صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

باحثان يتتبعان مسارات مصطلح الجندر (الجنوسة)

لم يطرح أي مفهوم من المفاهيم الحديثة على المستويين الدلالي والإجرائي من الإشكالات كما طرحه مفهوم الجندر أو الجنوسة بسبب تغير استعمالاته واختلاف استعمالاته تاريخياً ما جعله موضع اختلاف كبير بين الدارسين والنقاد، إذ استعمل هذا المصطلح لتحديد الاختلافات بين الرجال والنساء على مستوى الوظيفة الاجتماعية. ومن أجل الوقوف على السياقات المختلفة التي اندرج ضمنها هذا المصطلح، والدلالات المختلفة التي حملها تاريخياً، وعلاقاته بمفهوم الجنس واللغة يحاول ديفيد جلوفر وكورا كابلان في كتابهما الهام “الجنوسة (الجندر)” أن يتتبعا المسارات المختلفة لهذا المفهوم تاريخياً، أو كما يسمياها التواريخ المجنوسة والسياقات المجنوسة التي كشفت عن وفرة لغوية زادت من تشويش المفهوم، وجعلت الاتفاق على دلالاته صعباً، فالدور الجنوسي أو الهوية الجنوسية مثلا هما مفهومان جديدان نسبياً ظهرا في بداية عقد الثمانينات من القرن العشرين، في حين أن الاستعمال المبكر لمفهوم الجندر يعود لأيام تشوسر في القرن السابع عشر.

المعاني الحديثة للمصطلح
يؤكد الباحثان في مقدمة الكتاب أن الاستعمال الحديث للمصطلح لا يزال يحمل آثار الاستعمالات القديمة له، إذ يستمر في حمل وظيفته كمصطلح نحوي إلى جانب كونه يعبر عن جنس الشخص بالرغم من أنه لم يعد يستعمل كمرادف للفعل الجنسي، ذلك أن الجنسانية اتخذت في دلالاتها منذ القرن التاسع عشر بوصفها موضوعاً جديداً للمعرفة العلمية والشعبية دلالة تجاوزت بها مفهوم الجنس مع تداخلها الوثيق مع جميع جوانب الحياة الاجتماعية، حيث تجاوزت كونها تدل على الطبيعة البشرية باعتبارها مركزا للذة والرغبة. ولكي يتم فهم تغير دلالات المفهوم يحاولان تأمل بعض الأمثلة المستمدة من الميثولوجيا والثقافة الغربيتين كما تجلت في حالة الخنثى، لأن الجسم البشري ظل حتى القرن التاسع عشر يُفهم على أنه جسد من لحم واحد تكون فيه الاختلافات الجنسية مسألة درج أكثر مما هي مسألة نوع. ولعل الاستخدامات الحديثة للمفهوم توضح أن الحياة الجنسانية قد أخذ ينظر إليها على أنها أكثر من مجرد مجموعة من الإحساسات.
ويشير الكتاب إلى أن بداية استعمال مفهوم الجندر gender بوصفه يشير إلى الجوانب الاجتماعية والثقافية للاختلاف الجنسي غير معروف، وإن كان معروفا في علم الجنس منذ أوائل ستينات القرن الماضي.

الجنوسة والعلم الجنسي
يستعمل مصطلح الجنوسة عند كومفورت للدلالة على التنوع الجنسي في أساليب السلوك بين المجتمعات لكن التنظير للفارق بين الجنس والجنوسة تظهر في كتابات المحلل النفسي روبرت ستولر التي أكد فيها أن الصفات الجنسية الجسدية للشخص والمواقف العقلية وموضوعات الرغبة تتغير بشكل مستقل عن بعضها البعض، كما ميز بين الهوية الجنوسية والدور الجنوسي في الحياة البرانية والجوانية للشخص. لقد استعملت أفكار ستولر بطرق جديدة في مرحلة الإحياء الهائل للسياسة النسوية في أميركا وأوروبا نهاية الستينات من القرن العشرين فقد عملت الناقدة الثقافية روبن على كشف القناع عن تصور للطبيعة تقييدي وناقص، وعلى تحرير التنوع الإنساني لأنه أكثر طبيعية من قيود العرف الاجتماعي عندما يتم إزالة العوائق الثقافية التعسفية والاصطناعية، لأن المفوهمين مقولتان ثقافيتان والجنس والجنوسة مفهومان متداخلان بالضرورة.
وحول العلاقة بين الجنوسة واللغة يتحدث الكتاب عن موقف الكاتبة الفرنسية مونيك فيتنيغ المتجذر في النظرية المادية للغة حيث المفاهيم والرموز فيها ليست سوى مجرد أفكار أو علامات عائمة، بل لها تأثيرات حقيقية على الذوات الفردية، كما أن الجنسانية الغيرية تنظم العلاقات الإنسانية وإنتاج مفاهيمها وكل السيرورات التي تقوي الوعي، الأمر الذي يجعل علاقات الجنوسة لا يمكن مساواتها أبدا لأن مقولتي رجل وإمرأة تعرفان بأنهما لا متناظرتان من البداية، بل تلعب اللغة دورا حاسما في استمرار الاختلال فالمرأة التي تتعلم أن تسمي نفسها امرأة تذعن بشكل ضمني للامتيازات التي يتمتع بها الرجال، والمرأة كي تصبح ذاتا كلية يجب عليها أولا أن تجري قطيعة مع فرضيات الجنسانية الغيرية. وإذا كانت الجنوسة قد استعملت غالبا كمقولة سوسيولوجية بالدرجة الأولى ، فإنها أغفلت دور اللغة معتبرة إياها ذات دور ثانوي ما جعل الكاتبة فيتيغ تسعى إلى تحديد موقع الجنوسة داخل اللغة لأن الضمائر الشخصية وضمائر الفاعل هي التي تشكل المدخل إلى اللغة، والكلمات هي التي تحدد موقعنا داخل الخطاب .

الأنوثة والنسوية
وعن العلاقة بين الأنوثة والنسوية يشير الباحثان أولا إلى عدم القدرة على تعريف الأنوثة بوصفها مجموعة من الصفات المنسوبة إلى الإناث المجنسات بيولولجيا، وفي ضوء ذلك يحاولان الإجابة عن ماهية صفات الأنوثة وإلى أي حد تكون أية طبعة مفترضة من الأنوثة طبيعية أو ثقافية ولذلك يستعرضان مفاهيم فرويد حول الأنوثة والذكورة ويؤكدان أن معنى المرأة بيولوجيا وسيكولوجيا واجتماعيا لا يعني بالضرورة أن تعتبر مؤنثا. أما فيرجينا وولف فإنها تستحضر كره النساء الثقافي الذي يمكن أن يستثيره الوضع المجازي الملتوي للأنوثة، فهي ترى أن من الصعوبة تمييز مسألتي الجنوسة والجنسانية بمعزل عن بعضهما البعض عندما تكون الأنوثة موضع نقاش. إن النسوية تستمر في الجدل حول ما هو طبيعي وما هو معطى بيولوجيا وما هو متصور ثقافيا، في حين أن التحليل النسوي للأنوثة قد سلط الضوء على الفضائل الأنثوية المفترضة. ومن جهتها ترى جاكلين روز أن التفكير في الأنوثة بوصفها جزءا من الانقسام والقلق الضروريين للذاتية الإنسانية فتنطلق منه باعتباره سؤالا حول الهوية أكثر مما هو جواب عليها، وهي تقدم في كتاباتها وصفا مفصلا وموسعا للتصور الاجتماعي للجنوسة. بعد ذلك يقدم الباحثان قراءة في الطروحات المختلفة حول مفهوم النسوية والأنوثة في القرنين الثامن والتاسع عشر وفيما بين الحربين العالميتين .
القراء والمشاهدون
في الفصل الأخير يتناولان العلاقات الاجتماعية للقراءة التي تمتلك صفة عمومية وتشكل امتدادا للطقوس اليومية وعادات الحياة اللطيفة، كما يتناولان علاقة الجنوسة بالمجال العمومي إذ كان أهم التطورات الناجمة عن انتشار معرفة القراءة والكتابة في القرن السابع عشر ظهور منطقة جديدة من النقاش الحر والمفتوح حول مفهوم المجال العمومي الذي يرى هابرماس أنه كان يتميز بثلاثة خواص مميزة ومتبادلة جعلت النقد العقلاني المستقل حاضرا بصورة يومية وعاديا في حين أصبحت قراءة الروايات لا تنفصل عن الاستهلاك الأوسع للسرديات الثقافية عبر السينما والتلفزيون إذ باتت تحتل هذه الوسائطُ الفضاءَِ الذي كان ينتمي سابقا للفضاء العمومي الأدبي.


الكتاب: الجنوسة الجندر
المؤلف: ديفيد جلوفر وكورا كابلان
المترجم: عدنان حسن
الناشر: دار الحوار سوريا