فاض الكيل بسكان قرية «أوجوني» بجنوب شرق نيجيريا، البالغ عددهم 3000 نسمة، وهم من الصيادين والمزارعين مع حدوث ثالث وأكبر بقعة نفط خلال خمس سنوات نتيجة لعمليات التخريب التي تستهدف الأنابيب، لذا فقد حزموا أمتعتهم ورحلوا عن القرية في 2009 – 2010. وقال «إريك دووه،» معلم، «كان علينا الرحيل لأننا كنا نجد السمك الذي نصطاده والمحاصيل التي نزرعها غارقة في النفط. فقد تلوث البئر التي نحصل منها على الماء بالنفط الخام، فقررنا إغلاقه.» وأشار دووه إلى «نهر جوي» قد انحسر عاكساً لمعان النفط ورائحته المنتشرة في كل مكان. وما تبقى من النهر هو إرث دلتا النيجر، مركز صناعة النفط التي تمد نيجيريا بأربعة أخماس مواردها، ولكنها الآن أصبحت فاسدة بسبب بقع الزيت وعمليات التخريب والمياه الملوثة. ويبلغ حجم ما يتسرب سنوياً نحو 240 ألف برميل من النفط الخام، يقارب من التسرب الذي حدث عام 1989 عندما جنحت ناقلة النفط العملاقة «إكسون فالديز» قبالة ألاسكا، حيث يوجد واحد من أكثر حقول النفط ربحاً في العالم. وتدمر هذه البقع، إلى جانب حرق الغاز والتصريفات مياه دلتا النيجر بالنفط والكيماويات المسببة للسرطان، وفقاً لدراسة أعدتها الجمعية الطبية النيجيرية. وبالنسبة لسكان أكثر الدول الأفريقية من حيث عدد السكان وثاني أكبر اقتصاد في القارة، فإن المياه الملوثة تعرض الصحة وسبل العيش للخطر، بينما تستحوذ على قدر ضئيل من انتباه الحكومة التي يشغلها قتال الإسلاميين المتشددين بشمال شرق البلاد، وكذلك الإعداد للانتخابات المقبلة. يعتبر انهيار «جوي» كمجتمع هو أحدث الفصول في التاريخ المتقلب لدلتا النيجر، حيث كان التجار الأوروبيون يشاركون في تجارة الرقيق في القرن الخامس عشر. وخلال القرن التاسع عشر، سميت المنطقة بـ«أنهار الزيت» نظراً لوفرة زيت النخيل بها. كما كانت تقطنها الأقليات العرقية. وقد بدأت «رويال داتش شل» في 1939 بالتنقيب عن النفط للمرة الأولى، بعد منحها امتيازاً للتنقيب في جميع أنحاء نيجيريا، عندما كانت لا تزال مستعمرة بريطانية. وفي عام 1958 بدأت عمليات التصدير، والتي شملت كبرى شركات النفط، ومن بينها «إكسون موبيل» و«شيفرون» و«إيني» و «توتال» وأدى التنافس للحصول على المنافع المالية الناتجة عن وجود النفط إلى صراع بين الجماعات العرقية بالدلتا ، التي حرضت على الاضطرابات في المنطقة التي تعاني الآن من تزايد حالات الاختطاف، وتخريب أنابيب النفط والقرصنة وسرقة النفط الخام. واليوم، يرى زوار «جوي» يافطات تحذيرية وضعتها الوزارة الاتحادية لموارد البترول كتب عليها: «خطر!ابتعد، منطقة ملوثة»، أما التربة الرسوبية التي كانت غنية ذات يوم فلم تعد صالحة لزراعة المحاصيل، حيث لا تزال تعاني خسائر بسبب أكثر من نصف قرن من إنتاج النفط وما يتصل به من أضرار. أما بالنسبة للمواطن «دووه»، فقد ورث مخبزاً ودواجن وثلاث أحواض للسمك، ورغم ذلك فقد غادر مع سائر سكان القرية، عندما لوثت البقع النفطية مصادر الغذاء والماء. والأمر المزعج أن سكان «جوي» لم يتلقوا أي تعويضات عن الخسائر التي تكبدوها نتيجة فقدانهم لمنازلهم ومجتمعهم، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن نيجيريا، أكبر منتج للنفط في أفريقيا، يقطنها 170 مليون نسمة، ولديها تحالفات غير مريحة مع عمالقة الطاقة. وبالنظرة الأولى للدلتا التي تبلغ مساحتها 70000 كم مربع تظهر منطقة خضراء تعادل مساحة اسكتلندا جنوب شرق العاصمة لاجوس، ويغذيها نهر النيجر الذي يتدفق من مرتفعات غينيا. وبداخل هذه الدلتا، يوجد 5280 بئراً للنفط تربطها أنابيب يمتد طولها إلى 7000 كم. وتمتلك شركة «شل» نحو 80 بالمائة من هذه الآبار، حيث تقوم بتشغيل معظم الحقول البرية في نيجيريا. كما تقوم شركات «إكسون موبيل» و«شيفرون» و«إيني» و «توتال» بتشغيل مشاريع مشتركة مع شركة البترول الوطنية النيجيرية المملوكة للدولة. وذكرت شركة «شل» أن تسريبات النفط التي حدثت في عملياتها بسبب السرقة والتخريب قد ارتفعت من 0.5 إلي 80 بالمائة على الأقل في 2008. ومع ذلك فإن «جوي» ليس بها آبار نفط، فهي منطقة مرصعة بأشجار المانجروف وتبعد بمسافة 40 كم عن «بورت هاركورت،» عاصمة صناعة النفط بنيجيريا. وقد أدت الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة للحصول على أكبر قدر من ثروة الدلتا إلى خفض إنتاج نيجيريا بنسبة 28 بالمائة، خلال الفترة من 2006 – 2008، وفقاً لبيانات وكالة بلومبيرج. وعلى الرغم من تعافي الإنتاج بعد قبول المقاتلين لعفو الحكومة ونزع السلاح، إلا أنه سجل أدنى مستوياته في أربع سنوات في عام 2013، عندما عادت العصابات إلى استغلال النفط الخام لتكريره محلياً، وبيعه إلى السفن قبالة الشاطئ، مع ما يقدر ب 10 آلاف برميل يومياً. ديلو مبتشو نيجيريا ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»