الإثنين 26 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الرحّال

الرحّال
26 ابريل 2017 20:00
من المفكرين من لا يخضع، ولا يمكن أن يخضع، في التأريخ لفكره مبدأي الهوية وعدم التناقض. ولنا في تاريخ الفلسفة أمثلة كثيرة على ذلك. لعل أقربها إلينا، بطبيعة الحال هو نيتشه. لطالما سعى كثير من مؤرخي الفلسفة أن يقدموا لنا «حقيقة» نيتشه. وبمجرد أن يحاول أحدهم رد فكر الفيلسوف الألماني إلى مذهب بعينه، ولمّ أفكاره في منظومة موحدة، وتأويل فكره التأويل «الصائب»، حتى ينبريَ آخر إلى تفنيد ما ذهب إليه سابقه، وتقديم صورة مضادة لتلك التي رُسمت عنه. ولا يخفى أن النص النيتشوي ذاته يطاوع هذا التقلب السريع. لا يعني ذلك أن الأمر يعود هنا إلى صعوبات التأويل، وعدم التمكن من الإحاطة بالمتن النيتشوي وتمثل أفكاره، وإنما أساسا إلى طبيعة تلك الأفكار والصورة التي تُعرض بها، وكونها ما تفتأ تناقض بعضها البعض. ولعل الذي استطاع أن يقارب فكر نيتشه باعتماد «منطقه»، إن صح الحديث هنا عن منطق، هو موريس بلانشو الذي بيّن أن فكر نيتشه لا يمكن أن يقارَب إلا باعتماد طريقة نيتشه ذاتها شكلا ومضمونا، وعرض أفكاره في تبعثرها وانفراد طرقها، تسليماً بأنها تخرق، منذ البدء، المنطق الذي يسعى مؤرخو الأفكار أن يخضعوها له، فهي ترفض مبدأ المطابقة، وتعيش على الفروق والاختلاف. لعل هذه بالضبط هي حال الشيخ الأكبر الذي يحرك التناقضُ تفكيره وتجاربه، فلا يجد حرجا في إثبات الفكرة ونقيضها، ولا في التنقل من مذهب إلى آخر. أليس هو القائل: «لا يصحّ الثبوت على أمر واحد في الوجود». وإن«التجلي المتكرر في الصورة الواحدة لا يعوّل عليه». فالسمة التي تطبع فكر ابن عربي هي الحركة والترحل: «فما ثمّ سكونٌ أصلاً، بل الحركة دائمة في الدنيا ليلاً ونهاراً، ويتعاقبان فتتعاقبُ الأفكارُ والحالات والهيئاتُ بتعاقبهما». نحن أمام فكر تطبعه «الدائرية»، بحيث إننا لا نستطيع أن نحدد لا بدايته ولا نهايته، إننا أمام انفتاح يتنطع عن كل انغلاق. يعرض الشيخ الأكبر معانيه في تدفقها وجريانها، فيجعلك تعيش معه ترحّله الدائم وحيرته المتواترة. سعى البعض، هنا أيضا، أن يختزل أفكار الشيخ فيردّها إلى فكرة ناظمة، فذهب، على سبيل المثال، إلى أن فكرة «وحدة الوجود» هي المحور الذي تدور عليه أفكار الشيخ. غير أن فحصا متمعنا لتلك الفكرة عند صاحبها سرعان ما يتبين أن الوحدة التي لا كثرة فيها هي عنده محال، وأن القول بالوحدة سرعان ما يصاحَب بالقول بالتجليات، وهذه متعددة بطبيعة الحال، فهي وجودية ومعرفية وروحانية. لا ثبوت ولا سكون كل سعي وراء التوحيد هنا محاولة يائسة، بل ربما غير مجدية. ولعل ما يتبقى للدارس هو أن يحاول مسايرة هذا النوع من الفكر في حركته، وملاحقته في جريانه، وتوحيده في اختلافاته. «لمّا كان الوجودُ مبدأهُ على الحركة لمْ يتمكّن أنْ يكونَ فيه سكون، لأنّه لوْ سكنَ لعادَ إلى أصله وهو العدم، فلا يزالُ السّفرُ أبداً في العالم العُلويّ والسُّفليّ». لن نفاجأ إذاً إن رأينا الشيخ يقول بالشيء ونقيضه، بالتجلي وبالتحجب، بالتنزيه وبالتشبيه، بالوحدة وبالتعدد، بالهوية وبالاختلاف...لا عجب في ذلك فشيخنا كائن برزخي. إنه كما يقول من «رجال البرزخ» أو «رجال الأعراف» «والأعراف سور حاجز بين الجنة والنار، برزخ باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، فهو حدّ بين دار السعداء ودار الأشقياء، دار أهل الرؤية ودار الحجاب، وهؤلاء الرجال أسعد الناس بمعرفة هذا السور، ولهم شهود الخطوط الوهمية بين كل نقيضين...فلا يتعدون الحدود». هذا الوقوف عند «الخطوط الوهمية بين كل نقيضين»، وهذا التوقف عند «الحدود» يجعل من شيخنا كائنا «بيْنيا» دائم التنقل، ليس بين الأوطان والأمكنة فحسب، بل حتى بين الأفكار والثقافات. لا يعني ذلك مطلقا أنه كان يسعى إلى هدم الحدود وإلغاء الأسوار والربط بين المنازل، وضمّ المفاهيم والمقامات، وخلق وحدات مفتعلة، وقتل كل اختلاف، وإنما أنه كان يحاول أن يقيم عند نقطة تتصدع فيها المراكز و«تُجرح» فيها الهويات، وتلتقي عندها الأطراف دون أن ينفي بعضها الآخر. سعى الشيخ الأكبر أن يجعل من نقاط فكره جميعها مراكز وهوامش في الوقت ذاته. ولعل التنقّل الدائم الذي شهدته حياته التي تميّزت أساسا بالرحلة والسفر ليس إلا صدى لذلك الترحل المعنوي. «فلا نزالُ في سَفر أبداً من وقتِ نشأتِنا ونشأةِ أصولنا إلى ما لا نهاية له، وإذا لاحَ لك منزلٌ تقولُ فيه هذا هو الغاية انفتحَ عليك منهُ طرائقُ أخر، تزوَّدْتَ منه وانصرَفتَ. فما من منزلٍ تُشرفُ عليه إلاّ ويُمْكنُ أن تقولَ هو غايتي، ثمّ إنّكَ إذا وصَلتَ إليه لمْ تلبثْ أن تخرجَ عنه راحلاً». وهكذا فبمجرد أن غادر شيخنا موطنه بالأندلس حتى خاض في ترحل لا يتوقف، إذ منها انتقل إلى مراكش فإلى مصر وفلسطين، ثم إلى مكة فالموصل فالقاهرة فتركيا فبغداد، إلى أن استقر بدمشق التي لم يكن ليغادرها إلا لقضاء مناسك الحج. صاحَب هذا التنقل بين مختلف الأمكنة والأمصار، إقامةُ علاقات مع مختلف الملوك والأمراء، ومصاحبةٌ لكل المستويات، ومعاشرةٌ لجميع الفئات. وما ذلك إلا صدى «موقف» عام من الحياة والأفكار والثقافات، بل وحتى من الأديان. وهو موقف يطبعه الانفتاح على الحياة والتفتح على الآخرين والإصغاء لجميع المعتقدات والأديان. فحتى إن كان الشيخ الأكبر قد دافع عن الإسلام وأفضليته، فإن دفاعه كان دوما في خضم القول بتساوي الأديان والمعتقدات. يؤكد جيل دولوز أن لا أحد أكثر من الرحال تعلقا بموطنه. فهو لا يرتحل إلا انشدادا إلى موطنه وتعلقا به. إلا أنه يعلم أن الانشداد إلى الموطن ليس هبة تُعطى، وإنما هو جهد وجهاد. فليس الترحّل تنقلا سهلا وتيهانا يجرّ صاحبه إلى أن يسبح في فراغ لانهائي. وهو ليس رفضا لكل تجذر، وتمجيدا ساذجا للحركة والتنقل. بل هو«سكون بخطى كبيرة». إنه خروج داخلي، وانفصال مرتبط، وألفة مغتربة، وتأصيل متجدّد، وتشتت موحّد. الجزء والكلّ عندما يذهب الشيخ الأكبر في «الفصوص» إلى أن في «كل جزء من العالم مجموع العالم»، أو في «التجليات»:«إن كل شيء فيه كل شيء»، فهو كان يقصد بالضبط هذا «التشتت الموحّد». لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن ابن عربي لا يرى فروقا بين مختلف الأمكنة والمقامات، فهو يؤكد أنه«كما تتفاضل المنازل الروحانية كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية». ونستطيع أن نقول إن مفهومه للمكان، والاعتبار الاستثنائي الذي يوليه للأمكنة هما اللذان يوجدان وراء ولعه بهذا الترحّل المتواصل. يعتقد الشيخ الأكبر أن«المكان رحمة حيث كان، لأن فيه استقرار الأجسام من تعب الانتقال». ف«نحن مركَّبون من ثقيل وخفيف، فالخفيف للمكانة، والثقيل للمكان». لذا فهو يرى أن معرفة فن الأماكن جزء من معرفة العارف. يقول:«ولا شك عندنا أن معرفة هذا الفن، أعني معرفة الأماكن، والإحساس بالزيادة والنقص فيها، من تمام معرفة العارف وعلوّ مقامه». ف«من لا يجد الفرق في وجود قلبه بين السوق والمساجد، فهو صاحب حال، لا صاحب مقام». لا يتحدد المكان عند الشيخ الأكبر بموقعه الجغرافي، ولا بخصائصه الهندسية، ولا بمعماره وعمرانه البشري. فلا فضل في نظره لمكان على آخر إلا في«عمارته الروحية»، فشتان «بين مدينة يكون أكثر عمارتها الشهوات، وبين مدينة يكون أكثر عمارتها الآيات البيّنات». بل إن من الأماكن ما يتقاطع فيها القدسي بالدنيوي تقاطعا لا يضاهى. تلك حال مكة التي يقول الشيخ إنه كتب الفتوحات بها، إنها من الأماكن البرزخية التي تبلور «كل العالم». وعلى رغم ذلك فإن ابن عربي كان يعتبر أن «لكل جزء من الأرض روحانية علوية تنظر إليه». فكأن المهم ليس المكان ذاته، ولا التنقل الجسدي بين الأمكنة، وإنما ما دعوناه في مقدمة هذا البحث التوقف عند«الحدود»، والوقوف عند «الخطوط الوهمية بين كل نقيضين». يحيلنا لفظا «الوقوف» و«التوقف» إلى «مواقف» النّفري التي يجعلها الشيخ الأكبر مرادفة لمفهوم البرزخ عنده. نقرأ في الفتوحات: «اعلم أنه ما من منزل من المنازل، ولا منازلة من المنازلات، ولا مقام من المقامات، ولا حال من الحالات، إلا وبينهما برزخ يوقف العبد فيه يسمى الموقف، وهو الذي تكلم عنه صاحب المواقف محمد بن عبد الجبار النفري». الموقف مثل البرزخ إنه دوما «بين بين، وهو مقام بين هذين، فما هو أحدهما، بل هو مجموع الاثنين». لا عجب أن يسمي الشيخ الأكبر البرزخ ب«موطن الراحة»، فكأنه«حركة ساكنة» بين مختلف المواقف، وهذه عبارة ليست بعيدة عن عبارة فيلسوف الترحل nomadisme التي سبق أن أشرنا إليها، والتي يصف فيها الترحّل بكونه «سكونا بخطى كبيرة». رجال الأعراف كل سعي وراء التوحيد محاولة يائسة، بل ربما غير مجدية. ولعل ما يتبقى للدارس هو أن يحاول مسايرة هذا النوع من الفكر في حركته، وملاحقته في جريانه، وتوحيده في اختلافاته: «لمّا كان الوجودُ مبدأهُ على الحركة لمْ يتمكّن أنْ يكونَ فيه سكون، لأنّه لوْ سكنَ لعادَ إلى أصله وهو العدم، فلا يزالُ السّفرُ أبداً في العالم العُلويّ والسُّفليّ». لن نفاجأ إذاً إن رأينا الشيخ يقول بالشيء ونقيضه، بالتجلي وبالتحجب، بالتنزيه وبالتشبيه، بالوحدة وبالتعدد، بالهوية وبالاختلاف...لا عجب في ذلك فشيخنا كائن برزخي. إنه كما يقول من «رجال البرزخ» أو «رجال الأعراف» «والأعراف سور حاجز بين الجنة والنار، برزخ باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، فهو حدّ بين دار السعداء ودار الأشقياء، دار أهل الرؤية ودار الحجاب، وهؤلاء الرجال أسعد الناس بمعرفة هذا السور، ولهم شهود الخطوط الوهمية بين كل نقيضين...فلا يتعدون الحدود». فصوص الحكم عندما يذهب الشيخ الأكبر في «الفصوص» إلى أن في«كل جزء من العالم مجموع العالم»، أو في «التجليات»: «إن كل شيء فيه كل شيء»، فهو كان يقصد بالضبط هذا «التشتت الموحّد». لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن ابن عربي لا يرى فروقا بين مختلف الأمكنة والمقامات، فهو يؤكد أنه «كما تتفاضل المنازل الروحانية كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية». ونستطيع أن نقول إن مفهومه للمكان، والاعتبار الاستثنائي الذي يوليه للأمكنة هما اللذان يوجدان وراء ولعه بهذا الترحّل المتواصل. من ينبوعه تغرّبْ عن الأوطان والحال والحق.. عساك تحوزُ الأمر في مقعد الصدق. ابن عربي الفتوحات المكية *** «الإقامة على حال واحد نفسين فصاعدا لا يعوّل عليه عند أكابر الرجال». رسائل ابن عربي، ص2 **** «والذي أوصيك به أيها الأخ الإلهي..أنه عليك مع اعتمادك على ما اقتضاه البرهان الوجودي مما ينبغي أن يكون الحق عليه سبحانه من التنزيه والتقديس، فتجمع بين العلم الذي أعطاك الإيمان، وبين العلم الذي اقتضاه الدليل العقلي، ولا تطلب الجمع بين الطريقين، بل خذ كل طريقة على انفرادها». كتاب الوصايا، رسائل ابن عربي، ج2، ص1
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©