الاتحاد

تقارير

مقاربة أوباما العسكرية الجديدة

ستعمـل المؤسسـة العسكريـة الأميركيـة بشكل دائم، على تقليص حجم الجيش وفيلق المارينز، بالإضافة إلى تخفيض عديد القوات في أوروبا، وربما أيضاً إجراء المزيد من التخفيض في حجم الترسانة النووية، كان هذا ما ورد على لسان متحدث باسم إدارة أوباما في وثيقة تحتوي على تصور مسبق للكيفية التي تنوي بها الإدارة إعادة صياغة شكل القوات المسلحة الأميركية، بعد عقد كامل من الحرب.
وتقليص حجم القوات، المدفوع بالمشكلات المادية المستعصية التي تعاني منها البلاد، يعني في النهاية أن المؤسسة العسكرية الأميركية ستعتمد أكثر على الشراكات مع الحلفاء، وتتجنب عمليات المواجهة والصراع واسعة النطاق، وكذلك عمليات بناء الأمم طويلة الأمد، على النحو الذي كان موجوداً في حربي الولايات المتحدة بالعراق وأفغانستان.
وبدلاً من ذلك، ستواصل البنتاجون -بشكل أكثر كثافة- الاستثمار في قوات العمليات الخاصة التي عادة ما تكون لها آثار أقدام أصغر، كما تتطلب نفقات أقل من الوحدات العسكرية التقليدية، بالإضافة إلى الطائرات من دون طيار، وأمن الفضاء المعلوماتي، بحسب مسؤولي الدفاع الأميركيين.
وفضلاً عن ذلك، ستنقل القوات المسلحة الأميركية بؤرة تركيزها إلى القارة الآسيوية، لمواجهة النفوذ المتنامي للصين والتصرفات الكورية الشمالية المحتملة غير القابلة للتنبؤ. وعلى رغم انتهاء الحرب العراقية إلا أن المسؤولين العسكريين الأميركيين قالوا إنهم سيحتفظون أيضاً بوجود عسكري كبير في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد توتراً متزايداً مع إيران.
وقد تم الكشف عن وثيقة المراجعة الاستراتيجية هذه من قبل أوباما نفسه أثناء زيارة نادرة قام بها للبنتاجون كان محوطاً أثناءها بوزير الدفاع "ليون بانيتا"، ورؤساء هيئة الأركان المشتركة، وغيرهم من المسؤولين الذين سعوا لإبراز صورة قوة عسكرية غير متقلصة، حتى وهم يخططون لعهد من التقشف سيتطلب حتماً استخداماً أكثر تقييداً للقوة العسكرية، وأهدافاً أكثر تواضعاً في مجال السياسة الخارجية.
وقد صرح أوباما أثناء تلك الزيارة قائلاً: "صحيح أن جيشنا سيصبح أقل حجماً إلا أن العالم يجب أن يعرف في ذات الوقت أن الولايات المتحدة ستحافظ على تفوقها العسكري من خلال استخدام قوات مسلحة أكثر خفة، ومرونة، واستعداداً لمواجهة طيف كامل من الحالات الطارئة والتهديدات، التي يمكن أن تنشأ في أية لحظة".
وقال أوباما، وقادة البنتاجون، إن استراتيجيتيهم العسكرية الجديدة المتضمنة في وثيقة مكونة من ثماني صفحات، ستكون دليلاً إرشاديّاً لاتخاذ قرارات مؤلمة بشأن إجراء خفوضات في الميزانية الدفاعية، مؤكدين أن تفاصيل ذلك ستعلن خلال الأسابيع القليلة القادمة بعد انتهاء البيت الأبيض من استكمال الميزانية الفيدرالية للسنة المالية المقبلة.
ومن المعروف أن البيت الأبيض قد وافق، في اتفاق تم التوصل إليه مع الكونجرس بشأن تخفيض العجز في الموازنة، على تخفيض الإنفاق العسكري المستهدف خلال السنوات العشر القادمة بمقدار 480 مليار دولار، أي بنسبة 8 في المئة مما كان البنتاجون قد خطط له في الأصل.
وقال أوباما إن الميزانية الدفاعية قد ترتفع قليلاً مع ذلك، مستطرداً: "أعتقد جازماً بأن الشعب الأميركي يدرك جيداً أننا قادرون على المحافظة على جيشنا قويّاً من خلال ميزانية عسكرية أكبر من مجموع الميزانيات العسكرية للدول العشر التالية لأميركا في القوة العسكرية".
ولكن الشيء الذي يقلق قادة البنتاجون حقاً هو أن متاعبهم المالية على وشك التفاقم. فوفقاً لاتفاق منفصل مع الكونجرس سيتم البدء في إجراء تخفيضات إضافية بمقدار 500 مليار دولار ما لم يستطع مشرعو القوانين الاتفاق على خطة بديلة لتقليص العجز في الميزانية بنهاية هذا العام. وفي هذا السياق تنبأ "جون آدامز" مسؤول الميزانية السابق بهيئة الأمن القومي الأميركي في إدارة كلينتون بأن المشرعين سيجدون طريقة تمكنهم من تجنب إثارة هذا الموضوع -الخفض الإضافي في نفقات القوات- الذي قال "بانيتا" إنه سيكون بمثابة "سيناريو يوم القيامة بالنسبة لوزارة الدفاع".
ولكن "آدامز" اعتبر مع ذلك أن إجراء المزيد من الخفوضات لا يزال أمراً محتملاً في إطار محاولة الكونجرس لإيجاد طرق لتحسين الميزانية العامة للدولة، مشيراً في هذا السياق أيضاً إلى أن: "ذلك أمر حتمي، فإذا ما تمكن الكونجرس من إجراء تخفيض في جانب معين من الميزانية فسوف يسعى تلقائيّاً بعد ذلك إلى إجراء تخفيض في جانب آخر".
وقد هاجم بعض مشرعي القانون الجمهوريين الميزانية العسكرية لإدارة أوباما قائلين إنها ستؤدي لإضعاف وضع أميركا في العالم. وقال النائب الجمهوري "هوارد بي ماكيون" (من ولاية كاليفورنيا)، رئيس لجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب، واصفاً تلك الاستراتيجية: "إنها استراتيجية القيادة من الخلف لأميركا التي تركت في المؤخرة".
كما كثف الساسة الجمهوريون المنافسون لأوباما في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في نوفمبر القادم انتقاداتهم لسجل أوباما في الأمن القومي. ومع ذلك، وعلى ضوء امتناع الحزب الجمهوري عن الموافقة على خطة أوباما لفرض مزيد من الضرائب، فإن بعض المرشحين الجمهوريين، والمشرعين، قالوا إن الميزانية الدفاعية يجب ألا تكون معفاة من إجراء المزيد من التخفيضات عليها.
وعلى النقيض من مراجعات البنتاجون السابقة فإن الاستراتيجية الجديدة تقدم بعض الإرشادات الواضحة للخدمات العسكرية، حول المهام التي ستتم، أو التي يجب أن تتم إزالتها، وتلك الفروع أو المجالات من المؤسسات العسكرية المتنامية التي يجب تخفيض حجمها أو أعداد العاملين فيها.
وتعترف هذه المقاربة بأن القوات المسلحة والوكالات الاستخبارية الأميركية المختلفة يجب أن تواصل معركتها ضد "القاعدة"، وغيرها من التنظيمات الإرهابية على مستوى العالم، ولكن بدلاً من استخدام جيش نظامي وقوات "مارينز" في حروب لمواجهة التمرد طويل الأمد، فإن إدارة أوباما تفضل أن تركز بشكل أكثر قوة على تأسيس قدرات مصممة خصيصاً لإدارة مهام مكافحة الإرهاب، وخوض الحروب غير النظامية التي قد تضطرها الحاجة لخوضها في أي مكان من العالم.
ولا ترفض هذه الاستراتيجية بشكل رسمي فكرة أن القوات المسلحة الأميركية قد تستدعى في المستقبل من أجل القيام بمهام فرض الأمن والنظام في المجتمعات المنقسمة والممزقة في العالم الثالث، ولكنها تقترح أن أي عمليات لفرض الاستقرار مماثلة لتلك التي تم تنفيذها في الماضي بالعراق وأفغانستان ستكون ذات مدة أقصر، وأهداف أكثر محدودية.
وقد أصر أوباما على أن أي خفض في القوات المسلحة الأميركية لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يضر بتواجدها في القارة الآسيوية التي يطلق عليه أوباما صفة "المنطقة الحرجة". ولتوفير الإمكانيات اللازمة للمحافظـة علـى هذا التواجد، فإن الاستراتيجية المذكورة، تقترح الحاجة لإجراء خفض في حجم القوات البرية الأميركية الموجودة في أوروبا، التي كانت تمثل مهمة كبرى من مهام الجيش الأميركي لعقود طويلة.
وترى وثيقة الاستراتيجية أيضاً إمكانية إجراء خفض في حجم الترسانة النووية الأميركية حيث تقول إن: "من الممكن أن نكون قادرين في المستقبل على تحقيق أهدافنا في ردع الأعداء من خلال استخدام قوات نووية أصغر حجماً".
كما تقترح إدارة أوباما أيضاً إجراء خفض في مجال آخر من مجالات استراتيجية الحرب الباردة هو ذلك الخاص بفكرة أن القوات الأميركية كانت ملتزمة لسنوات طويلة بالمحافظة على حجم من القوات قادر على خوض الحرب في منطقتين على الأقل في وقت واحد. فالاستراتيجية الجديدة تلزم البنتاجون بأن تكون قادرة على خوض حرب واحدة على نطاق واسع، مع المحافظة على عدد من القوات قادر على "فرض أكلاف باهظة على أي معتد انتهازي في منطقة أخرى".

كرايج ويتلوك وجريج جاف
صحفيان أميركيان متخصصان في الشؤون العسكرية

ينشر بترتيب مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا