الإثنين 26 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

«تان دون».. خيميائي الموسيقا الصينية

«تان دون».. خيميائي الموسيقا الصينية
26 ابريل 2017 19:39
تتداخل الكثير من المعطيات التاريخية والإنسانية والبيئية لتكوين الهوية الحضارية لأي منطقة مأهولة بأساطيرها ومروياتها وشواهدها الباقية، إنها إشارات وعلامات دالّة وبقوة على إرث حاضر، ومكوّن عريق وصامد في وجه التحولات والانعطافات الزمنية الجارفة والعنيفة. وتعتبر جمهورية الصين الشعبية كنموذج حيّ ومتوهّج هنا، حاضنة مثالية لهذا الانتباه المسدّد نحو الإرث الثقافي عموماً، والإرث الموسيقي على وجه التحديد، ولا يمكن إهمال التأثير الطاغي للبيئة الريفية والممارسات الزراعية واحتفالات الأباطرة والشعائر الدينية في تأسيس البنية الموسيقية الخصبة في الثقافة الصينية. وكانت المحاضرة التي ألقاها الموسيقار والباحث والملحن الصيني الكبير «تان دون»، ضمن فعاليات القمة الثقافية التي أقيمت مؤخراً في العاصمة الإماراتية أبوظبي، حافلة بالكثير من الملامح المؤكدة على غنى وثراء المكون الموسيقي في ذاكرة الصينيين وفي مخيالهم الشعبي وتراثهم السمعي. نال «تان دون» في العام 2001 جائزة أكاديمية الأوسكار لأفضل موسيقا تصويرية عن تأليفه لموسيقى فيلم: «نمر رابض، تنين مختبئ»، تحت إدارة المخرج السينمائي الشهير «آنج لي»، وكانت مبررات الفوز مستندة إلى التعبير المتدفّق والعاطفة القوية في تجسيد الخيال الروائي في الفيلم، ومنحه بعداً جمالياً مضاعفاً، عزز من قيمة الموسيقى التصويرية في تطوير اللغة السينمائية عبر وسائط جديدة تمزج بين الحداثة والتاريخ، وبين المنسي والراهن. وتأتي هذه المنظومة الجامعة بين المتناقضات كانعكاس حقيقي للتجربة الحياتية لـ «تان دون» نفسه، والذي عاش في قرية «هونان» الريفية الهادئة ضمن تقاليد ثقافية «شامانية» ممتدة لآلاف السنين، وصولاً إلى مدينة نيويورك التي يقيم فيها حالياً، وسط أجواء عصرية مزدحمة وطافحة بالحداثة والصخب. سيرة حياة وموهبة شهد «دون» في فترة مراهقته التحولات الاجتماعية والثورة الثقافية في عهد ماو تسي تونغ، وعمل كمزارع في حقول الأرز ببلدة هوانغ شين، ولكن موهبته الموسيقية ظلت متقدة، وشغلت ممارساته على العزف جانباً كبيراً من أوقات فراغه، ما أهله لاحتلال مكانة مهمة في المشهد الموسيقي بالصين، وعندما شهدت البلاد حادثة مفجعة بعد غرق سفينة صينية تقل مجموعة معروفة من كبار الموسيقيين الصينيين، اضطرت السلطات وقتها للاستعانة بـ «تان دون» كأحد البدائل المتوافرة لتعويض هذه الفجوة الكبيرة، وهذا النقص الملحوظ للمواهب الموسيقية، وبعد نهاية حقبة الثورة الثقافية أعادت الحكومة الصينية فتح المعهد المركزي للأوبرا، وكان تان واحداً من ثلاثين عازفاً تم اختيارهم للمشاركة بين الآلاف من المشاركين، وفي غضون سنوات قليلة أصبح أول ملحن صيني يفوز بجائزة عالمية منذ تأسيس الجمهورية الشعبية. قدم «تان دون» في قمة القيادات الثقافية بأبوظبي عرضاً تفاعلياً حول الآلات الموسيقية القديمة في بلاده، والمخطوطات الأثرية المتضمنة نوتات مجهولة، عمل الفنان على إحيائها من جديد، وإعادة العزف على تلك الآلات البائدة الموثقة في الكتب العتيقة والمرسومة على جدران الكهوف الأثرية في الصين، تؤكد هذه الاستعادة الذهنية مسارات التبادل الثقافي، وتدفق جميع أشكال الفنون والإبداعات من الشرق الأوسط إلى آسيا وأفريقيا والأميركيتين، وهي تسلط الضوء على الروابط الثقافية على مرّ القرون، واستشراف الوجهات المستقبلية لهذه الروابط. ويعد تان دون من الباحثين المهووسين بالفن الخام، المعتمد على المواد الطبيعية التي تم استثمارها في الثقافات البدائية لاستنباط ظواهر صوتية ومعزوفات موسيقية كان لها حضور خاص في الاحتفالات والطقوس القديمة ضمن مناطق تاريخية، ومواقع أثرية مهمة في الصين، رغم أن تسارع الزمان وتطور المكان عملا على إحداث تغيرات جذرية على منجزات الثقافة المجهولة وغير المدوّنة هناك، ولكن السيرورة التاريخية المندفعة نحو المستقبل، لا يمكن لها أن تلغي العودة إلى المنابع القديمة المؤسسة للحضارة الإنسانية، ومن هنا وكما يؤكد تان دون في مناسبات عدّة، فإن عودته إلى الوراء وبحثه في حضارة بلاده قبل 1500 عام، وضعته في موقع مختلف، وغيّرت وجهة نظره تجاه الفنون البدائية، خاصة فن الموسيقا. عرض الفنان «دون» صوراً لأحد الكهوف الأثرية في شرقي الصين، التي أفصحت عن كنوز ثقافية مذهلة تم إهمالها لمئات السنين، قبل أن يعثر المكتشفون والمنقبون على محتوياتها الثمينة من مخطوطات ورسومات مدهشة للنساء العازفات والآلات الموسيقية بتفاصيلها البنائية الدقيقة والمحفورة على الجدران الداخلية للكهوف، حيث وصل عدد الصور المكتشفة إلى أرقام هائلة، وقامت كبريات المتاحف في أوروبا باقتناء مجموعة مهمة من المخطوطات والآثار الفنية الرائعة في الموقع، إنها مكتشفات تشير وبقوّة إلى وجود صلات ثقافية قديمة بين الشرق والغرب، وأن الرحالة القدامى بين القارات الكبرى استفادوا من الخبرات المتبادلة، وأضافوا لخصوصياتهم المحلية بعض اللمسات والإضافات المستوردة التي أثرت هذه الثقافات وساهمت في تطويرها مع مرور الزمن. ولفت «دون» إلى أن الرسومات المكتشفة وثقت لحوالي 5000 آلة موسيقية والعديد من القصص الإنسانية والطقوس الدينية وجماليات الأزياء والحرف والصناعات التقليدية في تلك الحقبة الزمنية الغابرة، والتي عبّرت عن عاطفة خاصة تجاه «بوذا» والهالة الساحرة التي نشرها في أوساط الشعب الصيني، موضحاً أن هذه المكتشفات أفصحت عن البذور الأولى للأوركسترا المشرقية، والمجاميع الغنائية، والنوتات الموسيقية المبكرة. فهذه الأوركسترا كانت متفاعلة وحاضرة قبل ألفي عام، وقبل ظهور سيمفونيات الملحن الشهير «باخ» على سبيل المثال. تضمن العرض الأدائي الذي قدمه تان دون عزفاً منفرداً على الآلات القديمة التي تم إحياؤها وإعادة صناعتها طبقاً للرسومات القديمة، ما أعاد الحضور إلى زمن طوباوي فاتن ومفعم بالأجواء الأسطورية ومناخات الشرق الغامض، والمبثوث في مذكرات الرحالة الأوائل، وفي خيالات الشعراء والروائيين، وجاء هذا التجسيد الموسيقي في قالب سماعي مرهف، ومسكون بكمية طافحة من المعزوفات الشجية والألحان العذبة الأقرب إلى أصوات الطبيعة وانهمار الأمطار وتغريدات الطيور السارحة في غابات الحلم. يحاول الفنان تان دون في معظم أعماله الفنية ومؤلفاته الموسيقية الجمع بين التقليد والابتكار فيما يشبه أسلوب الخيميائيين الطامحين لإنتاج عنصر جديد يوائم بين الأضداد، ويصالح بين الأقطاب المتنافرة، ولعل النموذج المثالي الذي قدمه «دون» في هذا المزيج الخيميائي هو فن «الأوبرا» في الثقافة الصينية المعاصرة التي تخلق علاقات تبادلية ثرية بين الصوت والصورة والأداء والرقص والسرد والشعائر الدينية والطقوس الاجتماعية، ومن خلال مجموعة متنوعة من التقنيات المتطورة. وساهمت «أوبرا بكين» تحديداً في ضخ التعبيرات الملهمة في أوساط الشعب الصيني من خلال رسم وتفسير الشخصيات المشاركة في الأوركسترا المسرحية التي تنقسم إلى نوعين، النوع الأول يطلق عليه «مسرح وو»، والثاني «مسرح وين»، فيتضمن الأول مشاهد وأصواتاً حربية تستعيد أمجاد وبطولات القادة والأباطرة، بينما يتناول النوع الثاني المواضيع الاجتماعية والمدنية، ويستثمر كلا المسرحيين التأثير الرمزي على المتلقي بجانب التأثير النفسي والعاطفي. ومن أهم الآلات الموسيقية التي يمكن الإشارة إليها في الثقافة الصينية، آلة «التشوهين» التي ظهرت قبل ألفي عام وتعتمد على وترين فقط، وآلة (التشن) التي يشد عليها 25 وتراً، وآلة «الشنغ» الهوائية، بالإضافة إلى الأجراس المتسلسلة، والطبول التي يعزف عليها بالأقدام، كما أن الموسيقى الصينية مشهورة بسلمها الخماسي المرتبط بمكونات الطبيعة وحركة الأفلاك والكواكب وتنوع الألوان، وتعرف الصينيون إلى السلم (الفيثاغوري) في أواخر القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث انتقل إليهم من الغزاة اليونانيين. عاصمة طريق الحرير كانت مقاطعة تونغ وانغ قبل مئات السنين بمثابة عاصمة طريق الحرير في الصين القديمة، والتي كان يفد إليها آلاف الزائرين من أنحاء العالم كافة لممارسة النشاطات التجارية وتبادل البضائع والاستفادة من خبرات الصنّاع المهرة والحرفيين الموهوبين، وفي هذه المقاطعة بالذات، اكتشف الباحثون الأثريون قصراً ضخماً وكهفاً قديماً يحتوي على لوحات مبهرة لآلات موسيقية مجهولة، وهي الآلات ذاتها التي استفاد منها الملحن «تان دون» في صياغة هويته الفنية المتفرّدة والمنجذبة لنداء الماضي وسحر الأجداد، والمستفيدة أيضاً من التقنيات الحديثة لبث الروح مجدداً في تلك الآلات القابعة في صمتها حدّ السكون المطلق. وكما يذكر «دون»، فقد تم العثور داخل الكهف على مخطوطة بعنوان «بيبا»، وهي أول مخطوطة موسيقية في التاريخ الصيني، والتي تضم 25 مقطوعة موسيقية، وهي موجودة حالياً في المكتبة الوطنية بفرنسا، وقام «دون» اعتماداً على مخطوطات ورسومات أخرى في الكهف بصناعة أدوات عزف شبيهة ومصنوعة من الخشب والبامبو والأحجار، وبالتالي العودة بالزمن إلى ما يقارب ثلاثمائة عام، وإطلاق الحواس لمعانقة الألحان والإيقاعات المندثرة في تلك العهود البعيدة، مثل الطبول والآلات الشبيهة بالغيتار والأخرى الأقرب إلى الأكورديون، وبعضها يشبه العود العربي اليوم، والتي كانت أوتارها تصنع من الحرير الأصفر النادر، ومن اللافت أن إحدى المخطوطات التي تم العثور عليها تضم صورة جانبية مهيبة لإحدى الشواطئ الصينية قبل 900 عام، حيث تتجاور ثلاث دور للعبادة، فنرى مسجداً للمسلمين بالقرب من معبد بوذي وكنيسة للمسيحيين، وهو الأمر الذي يعكس التسامح الديني السائد في تلك الفترة، عندما كان الناس القاطنون في تلك البلدة يتعايشون معاً ويتشاركون الطعام والطقوس الدينية والاحتفالات الموسيقية، ويصنعون أدوات العزف من خلال جهد جماعي لكل الأسر رغم اختلاف مرجعياتهم ومعتقداتهم، وهذا الطموح المتجدد تجاه التسامح والتعايش، يعبّر عنه الملحن «تان دون» من خلال ألحان أوبرالية تنزع إلى الشكل الملحمي الذي تنصهر فيه الصرامة الغربية مع المثالية الشرقية، ويتحدّ فيه الشكل المادي مع المحتوى الروحاني، وهو طموح مشروع أيضاً لصياغة خرائط ثقافية جديدة، وإنشاء طرق حرير موسيقية تلغي كل الحدود الوهمية والأسلاك الأيديولوجية الفاصلة بين الشعوب، إنها الصين أيضاً والمؤهلة بكل ثقلها الحضاري كي تكون الجسر الأكثر متانة واستعداداً لتحقيق هذا المطلب الإنساني الرحب والجامح. مُصَالح الأقطاب المتنافرة يحاول الفنان تان دون في معظم أعماله الفنية ومؤلفاته الموسيقية الجمع بين التقليد والابتكار، فيما يشبه أسلوب الخيميائيين الطامحين لإنتاج عنصر جديد يوائم بين الأضداد، ويصالح بين الأقطاب المتنافرة. ولعل النموذج المثالي الذي قدمه «دون» في هذا المزيج الخيميائي هو فن «الأوبرا» في الثقافة الصينية المعاصرة التي تخلق علاقات تبادلية ثرية بين الصوت والصورة والأداء والرقص والسرد والشعائر الدينية والطقوس الاجتماعية، ومن خلال مجموعة متنوعة من التقنيات المتطورة.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©