الثلاثاء 4 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الصين والتَّنوير الخروج من العَمى الأيديولوجي

الصين والتَّنوير الخروج من العَمى الأيديولوجي
26 ابريل 2017 19:29
وضع المثقفين الصينيين تجاه الحداثة الغربية يشبه وضع المثقفين العرب واليابانيين والروس ومختلف المثقفين الآخرين. فالجميع استفاقوا في القرن التاسع عشر على وقع جحافل الفاتحين المستعمرين الأوروبيين. وهالهم حجم التخلف الذي يعانون منه تكنولوجيا وثقافيا وحضاريا بالقياس إلى بلدان الغرب كانجلترا وفرنسا وألمانيا وهولندا الخ. وكانت الصين حتى القرن الثامن عشر تعتبر نفسها مركز العالم أو امبراطورية الوسط. ولم تكن تعتقد بوجود أي أمة في العالم متفوقة عليها أو حتى تضاهيها. ولكن بعد هزيمتها النكراء أمام انجلترا في حرب المخدرات الشهيرة عام 1860 أدركت أن الزمن قد فاتها وأنها أصبحت في المؤخرة بعد أن كانت في المقدمة. ومعلوم أن انجلترا شنت عليها الحرب لأنها رفضت استيراد المخدرات من الهند إليها. ثم تواطأت الدول الغربية الأخرى مع انجلترا ضدها وأجبرتها على فتح موانئها أمام سفن الغرب. كما أجبرتها على عقد معاهدات تجارية مجحفة بحقها. كل ذلك ترك في الروح الصينية مرارة لا تنسى. والآن بإقلاعها الصاروخي تنتقم الصين من كل ذلك. تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ فإن المثقفين الصينيين راحوا يطرحون ذات السؤال على أنفسهم. بدءا من تلك اللحظة ابتدأت العلاقة بين المثقفين الصينيين والحداثة الغربية. وابتدأت المراجعات الموجعة ومحاولة اللحاق بركب التقدم وردم التخلف التاريخي الذي يفصل بين الصين والغرب. وهو تفاوت لا يحتمل ولا يطاق خصوصا بالنسبة لأمة ضخمة ومعتزة بنفسها وتراثها العريق كالصين. وهو تراث يعود إلى كونفوشيوس قبل أكثر من ألفين وخمسمائة سنة. وهنا يكمن - في رأينا - وجه التشابه بين الصين والأمة العربية. فالعرب أيضا شعب معتز بنفسه لأنه قدم للعالم دينا كونيا وتراثا ثقافيا عظيما. ولكنه وجد نفسه كالصين محتلا ومهانا من قبل الغرب بدءا من القرن التاسع عشر. وجد نفسه في المؤخرة بعد أن كان في المقدمة. وبالرغم من ذلك لا يمكن للعرب والصينيين أن يكونوا مجرد تابعين ذليلين لهذا الغرب المتغطرس كما تفعل بعض الشعوب الصغيرة ذات الثقافات المحدودة الانتشار والتي هي مستعدة للتخلي عن لغاتها القومية وتراثاتها وتبني لغات الغرب وثقافاته بالكامل. هذا الشيء لا يمكن أن يقبل به المثقف الصيني أو العربي الشديد الاعتداد بنفسه. وهنا تكمن المعضلة الأساسية بين العرب والغرب أو بين الصين والغرب. ولهذا السبب فإن العرب يبحثون عن طريق عربي إلى الحداثة كما الصينيين. انهم يبحثون عن حداثة عربية لا تكون نسخة طبق الأصل عن الحداثة الغربية. نقول ذلك وبخاصة بعد أن تبينت مساوئ الحداثة الغربية وشططها وانحرافاتها. ولكن في ذات الوقت لا يمكن للمثقف العربي كما الصيني أن ينكر الفتوحات الأساسية للحداثة الغربية منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر وحتى اليوم. وهي فتوحات فلسفية وعلمية وتكنولوجية بل وإصلاحية دينية. أنها فتوحات تنويرية وتحريرية للشرط البشري. من هنا صعوبة اتخاذ موقف واضح من الحداثة الغربية. فهي تحريرية بقدر ما هي تسلطية واستغلالية وتوسعية. أنها مزدوجة الوجهين. ولذا فإما أن ينبهر بها المثقف العربي أو الصيني وإما أن يرفضها رفضا قاطعا كما يفعل الأصوليون في كلتا الجهتين. ولكن المثقفين الكبار ينتقلون عادة من الموقف الانبهاري في البداية إلى الموقف النقدي في النهاية بعد أن يكونوا قد تعرفوا عليها أكثر وتعمقوا في فهمها أكثر. نضرب على ذلك - مثلا- موقف زكي نجيب محمود أو طه حسين وميخائيل نعيمة وسواهم في الجهة العربية، أو موقف نظرائهم في الساحة الصينية كما سيرد لاحقاً. مراحل يمكن القول إن الصين بعد هزيمتها الساحقة أمام الانجليز والغربيين عموما عام 1860 مرت بثلاثة مراحل: المرحلة الأولى هي ما يدعى بالمرحلة الليبرالية التنويرية. وقد استمرت منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى عام 1949 تاريخ انتصار الشيوعية الماركسية على يد ماو تسي تونغ. والمرحلة الثانية تمثلت بهيمنة الأيديولوجيا الماركسية والثورة الثقافية «الإرهابية» إياها. وأما المرحلة الثالثة فتمثلت بانقلاب دينغ هايزو بنغ على ماو تسي تونغ والعودة إلى الخط الرأسمالي الغربي الذي أدى بالصين إلى تجاوز تخلفها المزمن واللحاق بالغرب بل والتحول إلى قوة عظمى يحسب لها الحساب ويخشاها الغرب عن جد. وبالتالي فباني الصين الحديثة المتفوقة الواثقة من نفسها ليس ماو تسي تونغ في الواقع وانما دينغ هيزياو بنغ، لماذا؟ لأنه عرف كيف يخرج الصين من مرحلة الأدلجة العمياء إلى المرحلة البراغماتية الواقعية. فالأيديولوجيا لا تطعم خبزا بل انها أدت في عهد ماو تسي تونغ إلى قتل ما لايقل عن خمسين مليون شخص جوعا! كان ذلك ابان «القفزة الكبرى إلى الأمام» والتي انتهت بالفشل الذريع، ثم ابان «الثورة الثقافية» التي تلتها: أي من عام 1960 إلى عام 1976 تاريخ موت العملاق الصيني. أضيف بأن «الأدلجة العمياء» هي التي قتلت العالم العربي أيضا. المرحلة الليبرالية: يان فو المرحلة الليبرالية الأولى والتأثر بالغرب، ومثالها: (Yan Fu - يان فو)، 1854-1921. وهو أحد كبار المفكرين الصينيين في الفترة الحديثة. وقد قام بترجمات واسعة للفكر الغربي. وأثرت ترجماته كثيرا على الحركة الفكرية في الصين. وتربت أجيال عديدة من المثقفين عليها. ويعتبر أحد الأعضاء الأكثر أهمية للحركة الإصلاحية الصينية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد عرف الجمهور المثقف الصيني لأول مرة بأعمال كبار علماء الغرب وفلاسفته من أمثال داروين، وهكسلي، وهربرت سبنسر، وجون ستيوارت ميل، وآدم سميث، ومونتسكيو. وقد تأثر به قادة الحركة الاصلاحية من أمثال كانغ يوي، ولينغ كيشاو وآخرين عديدين. كان يان فو من أوائل الطلاب الصينيين الذين أرسلوا في بعثات إلى الغرب وبالأخص انجلترا وفرنسا تحديدا لدراسة العلم والتكنولوجيا الغربية والعودة إلى الصين بكل هذه الخبرات التي كانت تنقصها والتي أدت إلى هزيمتها أمام الجيوش الغربية كما ذكرنا. وهذا يشبه تماما ما فعله محمد علي باشا في مصر قبل ذلك بقليل وما فعلته أيضا سلالة الميجي وترجمتها حرفيا «الحكم المستنير» في اليابان. وعندئذ اكتشف هذا الصيني العبقري مؤلفات الفلاسفة الغربيين وأعجب بها. وراح يترجمها إلى اللغة الصينية لإفادة أبناء وطنه منها أو بها. واكتشف عندئذ الحقيقة الهامة التالية: وهي أنه لا يكفي نقل التكنولوجيا الغربية لإنقاذ الصين وأنما ينبغي أن ننقل نمط الفكر الغربي في جوهره العميق ذاته. بمعنى آخر ينبغي نقل الفكر العلمي الذي أدى إلى اختراع التكنولوجيا ذاتها وليس التكنولوجيا فقط. وهنا يكمن تقدم هذا المفكر اللامع على جميع إصلاحيي عصره في الصين. فقد كانوا يعتقدون بأنه يكفي نقل التكنولوجيا. وهذا ما كان يعتقده أيضا الكثير من المثقفين العرب في الفترة ذاتها. ولكن بعد الحرب العالمية الأولى شعر بخيبة أمل كبيرة تجاه حضارة الغرب ونقم عليها ولم يعد معجبا بها كما كان في السابق. وعندئذ كتب الكلمات الهامة التالية: «يخيل إلى أنه في قلب القرون الثلاثة من التقدم (أي 17,18,19) فإن الشعوب الغربية استملكت أربعة مبادئ سيئة هي التالية: أن تكون أنانياً، أن تقتل الآخرين، ألا تمارس الصدق والإخلاص في التعامل مع الشعوب الأخرى، ألا تشعر بأي عار نتيجة أفعالك حتى ولو كانت دنيئة. وهذا مناقض لمبادئ تراثنا الكونفوشيوسي العظيم. وهي مبادئ عالية واسعة سعة السماء والأرض. أنها مبادئ تهدف إلى إسعاد البشرية كلها وليس فقط الصينيين. وبالتالي فلا تعرف الأنانية أبدا على عكس الغرب». ما أجمل هذه الكلمات لمفكر الصين الكبير! ما أعظمها! أكاد أقول إنها تلخص علاقتنا كلنا بالغرب وليس فقط المثقفين الصينيين. كلنا في الهوى سوا. كلنا عانينا ما عانيناه من ازدواجية هذه الحضارة التي تقول شيئا وتفعل في أحيان عديدة شيئا آخر. أخيرا نقول إن هذا المفكر الإنساني الكبير ترجم إلى اللغة الصينية المؤلفات التالية: «التطور والأخلاق» لهكسلي، «ثروة الأمم» لآدم سميث، «نظام المنطق» و»في الحرية» لجون ستيوارت ميل، «دراسة علم الاجتماع» لهربرت سبنسر، روح القوانين» لمونتسكيو»، ولم يندم على ذلك أبدا. فهو على الرغم من كل شيء يظل معجبا بالفكر الغربي اذا كان انسانيا تنويريا. المرحلة التنويرية: لي زيهو المرحلة التنويرية المعاصرة، ومثالها (Li Zeho - لي زيهو) مواليد (1930-). وهي مرحلة أقرب الينا زمنيا. في أواسط الثمانينات من القرن الماضي ظهرت في الصين حركة «الأنوار الجديدة». وقد ساهمت في بلورتها وانتشارها تلك الترجمات الواسعة من اللغات الأوروبية إلى اللغة الصينية. وعندئذ راحت الصين تدير ظهرها للماركسية الشيوعية وتتبنى قيم الأنوار على الطريقة الغربية. ومن بين الذين ساهموا فيها مفكر كبير يدعى: لي زيهو. فقد استعان بفلسفة التنوير لكي يحارب الأيديولوجيا الشيوعية التوتاليتارية وأفكار ماو تسي تونغ. وذلك لأن الأيديولوجيا الشيوعية لا تعبأ بالفرد ولا بالحريات الشخصية ولا تهمها الديمقراطية والحوار الحر على عكس الأنوار الأوروبية والفلسفة الليبرالية. وهذا الباحث يعتبر الآن أحد كبار فلاسفة الصين المعاصرين. وهو مشهور ليس فقط في الداخل وانما على المسرح الفكري العالمي أيضا. انه الأكثر فرادة ومدعاة للجدل وإبداعا. وقد أصبح فيلسوفا بعد دراسته لكانط وذلك عندما نشر كتابه عام 1979 تحت عنوان: «نقد الفلسفة النقدية». ولكنه لم ينقدها إلا بعد أن تشبع بها. ومعلوم أن فلسفة كانط تدعى الفلسفة النقدية لأنه نشر ثلاثة كتب ضخمة بعنوان: نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم أو التمييز. ثم نشر هذا الفيلسوف الصيني بعدئذ كتابا آخر عام 2003 بعنوان: «الأنطولوجيا التاريخية». وفي عام 2005 نشر كتابا بعنوان: «العقل البراغماتي وثقافة التفاؤل». وفي هذين الكتابين الأخيرين بلور نظريته الفلسفية الخاصة به، وذلك تحت تأثير الفلسفة الغربية والصينية في آن معا. وهدفه الصريح هو التالي: بلورة فلسفة صينية جديدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. انها فلسفة تعود إلى الجذور الأكثر عمقا للتراث الروحي والأخلاقي الصيني وتهضم في ذات الوقت نظريات كانط وماركس وجون ديوي. وبالتالي فهو يجمع بين التراث والحداثة تماما كما يحاول المثقفون العرب حاليا. أخيرا يلاحظ القارئ على مدار هذه المقالة أنني حاولت الربط باستمرار بين تجربة المثقفين العرب وتجربة المثقفين الصينيين. والواقع أنه توجد علاقات تشابه عديدة بين كلا الطرفين وبخاصة فيما يتعلق بموقفهما من الحداثة الغربية. وسيكون مستحسنا لو تجري لقاءات بين المثقفين العرب والمثقفين الصينيين لدراسة هذه المسألة الضخمة والحساسة. وهناك ملاحظة هامة ينبغي تسجيلها: هي أن الصينيين عادوا مؤخرا إلى تراثهم الكونفوشيوسي العريق بعد أن رفضوه زمناً طويلاً في عهد ماو تسي تونغ بحجة أنه رجعي متخلف.. وأصبحت تماثيل كونفشيوس تملأ المدن الصينية في ظل الحزب الشيوعي الحاكم. لشدة ما تغيرت الدنيا!. ازدواجية لا يمكن للمثقف العربي كما الصيني أن ينكر الفتوحات الأساسية للحداثة الغربية منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر وحتى اليوم. وهي فتوحات فلسفية وعلمية وتكنولوجية بل وإصلاحية دينية. إنها فتوحات تنويرية وتحريرية للشرط البشري. من هنا صعوبة اتخاذ موقف واضح من الحداثة الغربية. فهي تحريرية بقدر ما هي تسلطية واستغلالية وتوسعية. إنها مزدوجة الوجهين. ولذا فإما أن ينبهر بها المثقف العربي أو الصيني وإما أن يرفضها رفضا قاطعا، كما يفعل الأصوليون في كلتا الجهتين.ولكن المثقفين الكبار ينتقلون عادة من الموقف الانبهاري في البداية إلى الموقف النقدي في النهاية بعد أن يكونوا قد تعرفوا إليها أكثر وتعمقوا في فهمها أكثر.نضرب على ذلك مثلا موقف زكي نجيب محمود أو طه حسين وميخائيل نعيمة وسواهم في الجهة العربية، أو موقف نظرائهم في الساحة الصينية. تناقض مبدئيّ يخيل إلي أنه في قلب القرون الثلاثة من التقدم (أي 17 ،18، 19)، فإن الشعوب الغربية استملكت أربعة مبادئ سيئة هي التالية: أن تكون أنانياً، أن تقتل الآخرين، ألا تمارس الصدق والإخلاص في التعامل مع الشعوب الأخرى، ألا تشعر بأي عار نتيجة أفعالك حتى ولو كانت دنيئة. وهذا مناقض لمبادئ تراثنا الكونفوشيوسي العظيم. وهي مبادئ عالية واسعة سعة السماء والأرض. إنها مبادئ تهدف إلى إسعاد البشرية كلها وليس فقط الصينيين. وبالتالي فلا تعرف الأنانية أبدا على عكس الغرب. يان فو
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©