الاتحاد

دنيا

لبنان المرئي والمسموع: المشكلة والحلم

رغم أن وسائل الإعلام النقدية والموضوعية والحرة والمتنوعة موجودة في معظم دول العالم وبشكل أكثر تطوراً أحياناً، لكن قلّما نعرف أو نسمع عن قيام الإعلام بتأجيج الفتن والقلاقل مثلما نسمع عن لبنان وبعض الدول.
وفي 4 مارس الجاري، بلغ السيل الزبى في لبنان لجهة خطاب الفتنة والتحريض الطائفي والمذهبي المغطى زوراً بأماني ديمقراطية كاذبة تحركها حزمة مصالح عدا المصلحة العامة للوطن واللبنانيين. طبعاً ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، فالسيل يبلغ الزبى في لبنان مراراّ وتكراراّ وبين كل فينة وفينة، فهو بلد العجائب باستثناء عجيبة واحدة هي القدرة على بناء وطن مستقر وجامع لأبنائه، فيما أشباه الزعماء يتشاطرون في التنظير عن مشاكل الدول والدنيا كلّها ولا يخجلون من عجزهم عن بناء مرقد آمن، لا لمواطن ولا لطائفة ولا لمذهب ولا لمنطقة أو حتى أصغر حي.
المُميّز هذه المرة هو سبر مغارة الدور الخطير للإعلام اللبناني، لاسيما محطاته التلفزيونية والإذاعية أو بعضها على الأقل، بعدما بلغت الأوضاع منسوباً حساساً دفع الهيئة الرسمية المسؤولة مباشرة عن هذا القطاع إلى قول ما لا يُقال عادة، ليحتم ذلك فتح كثير من الملفات التي تحيط بهذا القطاع (وبالصحافة اللبنانية كلها)، والتي لم يعد جائزاً السكوت عنها كما جاء على لسان رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ إثر اجتماع عقد مؤخرا.
ولعل أهم ما ذكره محفوظ هو الاعتراف بأن سوق الإعلان في لبنان لم يعد يكفي لتمويل مؤسسة واحدة، والحديث بالتالي عن ضرورة تحصين الإعلام لجهة استبعاد المال السياسي “الذي لا دور له سوى التحريض في الداخل اللبناني من أي جهة جاء هذا التمويل” علماً أنه “بفضل التمويل الخارجي نعلم أن لبنان بواقعه الآن يعيش جوا مأزوما” على حد تعبيره.
يؤكد هذا الكلام مرة جديدة حقيقة واضحة في لبنان وهي أن المؤسسات الإعلامية، وخاصة باهظة الكلفة، لم ولن تستمر إلا بالمال السياسي الخارجي. لكن ما يجب استكماله هنا هو أن هذا الواقع الإعلامي المؤسف والمخجل يسير بمحاكاة مطابقة تماماً لواقع سياسي، فالتمويل الخارجي للمحطات وغيرها لا ينشأ من فراغ بل يرتبط عضوياً بتمويل خارجي مزمن. وهذه معضلة مؤلمة ومزدوجة يخشى معها القول أن حل إحداها مرتبط بالأخرى وإلا لن يستطيع الإعلام القيام بدوره الوطني ويتجنب الوقوع في عواقب التمويل المؤدي للفتن.
إن اتفاق المجلس الوطني للإعلام على عقد اجتماع مع حاكم مصرف لبنان للمطالبة بقروض ميسرة ومدعومة للمؤسسات المرئية والمسموعة خطوة جيدة على طريق التخلي عن مصادر التمويل السياسي الخارجي. وسواء كان الرجاء منها واقعياً أم لا، فإن المرء يتمنى نجاحها، علّها تكون ساعتئذٍ نموذجاً لجميع من يريدون التحرّر من المال السياسي الخارجي، الذي لو تحقق في لبنان لأصبح فعلاً وطناً ينعم أبناؤه بالأمان ويحصنهم من الفتن والأزمات المتواصلة على مدار الساعة، ويعفي كل اللبنانيين من استجداء المساعدات بالمفرق وفاتورة الارتباطات السياسية بالخارج .. كم هو رائع أن يتحقق ذلك. وكم هو جميل أن يكون الإعلام هو النموذج والمبادرة في تحقيق هذا الحلم.


barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا