الاتحاد

تقارير

حماس وإسرائيل··· وخدعة القوة العمياء

القوة المفرطة أغرت إسرائيل بمواصلة عدوانها على القطاع

القوة المفرطة أغرت إسرائيل بمواصلة عدوانها على القطاع

لقد كان أحد مستودعات الصرف الصحي في قطاع غزة عرضة لخطر الانفجار، حسبما نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في الأسبوع الماضي· ويعود السبب إلى العجز عن ضخ مياه المستودع إلى برك تنقية جديدة، إلى نقص الوقود الناشئ عن القيود التي تفرضها إسرائيل على إمدادات قطاع غزة الذي تحكمه حركة ''حماس''· ونشر الصحفي الذي التقط مادة الخبر عبر الهاتف، أنه وفي حال انكسار الحاجز الترابي للمستودع، سواء بسبب الأمطار أو نتيجة لضربه بصاروخ طائش، فسوف تفيض القاذورات مهددة حياة السكـــــان ومؤديـــــة إلى تسميم الأراضي المحيطة بالمستودع· يذكر أن إسرائيل لا تسمح لصحفييها بدخول أراضي القطاع لأسباب أمنية·
واليوم تبدو هذه القصة كما لو كانت ذكريات تعود إلى عدة عقود مضت، طالما أنها تحكي عن مجرد مخاطر محتملة يواجهها سكان القطاع· فإذا كان الخوف من انكسار الحاجز الترابي لمستودع الصرف الصحي هو ما تتحدث عنه صحف الأسبوع الماضي، فقد انكسر في القطاع حاجز أخطر وأهم، ألا وهو حاجز الخوف والغضب وتبادل العنف بين طرفي النزاع· فقــد بلغ عدد قتلى الغارات الإسرائيلية على القطاع ما يتجاوز 400 قتيل، بينما ذكرت التقارير الإخبارية أن الصورايخ التي يطلقها مقاتلو حركة ''حماس'' عشوائياً على المدن والضواحي الإسرائيلية المجاورة، دون تمييز بين مدني وعسكري، قد بلغت مدى أبعد داخل الأراضي الإسرائيليـة من أي وقــت مضى·
إلى ذلك، تتردد الشائعات عن قرب تنفيذ اجتياح بري واسع النطاق لأراضي القطاع، خططت له إسرائيل· هذا ما يتهامس به بعض الأصدقاء الذين تم استدعاء أبنائهم كجنود احتياط·
وعلى أية حال، فإن في هذا التقرير الصحفي الذي يعود إلى أسبوع مضى، ما يشير إلى الكيفية التي وصلنا بها إلى الأزمة الحالية· والمقصود بهذا، تلك الثقة العمياء التي يضعها القادة في كلا طرفي النزاع على دور القوة، وبالتالي عجز هؤلاء القادة عن التنبؤ بالاستجابة المحتملة من قبل الطرف الآخر للهجمات التي تشن عليه· فمن ناحيتهم لا يرى الإسرائيليون وجوداً لحياة تذكر في القطاع· وهذا ما يفسر ضعف وندرة نشر الأخبار التي تتحدث عن مآسي الحياة وكارثية الوضع الإنساني هناك في الصحف الإسرائيلية·
ويسهل على الصحفيين الإسرائيليين تغطية الأحداث التي تقع في الأنحاء النائية التي تفصلها آلاف الأميال عن بلادهم، قياســـاً إلى تغطيتهم للأخبـــار التي تقع في منطقة لا تفصلهــــا عن تل أبيب سوى 40 ميلاً· إلى ذلك، أضف أن كلاً من طرفي النزاع لا يهتم إلا بالمآسي والمعاناة التي يتعرض لها مواطنوه· وفيما عدا ذلك فليس سوى التجاهل والنسيان!
فقد كنا على علم باستمرار الإطلاق المتقطع للصواريخ من القطاع على الضواحي والمدن الإسرائيلية المجاورة، طوال أشهر التهدئة الستة الماضية، وهو ما يشكل انتهاكاً للهدنة المتفق عليها· ولكن الذي يهم أهالي القطاع في نهايـــة الأمر أنهم يعيشون تحـــت الحصار، بما يعنيه ذلـــك من نقص في المواد الغذائية والوقود وبقية السلع والبضائع·
ومن وجهة نظر ''حماس''، فإن إصرار إسرائيل على استمرار الحصار وإغلاق المعابر يشكل هو الآخر انتهاكاً لاتفاق التهدئة المتفق عليه معها· لكن وبسبب قيام اتفاق وقف إطلاق النيران على ''تفاهم غير مكتوب'' بين الطرفين، فإنه من الصعب الحكم على مدى صحة هذا الزعم من جانب ''حماس''، طالما أن تفسير ذلك التفاهم غير المكتوب، يظل مفتوحاً أمام التفسيرات المختلفة لكل طرف من طرفي النزاع·
بالنتيجة وبعد مضي ستة أشهر على اتفاق التهدئة المبرم بين الطرفين، أعلنت حركة ''حماس'' من جانبها انتهاء مدة سريان الاتفاق في التاسع عشر من ديسمبر المنصرم، مستنتجة ضمن الإعلان أن إسرائيل لا تؤمن إلا بالقوة وحدها· وفيما يبدو فقد اعتقد قادة الحركة أن من شأن تكثيف الهجمات الصاروخية التي شنوها مؤخراً على إسرائيل، أن يقنع الأخيرة بضرورة تحسين شروط الاتفاق على وقف ثان لإطلاق النيران، مع تمديد الاتفاق نفسه ليشمل أراضي الضفة الغربية· غير أن القوة غالباً ما تكون مغرية وخادعة للكثيرين عندما يسيطر عليهم الغضب·
فعلى عكس تصورات حركة ''حماس''، لم يستغرق رد الفعل الإسرائيلي سوى بضع دقائق، كي يقرر القادة عدم رؤية بلادهم وهي تنحني أمام الصواريخ الطائشة التي يطلقها مقاتلو حماس على مواطنيها· ولم يكن في مقدور أي مسؤول أو سياسي إسرائيلي كان، أن يوافق على رفع الحصار المفروض على القطاع بسبب تلك الصورايخ، خاصة إذا ما سبق شن هذه الهجمات الصاروخية الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ببضعة أسابيع فحسب·
وعليه قرر القادة الإسرائيليون: رئيس الوزراء إيهود أولمرت، ووزيرة الخارجية تسيبي ليفيني، ووزير الدفاع إيهود باراك، شن الغارات الجوية على القطاع، على أن يتبعها هجوم بري واسع النطاق، يبدو أن تنفيذه قد دنا بالفعل· لكن وفي الجانب الإسرائيلي أيضاً، يبدو أن القيادة قد خدعت بدور القوة وإغرائها· ذلك أن في اعتقادها أن في وسع الغارات الجويــــة العنيفـــة المدمرة أن تثني قادة ''حماس'' وتصدهم عن شن المزيد من الهجمات الصاروخية على الأراضي الإسرائيلية· بل المرجح اعتقاد القادة الإسرائيليين أن الأثر النهائي للغارات، مثلما هو الحصار المفروض الآن على القطاع، انقلاب فلسطينيي القطاع على الحركة وحكومتها التي لم تجلب لهم شيئاً سوى الحصار والموت والدمار·
غير أن نقيض هذا الاستنتاج هو الصحيح إذا ما نظرنـــا إليه من جانبه الفلسطيني· فسواء كان في القطاع أم في الضفة الغربية، فإن المرجح أن ينصب غضب الفلسطينيين ولومهم لحملة الموت والدمار هذه، على إسرائيل وليس على ''حماس'' كما أرادت إسرائيل· وهكذا تقف القوة العمياء في كلا الجانبين عائقاً أمام الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التسوية السلمية للنـــزاع، طالمــــا أن كليهمــا يخشى أن يبدو ضعيفـــاً أمــام الطرف الآخر·

جيرشوم جورنبرج
مؤلف كتاب إمبراطورية الصدفة: إسرائيل ونشأة المستوطنات 1967-1977

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا