الاتحاد

تقارير

رأس الداء في كينيا

قتل المئات من الأشخاص، وهُجر مئات الآلاف خلال الأسابيع الثلاثة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في كينيا المتنازع حول نتائجها· وبعدما كانت كينيا نموذجاً للاستقرار في أفريقيا يعاني البلد اليوم مما تطلق عليه وسائل الإعلام ''اندلاع صادم للعنف'' وتفجر ''صدمات قبلية''· والسؤال الحقيقي الذي يتعين علينا طرحه بعد هذه الاضطرابات هو من المسؤول عن العنف المستشري في كينيا؟ وكيف حصل ذلك؟ لكننا لن نحصل على إجابات شافية إذا ما اعتبرنا العنف الحالي مجرد تفجر تلقائي للاستياء الذي يشعر به الكينيون تجاه الانتخابات المزورة، أو أنه ''حرب أهلية'' ليس أكثر·
الحال أنه على المجتمع الدولي أن يدرك بأن هذا العنف ما هو سوى حصيلة شخصيات قوية على طرفي المشهد السياسي أججت العنف وفاقمت الوضع على امتداد السنوات السابقة، فقد وظفت الطبقة السياسية المتناحرة الهوية الإثنية من خلال مواجهة طرف بآخر لاكتساب المزيد من السلطة؛ فللوهلة الأولى تبدو أعمال العنف وكأنها ضرب من ضروب الحرب الأهلية المرتبطة باستياء الكينيين من نتائج الانتخابات، لا سيما أعمال العنف الأكثر سوءا، كما أن التفسير الذي يتبادر إلى الذهن هو تعرض أفراد من قبيلة ''كيكويو'' لأعمال انتقامية بسبب ما يعتبر هيمنتهم الطويلة على مقاليد الحكم· كما أن العديد من أعمال العنف التي شهدتها المدن الكينية في الفترة الأخيرة غير منظمة، بل هي مرتبطة أكثر بالمواجهات التي اندلعت بين المتظاهرين ورجال الشرطة المعروفين بممارستهم العنيفة والقاسية، ومع أن العديد من الكينيين يشعرون فعلا باستياء كبير حيال التزوير الذي شاب الانتخابات، إلا أن جزءا كبيراً من العنف الإثني يرجع في الحقيقة إلى رجال السياسة الذين خبروا استغلال انقسامات المجتمع الكيني لدعم أجنداتهم السياسية والوصول إلى السلطة·
وهنا لا بد من استحضار الرئيس الأسبق ''دانيال أرب موي'' الذي تولى الرئاسة في كينيا من العام 1978 إلى عام ،2002 فقد واجه وأنصاره، الذين ينتمون إلى قبيلة ''كالينجين''، شبح هزيمة وشيكة في الانتخابات الرئاسية أمام المعارضة التي كانت تضم الكثير من أفراد قبيلة ''كيكويو''، فما كان من رجال ''أرب موي'' سوى بث دعاية مضادة للمنحدرين من ''كيكويو''، مقنعين الكينيين أن جميع المنتمين إلى تلك القبيلة من الأطفال إلى المزارعين الفقراء يرمزون إلى هيمنة ''كيكويو''· وساهمت هذه الحملة المغرضة التي شنها أتباع ''موي'' على منافسيهم السياسيين وتسترهم وراء الغطاء الإثني في تحميل مسؤولية المشاكل التي تعاني منها البلاد على عاتق قبيلة ''كيكويو'' التي حكم رجالها البلاد لفترة طويلة في مقابل إبراء ذمة حكومة ''أرب موي''· كما أن اللجوء إلى الشحن الإثني ضد ''كيكويو'' صرف انتباه الكينيين عن عمليات انتزاع الأراضي الواسعة التي قامت بها الحكومة، وتفشي الفساد الذي دفع بالفقراء إلى التكدس في الأحياء العشوائية المجاورة للعاصمة الكينية، بينما اضطر آخرون إلى النزوح عن ديارهم والبحث عن أراض أخرى للعمل·
ومع الأسف حظيت هذه الحملة المناوئة لقبيلة ''كيكويو'' بتأييد الشباب الذين يعاني معظمهم من البطالة، وبدلا من لوم الحكومة على تقصيرها في إيجاد الوظائف انساق هؤلاء الشباب وراء الحملة ضد ''كيكويو''· وهكذا وُزع السلاح على الفقراء ودُربوا على القتل مقابل حصولهم على الأراضي التي هجر منها أصحابها، فقتل خلال التسعينيات الآلاف من الأشخاص وهجر ما لا يقل عن نصف مليون شخص من ديارهم· وهو الجو الذي أهل ''أرب موي'' لإبقاء رجاله الفاسدين في السلطة طيلة عقد من الزمن، ولم تتم إحالة أي شخص من المتورطين في أعمال العنف والقتل إلى المحكمة، كما أن المجتمع الدولي بدا وكأنه مستعد لغض الطرف وعدم محاسبة المسؤولين· ومنذ انتخابه رئيسا للبلاد شارك الرئيس ''كيباكي'' في طمس الماضي وإخفاء المسؤولية بسبب انضمام عدد من المتورطين في أعمال العنف إلى ائتلافه الحكومي بعدما تعهدوا بالتخلي عن خطابهم العدائي تجاه ''كيكويو'' وتأمين الأصوات الانتخابية في المناطق التي ينشطون فيها·
ولا يُستثنى زعيم المعارضة الحالي، ''رايلا أودينجا''، من هذا التوظيف الإثني، حيث سمح هو الآخر بانضمام بعض المتورطين في التطهير العرقي إلى حركته؛ واللافت أن جميع المنخرطين في أعمال العنف الإثنية مازالوا في مواقع المسؤولية ولم تتم محاسبتهم، بل كوفئوا من خلال منحهم مناصب في السلطة، ولعل الدرس الذي يتعين على المجتمع الدولي استخلاصه من التجربة الكينية هو استحالة بدء صفحة جديدة في البلاد مادام التوظيف السياسي للتنوع الإثني في البلاد مستمراً، وذلك حتى لو نصبت حكومة جديدة·


أستاذة العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا