الاتحاد

تقارير

«الجلبي»... ورحلة العودة إلى العراق

عندما سافر نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى بغداد الشهر الماضي من أجل المشاركة في مراسم انتهاء ثماني سنوات دموية من الحرب في العراق، كان لافتاً غياب أحد الوجوه البارزة عن الحضور في الاحتفالات واجتماعات الوداع التي حضرها نائب الرئيس... هذا الوجه الذي لم يكن أحد سوى "أحمد الجلبي"، السياسي العراقي، الذي عاش في المنفى قبل إطاحة صدام، وهو الاسم الذي تتحاشاه واشنطن هذه الأيام، والحال أنه لم يحدث أن انخرط أجنبي في قرار الحرب على العراق وإطاحة صدام مثلما انخرط الجلبي، فقد درستُ انخراط هذا الرجل، بصفتي معداً لبرنامج "60 دقيقة" الذي تنتجه قناة "سي. بي. إس. نيوز" ومن أجل تأليف كتابي الأخير، حيث أجريت حوارات مطولة مع "الجلبي" نفسه لأكثر من 60 ساعة وتحدثت إلى الكثيرين ممن يعرفونه، سواء من الأصدقاء أو الأعداء، واطلعت على عدد من السجلات الحكومية... هذا البحث المستفيض ساعدني في تكوين صورة شاملة حول عمل "الجلبي" المتواصل الذي امتد لعقود من أجل الترويج لفكرة تغيير النظام في العراق.
وقد عرفت هذه الجهود منعطفاً حاسماً خلال اجتماع عقد في الحادي والعشرين من يناير 2001، بعد يوم واحد من تولي بوش الابن الرئاسة، ففي ذلك اليوم، شارك "الجلبي" في لقاء بمنزل "ريتشارد بيرل"، وهو شخصية قيادية في حركة "المحافظين الجدد"، ومن بين الحضور، يقول "الجلبي"، كان عدد من الرجال الذين لاحقاً تولوا مناصب مؤثرة داخل الإدارة الجديدة.
وفي هذا الاجتماع، حسب "الجلبي" و"بيرل"، كان موضوع النقاش هو كيفية إقناع إدارة بوش الفتية بدعم جلبي في سعيه الدائم إطاحة صدام، أو كما يقول "بيرل" عن الجلبي "أولئك الذين كانوا يرغبون منا في رؤية نظام صدام يسقط اعتبروه اكتشافاً مهماً جداً".
بالنسبة "لبيرل" وآخرين، كان يبدو أن "الجلبي" يقدم جواباً محتملاً على السؤال المهم المتمثل في من يستطيع الحلول مكان الديكتاتور، ويقول "بيرل" إنه وآخرون كانوا يعتبرون "الجلبي" في ذلك الوقت شخصاً "يتقاسم معنا قيمنا"، ويمكن الوثوق فيه لخدمة المصالح الوطنية الأميركية في هذه المنطقة المهمة من العالم.
وحالما انضموا إلى إدارة بوش، بدأ "بيرل" وشركاؤه من "المحافظين الجدد" الدفع في اتجاه تنفيذ رؤيتهم بشأن عراق ما بعد صدام، عراق قد يلعب فيه "الجلبي" دوراً مركزياً، أما فيما يتعلق بالجلبي فقد شكل الانضمام إلى هذه النخبة من الأميركيين النافذين خطوة مهمة في الرحلة من أجل تحقيق طموحه والعودة ظافراً إلى العراق.
هذه الرحلة التي بدأت عام 1958 عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، وشهدت هذه السنة إطاحة النظام الملكي في العراق، وهو ما أرغم عائلته الثرية والقوية على الهرب من وطنها والهجرة إلى الغرب، ومنذ ذلك الوقت والجلبي منخرط في السياسة العراقية، حيث شارك في أول محاولة انقلاب وعمره لم يتجاوز التاسعة عشرة، لكن الجلبي تبنى سياسة مختلفة بعد ذلك إذ سعى إلى تجنيد الولايات المتحدة التي كانت القوة الوحيدة القادرة على إطاحة صدام، وفي الوقت نفسه سعى أيضاً إلى تهدئة مخاوف إيران من أنها لن تكون التالية في سلسلة تغيير الأنظمة التي انفتحت لها شهية إدارة بوش عندما كانت تتحدث بنوع من التباهي عن شرق أوسط جديد، وعن تغيير خريطته كلياً، بل إن "الجلبي" أعد حساباته الخاصة ليكون "الرجل الذي لا غنى عنه" في العلاقة بين أميركا وإيران وهمزة الوصل بينهما لترتيب الأوضاع في العراق ما بعد صدام،.
وقد ظلت محاولات الجلبي متواصلة مع الإدارات الأميركية المتلاحقة لتغيير النظام في العراق، حيث قاد حملة الضغط على الكونجرس في فترة إدارة كلينتون لتمرير قانون تحرير العراق عام 1998 الذي جعل من دعم المعارضة العراقية لإطاحة النظام سياسة رسمية في واشنطن. وبالطبع وجد "الجلبي" فرصته التي انتظرها طويلاً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، عندما احتد النقاش داخل إدارة بوش وتعاظم الجدل بين إدراج العراق في الحرب على الإرهاب، أو استثناؤه منها.
وهنا جاء دور "الجلبي"، الذي أمن مجموعة من المنشقين العراقيين، ورتب لقاءات لهم مع مسؤولي الإدارة الأميركية وقتها، لإثبات وجود صلة ما بين تنظيم "القاعدة" ونظام صدام، فضلاً عن الترويج لفكرة امتلاك أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك يظل السؤال الحقيقي في العلاقة بين الجلبي وأميركا هو من استخدم من؟ فقد كان واضحاً أن "المحافظين الجدد" الذين سيطروا على إدارة بوش في حاجة إلى من يساعدهم في تنفيذ رؤيتهم للعالم وإقناع الرأي العام الأميركي بجدواها.
غير أن العلاقة القائمة على الحاجة قد لاتعمر طويلاً، فمباشرة بعد هجمات11 سبتمبر لم يعد للجلبي دور كبير فهُمش من قبل الإدارة الأميركية، لا سيما بعدما انتقلت إدارة العمليات إلى مؤسسات أخرى في الدولة، وعلى رأسهم الجنرالات في وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية، بالإضافة إلى وزارة الخارجية، وهي مؤسسات لم تكن تثق في الجلبي لمعرفتها بعلاقاته الغامضة والمريبة مع إيران، فكانت النتيجة إبعاد "الجلبي" من الإدارة الأميركية واقترابه أكثر من إيران، وفي عام 2004 أمر الرئيس بوش، خوفاً من مزاعم خيانة الجلبي للمصالح الأميركية في العراق لمصلحة إيران، بقطع جميع الصلات به، ومنذ ذلك الحين، و"الجلبي" يدور في الفلك الإيراني، دون أن ينسى قط سعيه وراء السلطة، واليوم وعن عمر 67 عاماً يجد الجلبي نفسه عضواً في البرلمان العراقي، وهو إن كان لم يحصل على المنصب الكبير الذي كان يطمح إليه، إلا أنه يقول بأنه رجل سعيد، وكما أخبرني في حوارنا الأخير "لقد تحرر العراق وأنا في وطني".

ريتشارد بونين
إعلامي أميركي ومنتج برنامج «ستون دقيقة»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا