الاتحاد

تقارير

حكومة «العريض»: هل تُسكت المنتقدين؟

جون ثورن
تونس

كشف «حزب النهضة» الحاكم في تونس، يوم الجمعة الماضي، عن تشكيل حكومة جديدة، يأمل الحزب وشركاؤه في الترويكا الحاكمة، أن تضع حداً لسجال سياسي عطَّل الإصلاحات الديمقراطية، وهدد قبضة الحزب على السلطة. وقد ينجح «النهضة» في تحقيق شيء ما من وراء خطوته الأخيرة، لكن ثمة اختباراً أكثر صعوبة لا يزال ينتظره، ألا وهو الناخبون الذين يُعتقد أن كثيراً منهم لم يعودوا يؤيدون الحزب.
ويعتبر الرهان بالنسبة لـ«النهضة»، وهو حزب إسلامي حصل على الأغلبية في انتخابات عام 2011 البرلمانية وأحد أكبر الأحزاب السياسية في تونس، أن ينجح في انتهاج سياسة تؤمّن له الشعبية وتتيح له تالياً الحصول على أغلبية مطلقة في البرلمان المقبل. لكن الكثير من التونسيين العاديين يلقون باللوم على الحكومة الائتلافية التي يقودها حزب «النهضة» ويحمِّلونها مسؤولية الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد. ولذلك، فإن حزب «النهضة» في حاجة إلى إثبات قدرته على قيادة البلاد، في وقت يستعد فيه خصومه لخوض الانتخابات المزمع إجراؤها في وقت لاحق من هذا العام، والتي تأمل القوى الليبرالية واليسارية أن تتفوق فيها على «النهضة»، أو على أقل تقدير أن تسفر نتائجها عن تحجيمه وقص جناحيه.
وفي هذه الأثناء، فقد تأخّر خروج دستور تونسي جديد إلى حيز الوجود، مما أدى أيضاً إلى تأخر الانتخابات النيابية عن موعدها بشهور. كما أنه لا يزال من غير الواضح إلى الآن نوع النظام الذي سيحل في نهاية المطاف محل نظام الديكتاتور السابق زين العابدين بن علي الذي أطيح به قبل عامين.
وكانت الجهود في اتجاه تشكيل نظام جديد قد تعثرت، وذلك بسبب أشهر من الجمود السياسي بين الأحزاب والقوى السياسية، وهو جمود أججه اغتيال المعارض اليساري البارز شكري بلعيد، في السادس من شهر فبراير الماضي، وهو الحادث الذي أطلق العنان لمشاعر غضب عارمة، وسعى الزعماء أمامه جاهدين إلى تهدئة الجمهور وحل نزاع حول الحقائب الحكومية والذي أعاق الحكومة منذ الصيف الماضي.
وكان رئيس الوزراء حينئذ، وهو حمادي الجبالي المنتمي إلى حزب «النهضة»، قد اقترح استبدال حكومة الترويكا بحكومة تكنوقراط، وذلك من أجل إنقاذ البلاد من الأزمات السياسية والأمنية والمؤسساتية التي تتخبط فيها، وهو مقترح حظي بدعم أحزاب كبيرة في المعارضة، كما لقي ترحيباً من أحد شركاء «النهضة» ضمن الائتلاف الحاكم في البداية. لكنه قوبل بالرفض من قبل حزب «النهضة» الذي جادل بأن فوزه في انتخابات عام 2011 يمنحه نصيباً لا بأس به من السلطة. وأمام العرقلة التي لقيها من حزبه، قرر الجبالي الاستقالة من رئاسة الحكومة، في التاسع عشر من فبراير الماضي، ثم استُبدل قبل أسبوعين بعلي العريض، وهو عضو قيادي في «النهضة» كان يشغل منصب وزير الداخلية في الحكومة المستقيلة.
ومنذ ذلك الحين، انكب العريض، مع زعماء الحزب، على تشكيل حكومة جديدة. والجدير بالذكر في هذا الإطار أن حزب «النهضة» خضع لضغوط من أجل تخليه عن الوزارات السيادية، ولاسيما وزارتي العدل والشؤون الخارجية. وامتدت المفاوضات حول التشكيل الحكومي حتى شارفت نهاية المهلة القانونية المحددة حسب القانون في 15 يوماً.
ويبدو أن التشكيلة الحكومية الجديدة، والبالغ عدد أعضائها 37 وزيراً، هي عبارة عن جهد يروم تحقيق المصالحة، حيث أفسحت مجالا أكبر لمشاركة مجموعات أخرى.
وبالمقابل، فقد انخفض نصيب أعضاء حزب «النهضة» مقارنة مع الحكومة المنصرفة من 40 إلى 28 في المئة، في حين يبقى من المنتظر أن يصبح نصيب المستقلين في الحكومة الجديدة حوالي 48 في المئة... وذلك وفق تصريحات وردت على الصفحة الرئيسية لأحد الأحزاب على موقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك». هذا وقد تعهد العريض بأن تنتهي مهمة حكومته بحلول نهاية العام الجاري.
وفي هذا الإطار، من المنتظر أن يقود مستقلون غير معروفين نسبياً وزارات مثل العدل، والشؤون الخارجية، والدفاع، والداخلية، كما ينتظر أن يتم استبدال بعض الشخصيات المثيرة للاستقطاب.
وهكذا، فقد رحل وزير الخارجية رفيق عبد السلام من الحكومة، وإنْ كان نور الدين بحيري، وزير العدل في الحكومة السابقة، قد ظهر من جديد كمستشار للعريض.
هذا ومن المحتمل أن يتم إقرار الحكومة الجديدة وتمرير تشكيلتها عبر تصويت من قبل الجمعية التأسيسية التونسية، التي يهمين عليها حزب «النهضة» وشركاؤه. إلا أنه مازال من غير المعروف الطريقة التي سيكون عليها رد فعل أحزاب المعارضة حيال العملية التي تم وفقاً لها تشكيل الحكومة ونتائجها في نهاية المطاف. غير أن الاختبار الصعب بالنسبة لحزب «النهضة» هو الناخبون حين يتجهون للإدلاء بأصواتهم بعد عدة أشهر.
وحسب استطلاع للرأي نشر نتائجه المعهد الجمهوري الدولي، في يناير الماضي، فإن سبعة وسبعين في المئة من التونسيين يشعرون بأن بلدهم يسير في الاتجاه الخطأ. وتأتي البطالة، التي تبلغ نحو 17 في المئة، في مقدمة انشغالات التونسيين؛ كما أن 35 في المئة من المستجوَبين فقط قالوا إنهم سعداء بأداء الحكومة حتى الآن.
بيد أن الحكومة الجديدة مطالبَة أيضاً بما يطمئن المستثمرين والمانحين الأجانب، الذين يُعد دعمهم أساسياً من أجل حل متاعب البلاد الاقتصادية. ويشار في هذا الصدد إلى أن صندوق النقد الدولي عمد إلى تجميد قرض كان مخططاً له بقيمة 1,78 مليار دولار، إلى حين إيجاد حل للأزمة السياسية التي تتخبط فيها البلاد.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا