناء هذا الجيل الذين ينصاعون وراء المدنية الغربية دون وعي وإدراك لمخاطر ما يقومون به من تكسير وتشويه لهويتهم وعروبتهم وما تربوا عليه من قيم وأخلاق أمرنا بها ديننا الحنيف ·
ويؤكد المطوع وجود كثير من المدرسين في هذا الزمان هدفهم مادي بحت وليسوا أصحاب رسالة على الرغم من سمو أهداف المعلم في الماضي وأدائه للأمانة حقها·
ويثني المطوع على كل المسؤولين وغيرهم كمؤسسات المجتمع الذين تبنوا فكرة إحياء التراث في نفوس الشباب وغيرهم بعدما صاروا يبتعدون عن كل ماهو موروث باسم المدنية والتحضر ومواكبة مستجدات العصر ···
الحياة اليوم
يحدثنا النيادي عن طبيعة الحياة اليوم ويقول :'' لا يختلف اثنان على أننا نعيش في عصر متقدم في كل المجالات ومناحي الحياة وأنا أعتقد أن هناك تناسبا عكسيا بين تقدمنا في الحياة وبساطة العيش والروابط الأسرية والاجتماعية فكلما ازددنا تقدما ورفاهية ابتعدنا عن بساطة العيش وفترت وتخلخلت علاقاتنا الأسرية والاجتماعية لأننا بذلك انشغلنا بالماديات التي تلبي حاجة جسمية فقط ولا تلبي حاجاتنا النفسية والروحية التي يشبعها وجود علاقات حميمية يجسدها تواصلنا وارتباطاتنا ببعضنا البعض سواء داخل الأسرة الواحدة أم المجتمع الواحد''·
ويصف النيادي علاقة الآباء بالأبناء بأنه :'' من الطبيعي وجود انقسامات داخل الأسرة الواحدة تنقسم إلى فريق الأب والابن ولكل منهم تصرفاته وأنماط تفكيره المختلفة فهذا اختلاف لا نستطيع أن ننكره ولكن عندما يسهم هذا الاختلاف بوجود فجوة أو صدع بين الجيلين فهذا يدعونا إلى وقفة وتفكير عميق وبحث ونقاش ووضع علامات الاستفهام· ويمكنني أن أقول إن هناك أمورا طبيعية نختلف عليها قد يكون جهل الوالدين فيها لايضر بالنسبة للأبناء فمثلا أنا نشأت في عصر التكنولوجيا وتعلقت بالكمبيوتر والإنترنت وغيرها من التقنيات هي بالنسبة لوالدي غير جاذبة ولا تثير اهتمامهما فلم ينشآ عليها كما نحن · وأول أسباب مشكلة وجود فجوة بين الجيلين انعدام التواصل بينهما وغياب الأسس التربوية الصحيحة في التربية وغيرها كما أننا لا ننكر أننا بالأساس كجيل الشباب نعتبر امتدادا لجيل الآباء فنحتاج لكثير من أفكارهم وعاداتهم التي يجب ان نأخذها منهم كالحفاظ على صلة الرحم والتمسك بالهوية الوطنية والعادات والتقاليد وغيرها كما أن لديهم أفكارا وعادات لا تناسبنا فيجب أن تجمد ولا تنتقل إلينا لأنها رجعية متزمتة وقد تقف عائقا أمام تقدمنا فأنا أشجع على الانفتاح ولكن بضوابط ''·
ويعتقد النيادي أن والده متفهم لهذه الأمور إلى حد ما على الرغم من وجود اختلافات بينهما ولكنها ليست اختلافات جوهرية على حد تعبيره ·· وعن علاقته بوالديه يقول :'' والداي غير متسلطين فهذا المسمى بدأ يذوب الآن بسبب ازدياد مستوى التعلم والوعي والثقافة ،
وعلى الرغم من انشغال والدي في عمله في أبو ظبي إلا أنه على اتصال دائم بي وبإخوتي يطمئن علينا وفي نهاية الاسبوع نجلس جلسات حميمية نتسامر ونتناقش في أمور كثيرة تخص حياتنا ومستقبلنا ، وهنا أذكر الجهد الكبير الذي بذله والداي معي في فترة الامتحانات في امتصاص الضيق والتوتر وتشجيعهما المستمر لي والذي أشكرهما عليه جزيل الشكر ·
ولعلني أجد كثيراً من زملائي غير متفاهمين مع أسرهم وبالذات الأب لوجود فارق كبير في العمر بينهما كأن يكون الأب في الستينيات والابن في العشرينيات وكذلك انشغال الأب عن أبنائه بتوفير أسباب العيش كالماديات على حساب الجانب المعنوي النفسي الذي يعتبر الأبناء بأمس الحاجة إليه ''
ويؤكد النيادي على حاجة جيل الشباب إلى منحهم الثقة من أسرهم ومجتمعاتهم وإلى النصح والإرشاد من ذويهم أو من أصحاب الخبرة والاختصاص لأن هذا العصر دائم التطور والتغير وتستجد أمور يحتاج فيها الشباب إلى المشورة·
ويوضح النيادي أن قدوته ومثله الأعلى هو الرسول عليه الصلاة
والسلام كما أنه يستنير ببعض الأشخاص كالشيخ زايد رحمه الله الذي قهر المستحيل وجعل الإمارات جنة خضراء تزدهي بأجمل صنوف الحضارة والمدنية بعد أن كانت صحراء قاحلة وهنا لا ينسى النيادي الكلمة الشهيرة للشيخ زايد رحمه الله وهي '' أنا لا أريد أن أنقل البدو إلى الحضارة بل أريد أن أنقل الحضارة إلى البدو '' ·
ويعيب النيادي على بعض الشباب الذين يتخذون من الفنانين والمطربين مثلا أعلى لهم وقدوة يقتدون بها، فيقلدونهم رغبة في أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، وهنا يشير النيادي إلى أنه لا يتكلم عن النظرة المثالية، ويضيف :''الفرق بيننا وبين آبائنا وأجدادنا أنهم لم يجدوا العلم الحقيقي لكنهم تعلموا من مدرسة الحياة الغزيرة بالتجارب والأحداث ، أما نحن فلدينا العلم الحقيقي ولا يوجد لدينا تجارب ننخرط بها مع الحياة ونتعلم منها دروسا وعبرا ···''
ويؤكد النيادي على أننا نملك مخزونا حضاريا يميزنا عن الغرب لكنهم يملكون جوانب إيجابية لا يمكننا أن نتجاهلها بل يجب أن نستفيد منها ونطورها بما يتماشى مع ديننا وعاداتنا وتقاليدنا كما أن هذا التقليد للغرب يجب أن يكون مسبوقا بالتفكير وإلا سنكون إمعة نقلد دون وعي وتفكير لكل ما نراه تحت وطأة الانبهار والإعجاب بالمدنية الغربية ؟! ويرد النيادي على كل من يتهمه وجيله بأنهم جيل هش وضعيف وعاجز وغير قادر على تحمل المسؤولية :'' ربما أن المسؤوليات التي تعرضتم لها كانت أكبر من مسؤولياتنا نحن الآن، فجعلتكم تواجهون ظروفاً صعبة فحكمتم أنكم أقوى وأجدر منا وأننا جيل مرفه وتافه وغير قادر على تحمل المسؤولية، لطالما أننا نشأنا في زمان كل ما نحتاج إليه في متناول أيدينا، نحن لسنا كذلك بل إننا جيل طموح ومبدع وقوي ولكن يحتاج لثقتكم ودعمكم المعنوي قبل المادي، فشدوا على أيدينا ولا تحبطونا وتنشغلوا بتأنيبنا واتهامنا وإلقاء اللوم علينا ! ''
كما ويتمنى النيادي من الشباب أن لا ينتظروا من يتبرع لهم بالأفكار ويعطيهم أملاً بالحياة، وينتظرون أن يفكر عنهم الآخرون ويقدمون لهم حلولاً جاهزة وألا يكونوا فقيرين بطموحاتهم

اقرأ أيضا