الاتحاد

تقارير

برنامج الخدمة الوطنية المدنية··· وعرب إسرائيل

برنامج الخدمة الوطنية المدنية··· وعرب إسرائيل

برنامج الخدمة الوطنية المدنية··· وعرب إسرائيل

كانت ''حنان مصاروة'' المتطوعة التعليمية التي تجلس في أحد أركان الفصل الدراسي المزدحم، تظهر بالكاد وسط حشد من تلاميذ وتلميذات الصف الأول الابتدائي، الذين تعلمهم مبادئ علم الحساب في إطار برنامج إسرائيلي للخدمة العامة، بدأ العمل في تطبيقه منذ شهر أغسطس الماضي· ويهدف البرنامج التطوعي إلى توفير قنوات للخدمة العامة للفلسطينيين المعفيين من تأدية الخدمة العسكرية الإجبارية، في إطار جهود تبذلها الحكومة لإدماج المزيد من العرب واليهود المتدينين، في تيار الحياة العامة في الدولة اليهودية؛ وبموجبه يلتزم المتطوعون بالتفرغ للعمل ''دوام كامل'' لمدة عامين مقابل الحصول على 150 دولارا مكافأة شهرية و2000 دولار مكافأة نهاية خدمة·
ترى'' حنان'' -واحدة من بين 600 متطوع ومتطوعة انضموا للبرنامج حتى الآن- أن البرنامج يوفر لها وسيلة لتقديم المساعدة لأطفال قريتها ''كفر قرع'' الواقعة وسط إسرائيل، والحصول في نفس الوقت على بعض الخبرة التي تؤهلها للعمل كمدرسة فيما بعد· ويشار إلى أن البرنامج المشار إليه قد أثار جدلا عنيفا بين سكان إسرائيل من العرب البالغ عددهم 1,4 مليون نسمة، حيث شجبه السياسيون والنشطاء العرب، واعتبروه محاولة من قبل الحكومة لإلحاق المواطنين العرب بمشروع لخدمة الدولة اليهودية، سيؤدي -في نظرهم- إلى تآكل تدريجي لإحساس هؤلاء المواطنين بهويتهم كأقلية عربية مسلمة، وإلى سهولة دمجهم فيما بعد في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يعني أن هؤلاء الشباب قد يجدون أنفسهم يوما يقاتلون أشقاءهم العرب· بالنسبة لعرب إسرائيل، يسلط هذا الجدل ضوءا على إشكالية الهوية، وعلى إشكالية اندماج مجتمعهم -الذي يشكل خمس عدد سكان دولة إسرائيل- في نسيج دولة طالما اتهموها بممارسة التمييز ضدهم في مجال الوظائف والتعليم، والنشاط السياسي؛ مع ذلك يرى مؤيدو برنامج التطوع الذي يطلق عليه رسميا اسم ''الخدمة الوطنية المدنية'' أن البرنامج قد يكون مفيدا للمجتمعات المحلية، التي طال إهمالها، ويتهمون الساسة العرب بعدم الإحساس بهموم المواطن العربي العادي في إسرائيل·
يتساءل ''علي زحالقه'' -مدير المدرسة التي التحقت بها ''حنان'' كمتطوعة- بقوله: ''ما هو الضرر في قيام شابة درست لمدة 12 عاما بتخصيص عام واحد لخدمة مجتمعها سواء كانت تلك الخدمة في مدرسة أو في أي مكان آخر؟''·
بيد أن ''جمال زحالقة'' -عضو في الكنيست من قرية ''كفر قرع'' وينتمي لنفس عائلة مدير المدرسة- يشير إلى المتطوعين في هذا البرنامج بأنهم ''منبوذون''· وقال'' زحالقة'' إنه لا يعارض تطوع الشابات والشبان العرب للعمل في المدارس والمستشفيات لخدمة مجتمعاتهم، ولكنه يعارض أهداف البرنامج الإسرائيلي الذي يراه مجرد محاولة من جانب الحكومة لإعادة صوغ هوية الشباب العربي من خلال ''صهينته''، ويذكر أن العرب واليهود المتدينين قد ظلوا لمدة طويلة معفيين من الخدمة العسكرية الإجبارية، وهو ما كان يحرمهم من كثير من المزايا والمنافع في دولة يعتبر الجيش فيها بوتقة صهر، وأداة لتعزيز اللُحمة الاجتماعية·
يعلق ''ريفين جال'' -كبير الأطباء النفسيين في الجيش الإسرائيلي سابقا، والذي يرأس في الوقت الراهن وكالة إخبارية- على ذلك بقوله: ''إن كلمة (خدمة) أو (يخدم) قد أصبحت مرادفة للخدمة العسكرية، وكأنه ليست هناك وسيلة أخرى لخدمة الجماعة المحلية أو المجتمع أو الدولة غير هذه الوسيلة، ويضيف ''جال'': إن هدف الحكومة الإسرائيلية، هو توسيع تعريف مفهوم ''الخدمة'' بحيث يستوعب العرب، وذلك لإتاحة الفرصة لهم لتحصيل فوائد كتلك التي يحصل عليها اليهود الذين يلتحقون بالجيش، والذين يكتسبون أثناء خدمتهم العسكرية الكثير من الخبرات والمهارات والعلاقات الاجتماعية التي تعينهم في الحصول على وظائف في سوق العمل عند انتهاء خدمتهم·
ويرفض الإسرائيليون التشكيك في البرنامج، والزعم بأنه لا يزيد عن كونه وسيلة خبيثة لإجبار الشبان العرب على الالتحاق بالخدمة العسكرية، واستخدامهم فيما بعد في القتال ضد أشقائهم العرب، ويؤكدون أن الحكومة لا توجد لديها خطة لجعل ''برنامج الخدمة الوطنية المدنية'' إجباريا، أو خطة لتجنيد الشبان العرب في الجيش،لأن مؤسسي إسرائيل كانوا حريصين منذ البداية على عدم تجنيد هؤلاء الشباب خوفا من مسألة تضارب الولاءات· يعلق'' جال'' على ذلك بقوله: ''إن الموضوع يتجاوز كونه مجرد خدمة وطنية، حيث أصبح يتعلق بموقف السكان العرب ووضعهم في الدولة الإسرائيلية، وهل هم راغبون في أن يكونوا جزءا من تلك الدولة أم لا''؛ ويقول ''سامي سموحة'' -أستاذ الاجتماع في جامعة حيفا- إن إصرار الحكومة الإسرائيلية على أن الهدف من برنامجها هو تعزيز ارتباط المتطوعين العرب بالدولة، يتصادم من حيث الجوهر مع مساعي الزعماء السياسيين العرب في إسرائيل للحصول على المزيد من الحكم الذاتي، وتقاسم السلطة مع إسرائيل؛ ويضيف ''سموحة'' -هو أيضا من المتخصصين في العلاقات بين اليهود والعرب- أن الزعماء العرب يشعرون بأنه قد جرى تجاهلهم، كما يخشون من زيادة عمليات ''الأسرلة'' إلى ذلــك الحــد الذي يجعلهم ''يفقدون السيطرة على مجتمعاتهم المحلية العربية''·
أما'' علي زحالقة'' -ناظر المدرسة المذكورة- فقد تصدى للقيادات السياسية العربية المعارضة للبرنامج من خلال مجموعة من المقالات التي كتبها في الصحف الإسرائيلية الناطقة بالعبرية أكد فيها على دعمه للبرنامج· ويقول ''زحالقة'' إنه قد تعرض لانتقادات في خطبة الجمعة في بعض المساجد بسبب تلك المقالات، إلا أنه يعتقد أن معظم العرب في إسرائيل يتفقون معه، ويضيف: ''إن صمت العرب في إسرائيل، واهتمامهم الزائد بما يقوله زعماؤهم السياسيون قد أعطى إسرائيل انطباعا مغلوطا مؤداه أن العرب جميعا يتبنون موقفا واحدا تجاه البرنامج، وأن المواقف التي يبديها الساسة تعبر عنهم جميعا· وفي استطلاع جديد للرأي أجراه ''سموحة'' بين عينة من المواطنين العرب تبين أن 70 في المائة ممن استطلعت آراؤهم يحبذون الخدمة المدنية، إذا ما كان سيترتب عليها مزايا تتساوى مع تلك التي يحصل عليها الملتحقون بالخدمة العسكرية·


محرر بالخدمة الخارجية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا