الأربعاء 25 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الخيط الأخير
الخيط الأخير
11 أغسطس 2005

سعاد جواد SUAD-JAWAD@ HOTMAIL .COM: ألقت والدتي كلماتها القاسية وأدارت ظهرها وانصرفت·· هكذا ببساطة، قالتها لنا، سأتزوج، يا إلهي·· هل هذا يعقل؟ لم يفت على وفاة والدنا إلا أشهر قليلة، فقبل أيام انتهت عدتها، ما اسرع ما اتخذت مثل هذا القرار، وأين كانت تخبئ هذا الذي ظهر فجأة عند نهاية العدة وهو مستعد للارتباط بها؟ الأفكار المتلاحقة تأخذ طريقها إلى رؤوسنا، أنا كبرى بناتها وعمري خمسة عشر عاماً، يصغرني أخ بعام واحد وأخت بعامين، نحن الثلاثة اصبنا بالصدمة، لا ندري كيف نفسر ما ستقدم عليه والدتنا·
قال أخي بمنتهى الصراحة: أنا اعتقد أن أمي كانت تعرف هذا الرجل أثناء حياة والدي، وانها كانت تنتظر موت الوالد لتتزوجه، أردفت أختي: وكيف عرفت انه سيموت؟ لابد انها هي التي تسببت في موته، صرخت بهما: لقد تجاوزتما حدودكما، من تتحدثون عنها هي أمنا، هل نسيتم ذلك؟ ثم إننا عشنا معها ولم نجد في سلوكها ما هو مشين، أرجوكم أبعدوا هذه الأفكار عن رؤوسكم، انها نزغات شيطانية·
قالت أختي: معك حق·· ولكن يبدو ان جارتنا فلانة هي التي أحضرت هذا الخطيب لأمنا، فالمعروف أن هذه الجارة تعمل خاطبة لتكسب المال، لذلك أعتقد أن لها دوراً في التأثير على أمي·
رد أخي وهو يشعر بضيق لا حدود له، وأعتقد أنه قد تأثر أكثر منا، قال: كيف يمكنها ان تفكر بالزواج ولازال حزننا على والدنا يملأ قلوبنا وحسرتنا على فراقه لم تنقطع، ألا تحس هي بنفس احاسيسنا تجاه زوجها، والدنا؟
قلت له: انت تعرف أن أمي كانت مجبرة على الزواج منه وهي لم تحبه يوماً طوال السنين التي عاشتها معه·
رد علي وهو يكاد يبكي: ولكنه كان يحبها ويدللها ولم يقصر معها في شيء·· يا للنساء·· إنهن غادرات·
قالت أختي: لا تقل ذلك، ليست كل النساء غادرات، انها أمنا فقط، للأسف·· انها من نوع آخر، نوع أناني لا يحب إلا نفسه، انها حتى لم تفكر بنا نحن ابناءها، لم تفكر كيف سنتقبل فكرة وجود رجل آخر مكان والدنا الذي لم يبرد فراشه بعد·
بقينا نتحاور هكذا لساعات طويلة دون ان نصل إلى نتيجة، فقررنا أخيراً ان نكف عن الحديث وان نقوم بشيء لمواجهة هذا الموقف الصعب·
حاولنا التأثير على الوالدة لثنيها عن رأيها ولكن دون جدوى، عند ذلك أخبرها أخي بأنه لن يسمح لها بأن تحضر زوجها إلى بيت والدنا، فإن كانت مصرة على هذا الزواج، فلتذهب لتعيش في بيت زوجها ولتتركنا لوحدنا·
كنا نعتقد أننا عندما نتخذ مثل هذا الموقف، فإنها ربما ستغير رأيها ولكن ما حدث هو انها قالت: شيء طيب·· فالرجل قد اقترح علي نفس الاقتراح ولكنني كنت أرفض، لانني لم أشأ أن أترككم وحدكم، أما إذا كانت هذه هي رغبتكم أيضاً، فعلى الرحب والسعة، سأترك لكم البيت ولتدبروا أمركم بأنفسكم، انتم كبار وتستطيعون تحمل المسؤولية، كما ان راتب والدكم التقاعدي سيكفيكم لتعيشوا بشكل جيد، ولن تحتاجوا لأحد إن شاء الله·
صعدت الدماء إلى وجه أخي وأحسست أنه سيقفز نحو أمي محاولاً خنقها، ولكنها أسرعت بالانصراف من أمامه، كما تفعل دائماً، انها تهرب من المواجهات الصعبة ولكنها تفعل ما تريد دون ان تتأثر بشيء·
أمسكت أخي وحاولت تخفيف الضغط النفسي الذي وقع تحت تأثيره، إنه مجرد فتى في الرابعة عشرة من عمره، وليس قادراً على تحمل مثل هذه المواقف الصعبة، بكت أختي وبكيت معها ولكن أخي حبس دموعه لإحساسه بأنه رجل والرجال لا يبكون·
حياة صعبة
تزوجت والدتنا وتركت لنا المنزل وذهبت لتعيش مع زوجها، كان الأمر صعباً في بدايته ولكن بالتدريج بدأنا بالتعود على الحياة بدون أب وأم، حاولنا ان نقتسم المسؤوليات وان نثبت أننا كفؤ ولسنا صغاراً، فقد أتعبتنا تعليقات الناس من حولنا وحديثهم عنا وعن أمنا، فالكل يأتي لزيارتنا، حيث يعرض تقديم العون والمساعدة ولكن في الحقيقة، فإن الجميع كانوا يحرجوننا بكثرة الأسئلة والتعليقات التي لا تنتهي، ومنهم من يتبرع وينقل لنا أخباراً عن أمنا كانت تمزقنا تمزيقاً، لقد تزوجت رجلا ثريا وهي تسافر معه إلى دول كثيرة، يشتري لها ما تريد وهي غارقة في العز والنعمة والدلال، ثم أخبرونا بأنها أنجبت ولدين منه وبنتا واحدة·
السنين تمر وهي لا تتصل ولا تسأل عنا وكأنها شطبتنا من قائمة حياتها نهائياً، بالطبع فإن ذلك كان يؤلمنا ولكننا أيضا لم نكن نرغب بسماع صوتها أو رؤيتها مرة أخرى·
قررنا ان ننهمك في الدراسة لنحقق ذاتنا ولنثبت أننا غير عاديين، وقد استطعنا تحقيق حلم والدنا المرحوم، فصرت أنا موظفة مرموقة وصار أخي مهندساً وسافرت أختي لتدرس الطب في احدى الدول الكبرى·
كانت خالتي هي أكثر من وقف إلى جانبنا في جميع الظروف التي مررنا بها وحاولت جاهدة ان تعوضنا عن فقدان أمنا، مع انها كانت تعمل ولديها مسؤوليات كثيرة نحو اسرتها ولكنها كانت تحاول قدر الإمكان ان تسأل عنا باستمرار·
جاءني نصيب جيد، فتزوجت وكانت خالتي هي الأم البديلة لي وبالطبع فإن أمي لم تفكر بأن تحضر عرسي وكأنها لم تنجبني ولست من لحمها ودمها، زففت إلى زوجي والدموع كانت هي السمة المميزة لعرسي، الكل كان يبكي عندما يتذكر تلك الأم القاسية التي تخلت عن ابنتها في مثل هذه الليلة الهامة في حياة كل بنت، صحيح انه موقف صعب ولكن من الطبيعي ان يكون موقف أمي بهذا الشكل، فقد تخلت عن فلذات كبدها وهم في عمر حرج من سني المراهقة ولم تفكر إلا بإسعاد نفسها ـ سامحها الله ـ كم كانت قاسية علينا·
بعد سنة واحدة من زواجي، تزوج أخي أيضاً وقد كنت أنا وخالتي وأختي التي أكملت دراستها وعادت لتعمل كطبيبة، كنا جميعاً وراء نجاح العرس والظهور بأحسن صورة أمام الجميع، وكان أخي ممتناً لنا وكذلك زوجته، فهي انسانة طيبة وتستحق انسانا رائعا مثل أخي·
عريس 'لقطة'
جاء دور أختي الصغرى في الزواج، تقدم لها شاب كان شبه مثالي، مركزه مرموق ولديه شهادة عالية وهو وسيم وجميل جداً، كان هذا العريس بمثابة لقطة ثمينة تحلم بها كل بنت خصوصاً وانه من عائلة ثرية ومعروفة، كنا أنا وأخي وأختي فرحين جداً بهذا النصيب، وقد شاركتنا خالتنا الفرحة، وقد كنا لا نزال في بداية الأمر، حيث الأمور التقليدية التي تسبق الزواج، والكل راض وسعيد خصوصاً الشاب، حيث انه كان مندفعاً نحو أختي لانها أعجبته بشدة حين شاهدها لأول مرة في مكان عملها، وقد تعلق قلبه بها، ثم بعد ان تعرف على أخي ازداد تمسكاً بأختي لأنه وجده رائعا بمعنى الكلمة، وهو يشرف أي انسان ينوي أن يصاهره، كل الأمور سارت مسارها الرائع لولا ان حدث ما حدث فتغير كل شيء تقريباً·
بحسن نية خالصة قامت خالتي بإخبار أمنا عن ذلك النصيب الرائع الذي جاء لابنتها وهي معتقدة أن قلبها سيرق وستفرح لها، ولكن ما حدث في الحقيقة هو انها استشاطت غيظاً وحسداً وقالت لاختها: وماذا وجد في تلك القبيحة ليتزوجها؟ ألم يجد من هي أجمل منها؟ استغربت خالتي لموقف أختها وانفعلت وكلمتها بقسوة لتنبهها إلى انها انسانة غير طبيعية، فلا يوجد مخلوق على وجه الارض لا يتمنى لأولاده الخير، فهل هي مخلوقة من غير طينة هذا الخلق الموجود على الارض؟
لم تشأ خالتي ان تؤذينا وتخبرنا بموقف والدتي وكتمت الأمر كله وكأن شيئاً لم يحدث، وقد قاطعت أمنا ولم تعد تسأل عنها·
بعد مدة بسيطة اتصل خطيب أختي بأخي ليسأله عن اسم امرأة وهل هي قريبة لنا، كان الاسم هو اسم والدتنا، فقال له أخي بشيء من الانفعال: نحن لا نعرف أحداً بهذا الاسم، استغرب الشاب، وقال لأخي: عجيب، لابد انكم تعرفونها جيداً، لانها ذكرت أنها من المقربين إليكم·
قال له أخي: لا يهم ما قالته ولكن ماذا تريد منك تلك المرأة باتصالها؟ قال: انها تنصحني بالتخلي عن فكرة الزواج من أختك وقدمت لي عرضاً بالزواج من ابنتها البالغة من العمر خمسة عشر عاماً، وقد ذكرت أن ابنتها غاية في الجمال وانها فرصة نادرة لي بدلاً من الارتباط بأخرى كبيرة في السن وليست جميلة·
كانت كلماته تنطلق مثل الرصاص القاتل نحو مسامع أخي، فكاد ان يصرخ ولكنه تماسك وقال للشاب بهدوء: تستطيع ان تختار ابنة تلك المرأة، نحن لا زلنا على البر، وأنت تعرف أن أختي ليست (بائرة) وهي لا تركض لاهثة وراء الارتباط بهذا أو ذاك·
ارتبك الشاب واعتذر قائلاً: لم أحدثك عن هذا الأمر لانني أنوي التراجع عن الخطبة، فما أقدمت عليه كان عن قناعة كاملة لأنني لست صغيراً واعرف ما اريد بالضبط، وأختك هي الانسانة الوحيدة التي اقنعتني بشخصيتها وسلوكها ورقي أخلاقها، أنا فقط أردت ان تحذروا من تلك المرأة وان لا تعطوها فرصة لتخريب حياتكم، قال له أخي: لقد هدمت هذه المرأة حياتنا وحاولت تدميرها بشكل كامل عندما كنا صغاراً، وقد كنا أقوى منها، فقد أعاننا الله على انفسنا وعليها، فاستطعنا ان نحقق ذاتنا ونعتمد على انفسنا ولا نحتاج لاحد، أما الآن فإنها مهما فعلت فلن تستطيع ان تمسنا بسوء لاننا بحمدلله اقوياء جداً الآن·
تعجب الشاب من قول أخي وبقي ساكتاً لا يعلق لانه لم يفهم ما طبيعة العلاقة بيننا وبين تلك المرأة، عندها قال له أخي: بما انك ستكون فرداً من عائلتنا لذلك أجد أنه من الضروري ان تعرف بعض تفصيلات حياتنا، لتكون على بينة من الأمور وان لا تصدمك الأخبار بعد ان تعرفها من غيرنا، ان المرأة التي اتصلت بك هي أمنا التي تخلت عنا بعد وفاة والدنا وتزوجت رجلا آخر ولم تسأل عنا لسنين طويلة، شهق الشاب قائلاً: أمكم؟ هل هذا يعقل؟ هل ما تقوله صحيح؟ قال أخي: ستعرف الحقيقة كاملة عندما تسمعها بالتفصيل وربما كلما سمعت المزيد ستستغرب اكثر واكثر، ولكنها الحقيقة المرة التي عشناها انا واختاي، وهي مأساة حياتنا كلها·
سبب حديث أخي نوعاً من الصدمة لذلك الشاب ولكنها زادت من تمسكه بأختي وأصر على الارتباط بها، فتزوجها وبالطبع فإن أمنا لم تحضر عرسها أيضاً·
مرت السنين متسارعة وانهمكنا كل في حياته الاسرية وعمله وابقينا على صلاتنا ببعضنا بشكل ودي وحميم ولم نعد نعرف شيئاً عن أخبار أمنا بعد ان قاطعتها خالتنا ولم تعد تسمع عنها شيئاً·
قبل مدة بسيطة جاءت خالتي لزيارتي وكانت متعبة جداً، فأخبرتني بانها قد سمعت أخبارا سيئة عن أمي وقد قررت زيارتها والسؤال عنها، بالطبع فقد شجعتها على هذه الزيارة فلربما تكون في حاجة إليها·
عادت خالتي من زيارة أمي لتخبرني بأنها قد اصيبت بالشلل في ساقها وانها تعيش وحيدة بعد وفاة زوجها وزواج أولادها وللأسف فهي على الرغم من كل ذلك فهي لا تزال كما هي لا تهتم بكم ولا تسأل عنكم وكأنكم لستم أولادها، وهي تذكر والدكم بالسوء وتقول إنكم عاقون مثله، وقد أزعجتني زيارتها جداً لانها متعالية ومتكبرة بسبب المال الذي ورثته من زوجها، وهي تعتقد أن الكل يطمع بمالها، كان حديث خالتي هذا بمثابة الخيط الأخير الذي قطع علاقتنا بأمنا إلى الأبد·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©