الاتحاد

دنيا

الأدوية من دون وصفة.. حيلة الجزائريين للتهرب من فاتورة الكشف

الصيدلي مَسلم أوزنالي يؤكد عدم صرف الأدوية الحساسة من دون وصفة (الصور من المصدر)

الصيدلي مَسلم أوزنالي يؤكد عدم صرف الأدوية الحساسة من دون وصفة (الصور من المصدر)

يلجأ جزائريون إلى اقتناء الأدوية من الصيدليات من دون وصفة طبية، رغم الأخطار الجسيمة التي يمكن أن تنجم عن ذلك. ويقدّر بعض الأطباء نسبة الذين يتناولون الأدوية دون استشارة طبية بـ80 بالمائة، ويحمّلون المسؤولية للصيادلة والمواطنين على السواء، بينما يرفض آخرون هذه النسبة ويصفونها بـ«المبالغ فيها». ويتحدثون عن حالات «قليلة». ويعزو جزائريون توجههم مباشرة إلى الصيدليات، للحصول على أدوية لأمراض يعدونها «شائعة وبسيطة»، إلى ارتفاع فاتورة الفحص الطبي عند الأطباء المختصين.

حسين محمد (الجزائر) - يمكن وصفُ اقتناء الأدوية دون وصفة طبية بـ«الظاهرة» في الجزائر، إذ من الشائع أن يدخل أشخاص إلى مختلف الصيدليات ليطلبوا أدوية من الصيادلة دون أن تكون بحوزتهم وصفاتٌ طبية، ثم يدفعون ثمنها وينصرفون.
ومن أكثر الأدوية المطلوبة دون وصفات شيوعاً مسكّنات الصداع والآلام وأدوية السعال والزكام ونزلات البرد والحمى؛ إذ يتحجج المرضى والصيادلة معاً بأن هذه الأنواع من الأدوية لا تتطلب الحصول وصفات طبية للحصول عليها، ولا تشكل أية خطورة على مستهلكيها ولا تسبِّب تعقيداتٍ صحية.
حالات «بسيطة»
غالباً ما يتجه المصابون بأمراض يعتبرونها بسيطة مثل الصداع والزكام مباشرة إلى الصيادلة للحصول على ما يريدون من أدوية دون أن يكلِّفوا أنفسهم عناء زيارة الطبيب، وهو ما يحدث هذه الأيام بكثرة بعد الانخفاض الكبير لدرجات الحرارة، حيث يقبل المصابون بالزكام ونزلات البرد المختلفة على الصيادلة لطلب أدوية معينة تعوّدوا على اقتنائها، أو الاكتفاء بوصف الإصابة للصيدلي وترك مسألة اختيار الدواء له، بدلاً من الطبيب.
ويحمّل جزائريون الأطباءَ جانباً من المسؤولية. في السياق ذاته، يقول مجيد آيتْ وَعْلي، وهو مصاب بالسكري «الكثيرُ من الأطباء يتحاملون على الصيادلة ويصفونهم بالتجار لمجرد أنهم يصرفون بعض الأدوية للمرضى دون وصفة، في حين أن أسعار فحوص روتينية لدى هؤلاء الأطباء المختصين لا تقل عن 1200 دينار جزائري (نحو 60 درهما إماراتيا)، ثم يصفون لك الأدوية السابقة نفسها، ما يدفع الناس إلى «استشارة» الصيادلة مباشرة لتوفير ثمن الفحص الطبي الذي لا يقدر عليه الكثيرُ من ذوي الدخل البسيط، ولو كان بمقدوري أن أقتني الأدوية لمعالجة مرضي المزمن دون وصفة لما ترددت».
وتقول سيدة دخلت صيدلية في «ساحة أول ماي»، بقلب العاصمة لشراء دواء مضاد للبرد والحمى، «لا أعتقد أن اقتناء هذا الدواء البسيط يتطلب زيارة طبيب عام، ولا أرى أية ضرورة لذلك، نزلات البرد شائعة بالبلد لانخفاض درجات الحرارة فيه في فصل الشتاء، لديّ نزلة برد بسيطة وقد تعوّدت على اقتناء هذا الدواء بنفسي في كل مرة، لأنه علاجٌ فعال وكفى، ولا داعي لكل هذا التهويل».
مضيفة «لا حاجة لدفع مبلغ كبير لقاء الخضوع لكشف طبي عند طبيب فالحالة المادية صعبة».
وحول موقف القانون من الموضوع، يؤكد الصيدلي سعيد سوالمية أن القانون لا يمنع الصيادلة من بيع بعض أنواع الأدوية دون وصفات ومنها أدوية الزكام والسعال والحمى والمقويات والفيتامينات المختلفة، ولكنه يمنع صرف أدوية أخرى دون وصفات ومنها المضادات الحيوية والمهدئات وغيرها من الأدوية الحساسة التي يمكن أن ينجم عن تناولها عشوائياً ودون معرفة بدواعي استعمالها، مخاطرَ جسيمة.
ظاهرة متفشية
الصيدلي مَسلم أوزنالي يؤكد تفشي الظاهرة، ويقول «هناك أشخاص يطلبون مني صرف شراب مضاد للسعال لأطفالهم الرضع، وهذا ما لا يمكنني قبوله مهما ألحّوا في الطلب، وهناك حتى مصابون بمرض القلب يريدون أدوية دون وصفة». ويضيف «الأخطر من ذلك أن بعض الشبان يطلبون مهدئات بوصفات قديمة أو بوصفات من أطباء عامين بدل أطباء مختصين في الأمراض النفسية والعصبية، وهذا مخالف للقانون، وبحكم تزايد المتاعب التي يتعرض لها الصيادلة على أيدي شبان مدمنين على الحبوب المخدرة، فقد أوقفتُ التعامل نهائياً بهذا النوع من الأدوية الخطيرة والحساسة».
إلى ذلك، يؤكد المسؤول بالمعهد الوطني للصحة العمومية الدكتور جمال الدين ولمان أن ظاهرة اقتناء الأدوية دون وصفات متفشية جدا وسط الجزائريين، ويقدِّر نسبة الذين يلجأون إلى ما يصفه بـ»المداواة الذاتية» بما لا يقل عن 80 بالمائة، حيث يلجأ هؤلاء إلى «المعالجة الذاتية حينما يصابون بأمراض الأنفلونزا والزكام والحمى والسعال».
ويضيف ولمان «يحدث أن يلجأ مرضى إلى وصف أدويتهم لأقاربهم وجيرانهم بمجرد أنهم يعانون من أمراض مشابهة لهم، وهذا أمرٌ خطير، ويمكن أن يسبِّب مضاعفات صحية»، مقدّرا نسبة من يدخلون إلى المستشفى بسبب الاستهلاك العشوائي للأدوية بـ5 بالمائة.
من جانبه، وصف الدكتور رشيد لعلاوي، وهو طبيب عام، ظاهرة استهلاك الأدوية دون وصفات بـ»الكارثة». ونبّه إلى أن الأمر لا يتعلق بالأدوية البسيطة المعروفة فقط والتي يمكن صرفها دون وصفات، بل يتعلق أيضاً ببعض المضادات الحيوية التي يصرفها بعض الصيادلة للمرضى دون وعي، بعد أن نصّبوا أنفسهم «أطباء» يصفون الأدوية المناسبة للمرضى، بدل أن ينصحوهم بالرجوع إلى أهل الاختصاص.
ويرجع لعلاوي أسباب تفاقم الظاهرة إلى «عدم تحلّي بعض الصيادلة بالوعي، وضحالة تأهيلهم وتوظيف أشخاص في بعض الصيدليات لا علاقة لهم بعالم الأدوية، وبعضهم لا يتجاوز مستواه الثالثة ثانوي بدل توظيف صيادلة كما ينص قانون الصحة». ويشدّد على ضرورة تكثيف وزارة الصحة للرقابة على الصيادلة ومنعهم من بيع الأدوية الحساسة دون وصفات. ويقول «الدواء له مضاعفاته ومخاطره وآثاره السلبية ويُتناول بجرعات مضبوطة في مددٍ تُحدد بدقة بعد التشخيص الدقيق، ويجب احترام كل ذلك دون تهاون، وهذا ما لا يتيحه الاستطباب العشوائي بالأدوية إذ غالباً ما يؤدي إلى عودة الفيروسات وتكوينها مناعة ضد الأدوية، ما يؤدي في النهاية إلى ظهور مضاعفات صحية خطيرة، ومنها حدوث النزيف والتشنج، والخطورة تصبح أكبر بالنسبة للحوامل اللواتي قد يتعرضن للإجهاض أو يعرّضن أجنّتهن للتشوهات الخلْقية للأجنة». ويحذر لعلاوي من الإفراط في تناول الأدوية بمجرد الشعور بآلام بسيطة، مؤكدا «البعض يتساهل في تعاطي البراسيتامول ويتناوله بإفراط، وقد ثبُت أن له آثاراً سلبية ضارة على الكبد».


تهويل ومبالغة
يرفض طبيب الأطفال ورئيس الهيئة الجزائرية لترقية الصحة البروفيسور مصطفى خياطي نسبة الـ80 بالمائة التي قدمها الدكتور ولمان، ويصفها بـ»المبالغ فيها». ويؤكد «هذه الأرقام غير صحيحة؛ لدينا دراساتٌ في الموضوع أكدت اقتصار اقتناء الأدوية من الصيدليات تقريباً على الأنواع التي لا تتطلب الوصفة». ويوضح خياطي أن المسألة تتعلق بطلب أدوية معروفة لعلاج الزكام أو الآلام وكذلك المقويات والفيتامينات من الصيادلة مباشرة، وهي أدوية غير قابلة للتعويض لدى مؤسسات الضمان الاجتماعي، أما المضادات الحيوية والأدوية الحساسة فلا يمكن تصوّرُ صرفِها دون وصفات طبية. ويضيف «هناك احتمالاتٌ لصرف هذه الأدوية دون وصفات ولكنها حالات قليلة، وشخصياً تعمّدتُ أن أبعث سائقي الخاص إلى بعض الصيدليات ليطلب منها صرف أدوية معينة لا تُصرف إلا بوصفات طبية، وهذا على سبيل التجربة، فلاقى الرفضَ القاطع في كل الصيدليات التي أرسلته إليها، وطالبه كل الصيادلة دون استثناء باستظهار الوصفة الطبية». ويؤكد خياطي أن صرف الأدوية التي لها مضاعفات دون وصفة طبية ظاهرة نادرة بالولايات الداخلية لقلة الصيدليات بها وإمكانية مراقبتها بسهولة، عكس الجزائر العاصمة التي تكثر بها الصيدليات ويصعب مراقبتُها كلها.

اقرأ أيضا