الاتحاد

تقارير

إجراءات متشددة... لمنح الجنسية الفرنسية

تتجه فرنسا في الآونة الأخيرة إلى فرض مزيد من الإجراءات التي تصعب من عملية حصول الأجانب على الجنسية الفرنسية، وذلك بإرغامهم على إجراء اختبارات جديدة في اللغة الفرنسية وأداء قسم الولاء للقيم الفرنسية. لكن منتقدي هذه الإجراءات التي اتخذتها حكومة ساركوزي قبل أربعة أشهر فقط على موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، اعتبروا هذه الخطوات مجرد محاولة مكشوفة من الرئيس للتقرب إلى اليمين المتطرف وكسب أصواته في الانتخابات المقبلة.
ومن هؤلاء المنتقدين لهذا التوجه المضيق على الأجانب والرامي إلى منع حصولهم على الجنسية، "ألين كريمر"، المتحدثة الرسمية باسم إحدى الجمعيات الفرنسية المناهضة للعنصرية والمدافعة عن حقوق المهاجرين، والتي قالت في معرض تعليقها على القوانين المنتظرة: "مع أن فرنسا تتبنى شعار الحرية والمساواة والإخاء، فإننا لا نرى كثيراً هذه المساواة اليوم، بل بالعكس، نشهد تراجعاً خطيراً في بعض المناحي عن هذا الشعار".
وبموجب القواعد الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ مع بداية العام الجديد، يتم إخضاع المرشحين الجدد للحصول على الجنسية الفرنسية لاختبار في التاريخ والثقافة الفرنسيين، وسيكون عليهم إثبات قدرتهم على التحدث باللغة الفرنسية بنفس كفاءة من هم في سن 15 سنة من الفرنسيين. هذا بالإضافة إلى توقيع الراغبين في الحصول على الجنسية على ميثاق يوضح الحقوق والواجبات.
وفي بند آخر يقول الميثاق الجديد: "لن يكون بإمكان المتقدمين بطلبات الجنسية إعلان ولائهم لبلد آخر"، وإن كان تم الاحتفاظ بحق حمل جنسيتين مختلفتين. ويضيف الميثاق في فقرة أخرى، تبريراً للقواعد الجديدة، "أن يصبح المرء فرنسياً ليس مجرد خطوة إدارية يتم اتخاذها وتنتهي المسألة، بل هو قرار يستدعي التفكير ملياً".
وقد وصف وزير الداخلية المحافظ في الحكومة الفرنسية، "كلود جيو"، الإجراءات الجديدة بأنها "ميثاق مهم بين البلد المضيف والمتقدم بطلب الحصول على الجنسية"، مضيفاً أنه يتعين على المهاجر إجادة اللغة الفرنسية لأن اندماجه سيكون من خلالها، كما عليه التقيد بالقيم الفرنسية واحترام المبادئ التي قامت عليها الجمهورية مثل الديمقراطية.
وفيما اعتُبر صفعة أخرى للمسلمين الذين يشكلون أغلبية المتقدمين للحصول على الجنسية، ضمن 100 ألف طلب سنوياً، قال "جيو" إنه يتعين على الراغبين في الحصول على الجنسية الفرنسية أن يدركوا أهمية الدولة العلمانية والمساواة بين الرجل والمرأة! وليست المرة الأولى التي يتخذ فيها وزير الداخلية المعروف بتوجهه اليميني إجراءات متشددة ضد المهاجرين والأجانب في فرنسا، بل سبق له أن أقر إجراءً يقلص عدد المسموح لهم بتقديم طلبات الهجرة إلى فرنسا من 200 ألف سنوياً إلى 180. هذا بالإضافة إلى شنه حملات أمنية ضد المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم خارج فرنسا. بل إن الدولة الفرنسية تراجع حالياً قوانين تقوم من خلالها بسحب الجنسية من مواطنين يدانون في جنح، أو يتورطون في تعدد الزوجات الذي يحرمه القانون الفرنسي! وهي خطوات أثارت حفيظة منظمات المجتمع الفرنسي التي سارعت إلى إدانتها ورفضها.
وفي العام الماضي تدخل وزير الداخلية شخصياً لمنع حصول رجل جزائري يقيم في فرنسا على الجنسية الفرنسية بسبب "سلوكه المذل" للمرأة بعدما، أقر الرجل أنه كان يمنع زوجته الفرنسية من مغادرة البيت في بعض الأحيان.
لكن الناشطة الحقوقية "كريمر"، اعتبرت أن الحكومة الفرنسية، ومن خلال التضييق على المهاجرين والأجانب، إنما تنخرط في "سياسة التشكيك والتشويه... واللهاث وراء أصوات اليمين المتطرف"، مضيفةً أنه "عندما نسمع الخطاب الحالي الرائج في فرنسا ضد المهاجرين، وعندما نلاحظ كيف ينخرط الناس بسهولة في خطاب عنصري يستهدف الآخر المختلف داخل فرنسا، فإننا نشعر بالخوف ونقلق على المستقبل في هذا البلد الحر".
ولم تقتصر الانتقادات على منظمات المجتمع المدني والناشطين الحقوقيين، بل عبّرت العديد من القوى السياسية عن رفضها لهذا التوجه، وعلى رأسها مرشح الحزب الاشتراكي لخوض الانتخابات الرئاسية، فرانسوا هولاند الذي اعتبر القيود المفروضة على الجنسية "استراتيجية انتخابية ينتهجها اليمين المستعد للقيام بأي شيء والتضحية بالمبادئ للبقاء في السلطة".
كما كتب كريستوف جيرارد، نائب عمدة باريس، في صحيفة "لوموند" أن مستقبل التنوع في فرنسا بات في خطر، مشيراً إلى أصول ساركوزي المجرية، قائلاً: "إن هذا الرجوع إلى القومية الضيقة يعزلنا عن الآخر ويضع المواطنين في مواجهة بعضهم البعض، وسط أجواء من الخوف والكراهية. ولعل المفارقة اللافتة أن الأجواء غير الصحية التي تكرسها الحكومة الفرنسية تثير العديد من التساؤلات، فيما الرئيس نفسه هو ابن مهاجر وزوجته الثالثة من أصول إيطالية... فكيف نفهم هذا التناقض عدا عن أن له أسباباً انتخابية واضحة".
لكن مع ذلك يرى العديد من المراقبين والمنتقدين للإجراءات الفرنسية، سواء من داخل فرنسا أو من خارجها، أن المستهدف الأول منها هم المسلمون وليس غيرهم، لذا قد لا يهم أن يحصل باقي الأوروبيين على الجنسية الفرنسية، لأن المشكلة بالنسبة لليمين الفرنسي المتشدد، والذي بدأ يخترق النقاش العام، تكمن في عدد المسلمين المتزايد داخل فرنسا، والخوف من صدام موهوم مع القيم العلمانية.

كيم ويلشر - باريس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. انترناشونال»

اقرأ أيضا