الأحد 25 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

هل يجب إحراق «محيي الدين»؟

هل يجب إحراق «محيي الدين»؟
27 ابريل 2017 15:03
إذا كان سليم الأول شاعراً من وقت إلى آخر، فإنه لم يكن من الحالمين. سيد الإمبراطورية العثمانية، بعد أن تمكن - من دون نفسية معتدلة - من بذر جثث أقاربه، كان غازياً متعجلاً. في 28 سبتمبر 1516، دخل إلى دمشق وأصبحت سوريا ملكه ومصر محطته المقبلة. بعد معارك قاسية ضد المماليك، بلغ القاهرة منتصراً في 7 فبراير 1517، وفي الأيام الأولى من شهر أكتوبر، رجع إلى دمشق وبدأ في بناء مسجد وضريح يضمان من الآن فصاعداً قبر ابن عربي. هذا الضريح، الطريح وسط الأعشاب البرية في أرض مسورة مهملة، كان قد زاره بشعور من الإجلال والحب خلال أيامه الأولى وقت التحضير لغزو مصر التي وجب احتلالها كلياً. الأشغال، التي كان يتابعها شخصياً، تتقدم في بطء. وفي 5 فبراير 1518، أقيمت شعائر صلاة الجمعة للمرة الأولى بحضور السلطان. الشخصية التي احتفى بها السلطان لم تكن، عصر ذاك، شخصية نبيل دمشقي، بل كانت محيي الدين بن عربي. يومذاك، كان البعض يتساءل عن حماسة السلطان لشيخ صوفي ذي تعاليم غامضة ومحقرة: لم تكن الميتافيزيقا حصنه، وسياسته غير رابحة. ينسب إلى ابن عربي، وهذا صحيح، أنه تنبأ، عن ارتقاء الأسرة الحاكمة العثمانية، وبالأخص حول غزو سوريا. ولكن هذا الكلام المبهم حرر بعد الحدث، ومن المحتمل أن سليم عرفه. إذن، لا يبين الورع غير المتوقع للسلطان، الذي سيحاكيه معظم خلفائه. مجرد استعادة؟ قبل ثلاثة قرون، قدم محمد بن علي العربي الحاتمي الطائي، المكنى بمحيي الدين، من الأندلس إلى دمشق، التي اختار الإقامة في أحضانها بدعوى الهجرة، وتم استقباله كعالم صوفي. محاطاً بالتوقير والاحترام، توفي في سلام في 8 نوفمبر 1240 (638 هجرية.). وفي سلام أيضاً، تم حمل جثمانه إلى قبره على جبل قاسيون. لم يترك أي ثروة، تخلى عن متع هذه الدنيا، منذ مراهقته، ولكنه ترك نتاجاً أدبياً كبير الحجم. كفيلسوف أو صوفي، كهرطوقي أو شيخ جليل، بنتاج يتعدى الأربعمئة كتاب، يعد ابن عربي من أبرز الوجوه غزيرة الإنتاج في الأدب العربي. إذا كان بعض كتاباته ليست سوى كتيبات موجزة، فهناك، في المقابل، كتابات من آلاف الصفحات. مثلاً «ديوان المعارف»، ديوان شعري لابن عربي حرره في نهاية حياته، جمع فيه كل قصائده التي نظمها على مدار حياته، وبلغت أكثر من عشرة آلاف بيت شعري. هناك شرح القرآن في أربعة وستين مجلداً غير مكتمل!، اليوم اختفى. هناك أيضاً، وعلى وجه الخصوص، السبعة وثلاثين مجلداً من «الفتوحات المكية». النسخة الأولى اكتملت في ديسمبر 1231 وأهديت إلى ابنه «ومن بعده إلى مريديه وجميع مسلمي المغرب والمشرق، على الأرض وعلى البحر». أي أن ابن عربي في رسالته لم يخص حفنة من العلماء، وإنما جميع المسلمين في كل الآفاق وكل الأزمنة الآتية. «هكذا أسعى إلى أن يبلغ كلامي المغرب والمشرق»، كما قال بعد رؤية أتته في شبابه. هل أنصفه التاريخ؟ حينما نرى أن نتاجه، منذ أكثر من سبعة قرون، مقروءاً، متأمَّلاً، &ndash منقوداً أيضاً &ndash ومشروحاً في جميع اللهجات المحلية في بلاد الإسلام: حينها نعرف التأثير الكبير الذي يمارسه على الصوفية &ndash «البعد الصوفي للإسلام»، حسب تعبير «آن ماري شيميل» ــ سواء كان في أشكاله العلمية أو تعبيراته الشعبية، ونعلم أنه مؤكد. فضلاً عن ذلك، تغير هجوم العلماء على ابن عربي منذ زمن طويل. منذ نهاية القرن الثالث عشر، ثابروا على مقارعة الأفكار التي تنقلها تعاليمه، لأنهم يعرفون جيداً أن الغريم الذين يقارعونه لا يغلب وأن نتاجه يظل، علانية أو مستتراً، مرجعاً عظيماً لدى «أهل الطريق». كثير من العوامل التي لا نذكرها هنا، حسب النظام التاريخي، السياسي أو السوسيو- ثقافي، ساهمت في هذا التوهج بما أن النقاشات ظلت عاجزة عن إخماده. يتبقى أيضاً، لئلا نصاب بالشك، الخاصية الشاملة للتعاليم المعروضة في «الفتوحات»: أنطولوجية، كوزمولوجية، أدب القداسة، تنبؤية، أخروية، تأويلية، أحكام قضاء، طقسية... ليس هناك سؤال لا يجد إجابة في هذا الموجز للعلوم الروحانية &ndash حينما لا توجد إجابات. في الواقع، للشيخ الأكبر هم ثابت عندما يسطر مسألة خصامية، إذ يقوم بتعيين مختلف الآراء التي تتعرض لها. لا يستبعد أي تأويل مقترح، مشيراً إلى الأفضل. مع ذلك &ndash وعلى عكس الرأي الشائع الذي يعتبره «ظاهرياً»- لا يرتبط ابن عربي بأي مدرسة قانونية أو تيولوجية. أنه مفكر مستقل، بمعنى الكلمة. يرفض إرث العلماء الذين سبقوه ونتاجه متماسك. ابن عربي، أيا كان كلام خصومه، ليس «مبدعاً»، على الأقل حسب المعنى المحقر الذي يمنحونه لهذه الكلمة. في البداية، «الفتوحات» تعبير عن توليفة استثنائية تنسق وتجمع كل التقاليد الصوفية الطويلة والثرية. الصياغة، بالتأكيد، مستحدثة، جريئة أحياناً، بيد أن ما تنقله حاضر، كبذرة، حتى قبل أن ترى عينا مؤلفها النور. النسخة الثانية من هذه «الخلاصة الصوفية» &ndash الذي ظل مخطوطاً أصيلاً &ndash اكتملت في 1238م، قبل عامين من وفاة مؤلفه، وبينت تعاليمه بصورة نهائية وكاملة. في الحال، نرى أن الأفكار الكبرى التي توجد في متنها تطورت، والمفردات التي تعبر عنها تبدَّت من قبل في كتابات الشباب. فضلاً عن ذلك، أدمج ابن عربي في «الفتوحات»، من دون تعديل، أبحاثاً قصيرة محررة سلفاً. هل كان من الأفضل أن يسطر تطور فكره بوضعه في علاقة مع مراحل بيوغرافيته: نشهد تطوراً متجانساً للعقيدة بدءاً من المقدمات المنطقية. وإذا كانت الكتابات القديمة، في العديد من النقاط، أقل شرحاً عن تلك التي خلفتها، هذا يعني أن ابن عربي لم يكن يمتلك نظرة واضحة بصورة كافية عن الموضوع المطروق: الوضع السياسي في المغرب، حيث بدأ الكتابة، فرض عليه شيئاً من التحفظ. بينما في المشرق، أصبح محمياً من شخصيات نافذة، محاطاً بدائرة من الأوفياء. ومع ذلك، هنا أيضاً، لن تعرف الكثير من أعماله، في حياته، إلا انتشاراً محدوداً للغاية. ومنذ نهاية القرن الثالث عشر، أخذت النقاشات تتّابع حتى يومنا الحالي. انتشار «فصوص الحكم»، والعديد من الشروح التي قام بها مريدوه من الأجيال الثلاثة الأولى قامت بدور ملحوظ. كثيرون يرون أن «الفتوحات»، الذي يلخص في مئة صفحة فقط أساس العقيدة الميتافيزيقة وأدب القداسة لدى ابن عربي، يهاجم دوماً القراء السيئي النية. مثل شيخهم، ساهم المريدون &ndash وشروحاتهم موسومة بلغة أكثر فلسفية وبالتالي أكثر تشكيكاً &ndash في جعل «فصوص الحكم» هدفاً لخصوم ابن عربي. قضية مستمرة لنتخيل أن نائباً فرنسياً طالب البرلمان اليوم بمنع توزيع أعمال المعلم إيكهار (1) مستدعياً براءة ــ في مجال (الطائفة) الدومينيكانية ــ للبابا جون الثاني والعشرين. في مصر، حصل نائب من مجلس الشعب في عام 1979 على قرار سحب «الفتوحات» من التوزيع. كانت هذه الوضعية، لحسن الحظ، متممة: ليست أقل دلالة عن الحالية الدائمة للمشكلات التي تمس الوعي الإسلامي بشأن الكتابات القديمة والتي ترجع إلى ثمانية قرون. موقراً لدى البعض، الذين يرونه «الشيخ الأكبر»، ملعوناً من آخرين يرونه عدو الإيمان الحقيقي، كان ابن عربي لا مبالياً بأحد. بدأت أولى الاشتباكات في منتصف القرن الثالث عشر. مع ذلك، لم يتعلق الأمر إلا بشتائم منعزلة، من دون نتائج. بدأ الهجوم المنظم الحقيقي على ابن عربي ومدرسته مع بداية القرن الرابع عشر حينما بدأ الفقيه ابن تيمية (ت. 1328) يعمل على تبيين الهرطقة في عقيدته، ويفضح بآيات من القرآن الكريم الأطروحات التي يستلها من أعمال ابن عربي. على الأقل، هل كان على دراية جيدة بهذه الأطروحات؟ إذا كانت انتقاداته تتوجه أساساً إلى «الفصوص»، فهو على الأقل لم يقرأ الفتوحات بنفس المقدار، واستلَّ منها ما يناسب آراءه. وكثيرون سوف يقلدونه من دون امتلاك دقته دوماً. القائمة الطويلة لورثة ابن تيمية &ndash التي نعفي قراءنا منها &ndash تشهد على استمرار النقاشات في كل مكان وكل زمان إلى درجة تثير دهشة الملاحظ الغربي. لنسطر مع ذلك أن العلامة الشهير ابن خلدون، المدعو للفصل في مناظرة أقيمت بالإسكندرية، أطلق حكماً قانونياً يأمر بحرق كتب ابن عربي. لم يتجاوز توالد هذا الأدب المناهض للأكبرية الحد. بالتأكيد، الأحكام المعادية للشيخ الأكبر كثيرة، بيد أن محتواها لا يتغير. تتشابه كلها إلى حد كبير مع الأدلة التي ساقها ابن تيمية والنصوص الشاهدة التي أدرجها، والتي ذكرها بلا نهاية. بالإضافة إلى ذلك، حدة الخطاب -البلاغي - يخفي دوماً الحكم القابل للتأويل الذي أطلقه الذهبي (ت. 1348)، تلميذ ابن تيمية، بخصوص ابن عربي. ولكن ألم يكتب أيضاً بخصوصه: «بالنسبة لي، أقول إن هذا الرجل ربما كان ولياً...»؟ تحفظ مثير للحيرة، يسبق حكماً بشأن «الفصوص». الملاحظة التالية تمكننا ربما من فك شفرة هذه الوضعية الملتبسة: «معاذ الله، من الأفضل لمسلم أن يحيا جاهلاً خلف أبقاره (...) بدلاً من امتلاك هذه المعرفة الروحية وهذه المعارف الدقيقة!». إجمالاً، حاكم الذهبي انتشار عقيدة ابن عربي في الأمة أكثر من العقيدة نفسها. علاوة على ذلك، ليس من الحقيقي الاعتقاد &ndash كما يسعى المتشددون &ndash بأن جميع العلماء انتقدوا ابن عربي. بعض الصوفية عارض مدرسة ابن عربي. على العكس، كثير من العلماء، وبينهم مشهورون، دافعوا عن قضيته. لنذكر، من بينهم، (مجد الدين) الفيروز أبادي (ت. 1414م)، الذي حرر في اليمن فتوى اجتهد، في متنها، في تبيين براءة ابن عربي وأيد السلطان الناصر، الذي كان يجمع أعماله في مكتبته. بعد أقل من قرن، كمال باشا زاده (ت. 1534م، مستشار مقرب للسلطان سليم الأول (الذي قدر له أن يقوم بدور في مصير ابن عربي بعد وفاته)، ينقل حكماً للسلطان، الذي تمكن من غزو مصر، بأن يعنف مغتابي الشيخ الأكبر. بذكر خصوم ابن عربي، مررنا بصمت على الدعاية القذفية المناهضة للأكبرية التي ينشرها في يومنا الحالي المتشددون ومنافسوهم. الضعف الثقافي لهذا الأدب الهجائي معفيّ من أي تعليق. ولكن، بالنسبة لأي سيء نيّة، هذا السعي الحثيث لمقارعة نتاجه يطرح سؤالاً: هل ابن عربي، وفقاً لدلالة كنيته، محيي للدين أو، كما قال خصومه، «مميت للدين»؟. محاكمة لم يتجاوز توالد هذا الأدب المناهض للأكبرية الحد. فالأحكام المعادية للشيخ الأكبر كثيرة، بيد أن محتواها لا يتغير. تتشابه كلها إلى حد كبير مع الأدلة التي ساقها بن تيمية والنصوص الشاهدة التي أدرجها، والتي ذكرها بلا نهاية. بالإضافة إلى ذلك، حدة الخطاب - البلاغي - تخفي دوماً الحكم القابل للتأويل الذي أطلقه الذهبي (ت. 1348)، تلميذ بن تيمية، بخصوص بن عربي. ولكن ألم يكتب أيضاً بخصوصه: «بالنسبة لي، أقول إن هذا الرجل ربما كان ولياً...»؟ تحفظ مثير للحيرة، يسبق حكماً بشأن «الفصوص»، لكن الملاحظة التالية تمكننا ربما من فك شفرة هذه الوضعية الملتبسة: «معاذ الله، من الأفضل لمسلم أن يحيا جاهلاً خلف أبقاره (...) بدلاً من امتلاك هذه المعرفة الروحية وهذه المعارف الدقيقة!». إجمالاً، حاكم الذهبي انتشار عقيدة ابن عربي في الأمة أكثر من العقيدة نفسها. ...................... (*) فصل من كتاب: -Claude Addas، Ibn Arabî et le voyage sans retour، Paris، Seuil، 1996. (1) المعلم إيكهار (1260-1328)، تيولوجي وفيلسوف دومينكاني.  
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©