الاتحاد

تقارير

مسلمات في مجتمع متحول

داود حمداني
مؤلف كتاب «الرشيد: أول مسجد في كندا 1938».


عندما احتفل الكنديون المسلمون بذكرى المولد النبوي الشريف في فبراير المنصرم، كان هناك اختلاف كبير عن احتفالاتهم السابقة في العاصمة الكندية أوتاوا. ففي خروج عن الممارسة الاعتيادية بالجلوس ضمن الجمهور، وأحياناً وراء ستائر فاصلة، مصغيات إلى المتحدثين الرجال، احتلت النساء المسلمات هذه المرة وسط المسرح.
فمن عريفات الحفل إلى صاحبة الكلمة الرئيسية، حصلت النساء المسلمات على انتباه قاعة ممتلئة بالحضور، تضم مشرّعين ودبلوماسيين وقادة مجتمعيين وكنديين من كافة المذاهب، في مركز المؤتمرات الحكومي.
كان التدفق الإيجابي للمشاعر والتجاوب بعد الحفل، أمراً لم يسبق له مثيل في تاريخ هذا الاحتفال الذي ظل المسلمون ينظمونه منذ ثلاثين سنة في أوتاوا.
لقد لعبت الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف دوراً حاسماً في مساعدة الجالية المسلمة المهاجرة على الانخراط في المجتمع الكندي الأوسع. كان هذا الاحتفال يُعقَد في أماكن عبادة إسلامية، ونادراً ما اجتذب أحداً من ديانات أخرى. إلا أنه، ومنذ عام 2002، وبفضل جهود قادة مجتمعيين مكرّسين، ودعم عدد قليل من أعضاء البرلمان الكندي، تمكّن المسلمون من نقل احتفالاتهم السنوية إلى مبنى البرلمان.
يقول جعفر هاشمي، رئيس «جمعية أوتاوا الإسلامية» ومنسق الحدث، شارحاً أهمية هذا التحول في كلمته الافتتاحية: «لم يكن الانتقال من أماكن عبادة إلى تلة البرلمان مجرد تغيير في الموقع، وإنما نشأ من نيتنا تجسيد القيم العالمية للإسلام والمشاركة فيها مع المجتمع الكندي الأوسع». وكان التركيز هذه السنة على المساواة في النوع الاجتماعي وبيان كيف جرت ممارسته في العهد النبوي».
وقد كانت زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، خديجة بنت خويلد، وابنته فاطمة الزهراء، شخصيتين رئيسيتين في الأحداث الانتقالية في تاريخ الإسلام. فمثلا كان الشخص الذي راجعه الرسول فوراً للحصول على المشورة عندما تلقى أول وحي إلهي هو خديجة. وكان لفاطمة الزهراء مواقف وقفتها من أجل العدالة، مهّدت الطريق أمام نساء مسلمات أخريات لرفع أصواتهن مطالبات بحقوقهن. وقد استنبطت العديد من القياديات المسلمات، الاجتماعيات والسياسيات، بمن فيهن سيدة باكستان الأولى السابقة، الإلهام من فاطمة الزهراء.
إلا أن تأثيرات ثقافية لم تكن تمارَس في الفترة المبكرة للإسلام بدأت تتسرب إلى المعتقدات الدينية في مجتمعات مسلمة محافِظة، وأدت إلى نشر مفهوم يرى بأن حاجة المرأة إلى الاعتمادية كزوجة لا يمكن تحقيقها من خلال كبح جميع التطلعات الأخرى خارج المنزل.
ويجري تحدّي وجهات النظر الذكورية هذه بشكل متزايد من قبل المسلمين حول العالم. فعلى سبيل المثال، انتقدت عالمات مسلمات، مثل لاله بختيار الأميركية، ونيفين رضا الكندية، بعض التفسيرات التقليدية لتعاليم الإسلام، بما فيها دور النساء المسلمات في المؤسسات الدينية.
كذلك كانت قيادات النساء المسلمات حيوية في تغيير مواقف المرأة، وحقق «المجلس الكندي للنساء المسلمات» و«منظمة النساء المسلمات في كندا»، بشكل خاص، خطوات واسعة في تحويل وجهات نظر النساء حول دورهن في المجتمع الكندي. مما يبين أن الافتراضات المتأصلة تتغير، ولو ببطء.
وتتحدى الشابات المسلمات التمثيلات الذكورية لدور المرأة في المجتمع، ولم يعد النموذج التقليدي للأسرة، الذي يضم رجلاً يعيل الأسرة وزوجةً متفرغة كربّة منزل، يعبّر بشكل مناسب عن واقع الحياة الكندية المسلمة. وبناء على البيانات الحكومية، تنضم نساء لهن أطفال في سن قبل المدرسة إلى القوى العاملة بأعداد كبيرة، تماثل أو تزيد على نظيراتهن في الدول الأوروبية، بواقع 50 في المئة أحياناً. وبعض هؤلاء النساء بالطبع هن معيلات لأسرهن.
ورغم التقدم المتحقق في عمليات التكيف الاجتماعي والثقافي، فإن فكرة تكامل المرأة في المناسبات والمؤسسات الدينية ما زالت لها مساحة للتحسين، جزئياً لأن العديد من القادة الدينيين ولدوا ودرسوا في مجتمعات مسلمة محافظة أو مختلفة ثقافياً، وما زالت تكافح مع كيفية التجاوب مع الاحتياجات المعاصرة لأفراد الجالية الكنديين.
إلا أن العديد من المسلمين في كندا يواكبون بوضوح المزيد من تكامل المرأة وانخراطها. وليست هناك مناسبة أفضل لإظهار التزامهن بالمساواة والانصاف في النوع الاجتماعي، من ذكرى مولد النبي الذي حوّل مجتمعاً ذكورياً جامداً إلى مجتمع يحترم الحقوق المتساوية للمرأة.

ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند» الإخبارية

اقرأ أيضا