الاتحاد

تقارير

سيارة الشعب ··· كارثة عالمية على الأبواب

الطرق الحضرية في الهند مختنقة بالحركة والهواء النقي شبه معدوم، فكيف الحال بعد  نانو ؟

الطرق الحضرية في الهند مختنقة بالحركة والهواء النقي شبه معدوم، فكيف الحال بعد نانو ؟

معرض السيارات الذي يتطلع إليه الجميع وينتظره بفارغ الصبر في ،2008 ليس هو المعرض الذي بدأ هذا الأسبوع في ''ديترويت''؛ بل هو معرض نيودلهي للسيارات، الذي افتتح في الهند قبل أيـــام وتمكن من سبق ''ديترويت'' بميزتين، أنه سبقه بإسبوع و2500 دولار، وذاك هو سعر السيارة الجديدة التي ينتظرها الكثير من الهنود منذ عقود: ''سيارة الشعب'' هندية الصنع المسماة ''نانو''؛ إنها إحدى بنات أفكار ''راتان تاتـا''، إحدى فروع تجمع الشركات الهندي الضخم المعروف بـ''تاتا غروب''، لطالما حلم ''راتان تاتا'' بمنح العائلات الهندية التي تنتمي للطبقة الوسطى بديلا أكثر أمنا وسلامة لتكديس الأم والأب والأطفال على وسيلة النقل الوحيدة التي تستطيع اقتناءها: الدراجة النارية· صحيح أن السيارة لا تستوفي معايير السلامــــة الأميركيــــة؛ إلا أن شركة ''تاتا موتورز''، ومن خلال التوزيع الجيد للسيارة في أرجــاء الهند عبر الاستفــادة من العمالة الهندية الرخيصة والمواد الرخيصة، خفضت سعر السيارة إلى مستويات غير مسبوقة· وتلك في الواقع أخبــار سارة بالنسبة لملايين الأشخاص في العالم النامي، ولكنها مشكلة بالنسبة لبقيتنا!
إنها مشكلة كبيرة جدا بالنسبة للبيئة، فالطرق الحضرية في الهند مختنقة أصلا بحركة المرور، وجودة الهواء في مدنها الكبرى متدهورة، وبالتالي، ففي حال أصبحت لملايين الهنود والصينيين سياراتهم الخاصة، فيمكــن القـــول إن الكارثـــة باتت أمرا محتما بالنسبة لكوكبنا؛ وعليه، فهل هناك طريقة للابتعاد عن طريق النانو؟ للأسف، فإن نقل عمليات التصنيع والبيع إلى الأسواق الآسيوية التي تعرف نموا سريعا مفيدة لقطاع صناعة السيارات الأميركي والسوق الهندية جذابـــة للغايـــة؛ كما أن الطفرة الاقتصادية التي تعرفها البلاد خلقت موجة شراء السيارات في وقت تستعد فيه الهند لتصبح أكبر سوق سيارات في العالم في ظرف بضعة عقود، لتصل إلى ما لا يقل عن 600 مليون وحدة بحلول ،2050 أي ما يمثل أكثر من ضعف السيارات المسجلة حاليا في الولايات المتحدة·
صحيح أن القليل من الهنود حاليا يستطيعون شراء سيارة لارتفاع كلفتها، فإنه حتى بسعر 2500 دولار كلفة ''سيارة الشعب'' تعادل ضعف الراتب السنوي لمعظم الهنود بعشر مرات لازال الخطر بعيدا وإن كان محدقا؛ غير أنه بالنسبة لصناع السيارات في العالم، فإن هذا التفاوت الضخم يؤشر على سوق لم يتم استغلالها بعد· وهكذا، وفي محاولة للحيلولة دون أن تسحب الـ''نانو'' البساط من تحت أقدامهم، كشف العديد من زعماء قطاع صناعة السيارات عن جهودهم الخاصة في معرض الهند للسيارات، مما ينذر بعدد أكبر من السيارات في الشوارع الهندية·
غير أن الهند تبدو عازمة على التدارك واللحاق بحيث كان يوجد الغرب في منتصف القرن العشرين، بدلا من السباق من أجل الوصول إلى حيث ينبغي عليها أن تكون في القرن الحادي والعشرين؛ بالمقابل، فإن المجتمعات الغربية التي امتلأت بالسيارات بدأت تغير من عاداتها· فلندن، التي اختنقت بحركة المرور، تفرض رسوما على السائقين لتشجيعهم على استعمال قطار الأنفاق؛ وباريس أتت بفكرة نظام جديد جذاب ومتاح للجميع يتمثل في تأجير الدراجات الهوائية، بل وحتى نيويورك تعهدت بإضافة مئات الأميال من المسارات الخاصة بمستعملي الدراجات الهوائية، وفرض رسوم على مستعملي السيارات على غرار النموذج اللندني، ومطالبة جميع سيارات الأجرة أن تكون سيارات مهجنة·
لا يسعنا إلا أن نأمل أن تحذو الهند وبلدان آسيوية أخرى حذو عاداتنا الجيدة الجديدة بدلا من عاداتنا السيئة القديمة؛ إن الهند واعية بمكانتها الجديدة في العالم، علما بأن لا شيء أكثر رمزية إلى هذا الوضع الجديد من سيارة جديدة؛ فالطبقة الوسطى فيها تتوق لامتلاك السلع التي أضحت اليوم في متناولها، ولاسيما تلك التي ترفع من قدرهم ومكانتهم؛ ولذلك فهم لا يريدون أن يسمعوا منا شيئا نحن ''مغتالي الفرحة''؛ فمثلما قالت لي طالبة العام الماضي، فـ''في الوقت الذي بتنا نستطيع فيه أخيرا أن نبدأ في الاستمتاع بالأشيـــاء التي امتلكتموها منذ عقود -مثل السيارات والمكيفات الهوائية- تقولون لنا، ''عفوا، فات الأوان، لا يمكنكم فعل ذلك اليوم''، أقصد أنكم أنتم من خلق هذه الفوضى، إنكم لا تستطيعون خفض استهلاكم، ولكنكم تقولون لنا إنه لا يمكننا أن نزيد استهلاكنا''· والحق أنها ملاحظة جيدة!


كاتبة ومحللة سياسية أميركية مختصة في الشؤون الهندية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا