الاتحاد

عربي ودولي

جوليانا سجرينا جلادياتور روما الجدد


السعد عمر المنهالي:
عرفت مباريات الجلادياتور - المصارعين من الأسرى والعبيد- في روما القديمة، كطقس مستمد من الثقافة الدينية للإغريق ووسيلة لتحقيق أهداف سياسية كبرى في تهدئة العامة وقت الأزمات بالترفيه عنهم وشغلهم عن الأمور الكبرى، وذلك رغم الوحشية المفرطة المعروفة في تلك المباريات، إذ يقوم المصارعون الأسرى بالقتال حتى الموت دون سلاح، وفي صور أخرى كانوا يطلقون الحيوانات المفترسة على الجلادياتور في حفلة دماء وحشية يلاقي فيها الأسير حتفه بين أنياب الحيوان!·
انتهت مأساة الجلادياتور أو المصارعين الأسرى، غير أن الأسرى الإيطاليين الآن في العراق يواجهون ظروفا قريبة إلى حد ما من تلك التي كان يتعرض لها أسرى أجدادهم· وحسب ما كان يصنعه ملوك الرومان في تلك المباريات من رفع الإبهام كعلامة لمنظمي المباراة بالإذن بقتل الجلادياتور بإطلاق الحيوانات المفترسة عليه، وفي المقابل يخفي الملك إبهامه خلف أصابعه الأخرى كإيماءة للمنظمين بالعفو عن المصارع، فهل أخفى ملوك هذا الزمان الإبهام في حالة الأسيرة الصحفية الإيطالية جيوليانا سيغرينا أم رفعوه؟!
ولدت جيوليانا فرانكو سغرينا في العشرين من ديسمبر عام 1948 في بلدة ماسيرا بمدينة بيدمونت الواقعة شمال ايطاليا قرب الحدود مع سويسرا، وترعرعت في كنف والدتها انتونيتا ووالدها فرانكو الذي كان عاملا في السكة الحديد، ورغم بساطة العائلة إلا أنها انشغلت بالهم السياسي كباقي الإيطاليين في تلك الفترة، فقد قاتل وناضل والدها ضد الفاشية النازية وقاتل في الحرب العالمية الثانية، وقد ظل فرانكو (من مواليد 1927) من ابرز قيادات الحزب الشيوعي في ايطاليا·
أثرت بلا أدنى شك هذه البيئة السياسية وتوجهات والدها في جيوليانا فبدت أفكارها اليسارية في وقت مبكر منذ مراحل دراستها العليا، فقد تلقت تعليمها في ميلانو معقل أقوى الحركات الطلابية الايطالية، فكانت من القيادات الطلابية التي خرجت في تظاهرات واحتجاجات واصطدمت مرارا مع الشرطة لاحتجاجها على القواعد العسكرية الأميركية في ايطاليا وناضلت ضد البرجوازية الرأسمالية·
التحقت جيوليانا كمحررة في نشرة ميتشيلانجيلو نوتاريانني الاسبوعية، وعملت كذلك لحساب يومية جيرا إي باسي -أي الحرب والسلام- فيما بدأت توجهاتها السياسية -وهي في الأربعين- تأخذ بعدا دوليا بعدما التحقت بالصحيفة اليسارية ال مانفيستو أو البيان العام وذلك عام 1988 في قسم الأخبار الخارجية، فأولت لقضايا الشرق الأوسط اهتماما خاصا، كما ركزت على وضع المرأة في كل من القرن الأفريقي ودول المغرب العربي، ولذا فقد سافرت كثيرا إلى الدول في تلك المناطق وكتبت تقارير مهمة من أفغانستان والصومال والمغرب والجزائر وموزمبيق وغيرها من مناطق وبؤر التوتر في العالم·
وخلال سنواتها تلك كانت من بين مؤسسين حركة السلام في إيطاليا في الثمانينات، ثم أصبحت عضوا فاعلا في منظمة الكلمة المضادة وهي منظمة إيطالية تهتم بالدفاع عن حقوق النساء وتقدم لهن المساعدة في مجال الإعلام في العالم، ويدخل في عضويتها كتاب وصحفيون بارزون من ايطاليا، كما أنها عضو فاعل في منظمة النساء المتشحات بالسواد وهي شبكة حول العالم تضم نساء حول العالم ملتزمات بالسلم والعدالة ويعملن بشكل نشط ضد الظلم والحرب والعنف·
تمردت جيوليانا على كل القيود المحيطة بها كيسارية شيوعية، ولذا وجدت في قضايا الوطن العربي فرصة كبيرة في سد هذه الثغرة في الإعلام الإيطالي، فتعلمت اللغة العربية وأصبحت من أوائل الإيطاليين المتخصصين في قضايا الأصولية الإسلامية، وركزت على المرأة العربية والمسلمة، وفي هذا الشأن تناولت وضع المرأة العربية المسلمة في كتاب عبودية الحجاب وفيه مسح لأوضاع المرأة في بلاد المغرب العربي، كما تصوره مقالات نساء مغاربيات·
شغلت الصحفية الإيطالية بالمرأة والمسحوقين عموما والظلم الواقع عليهم، ولعل هذا كان سبب سفرها إلى العراق حتى قبل لضربة الأميركية، ففي فبراير 2003 كانت في الهيئة الحكومية الإيطالية في بغداد، ورغم اندلاع الحرب إلا أنها أصرت على البقاء في العراق تحت نيران القصف الأميركي في مارس 2003 ، وشغلت منذ ذلك الحين بوصف الحياة اليومية للعراقيين ومعاناتهم وحاولت خلال عملها أن تثبت أن الاحتلال - الذي وقع في ابريل 2003- هو ما تسبب في اندلاع العنف في تلك البلاد·
عسكرة المعلومات
عندما اندلعت ثورة الفلوجة في يونيو 2003 كانت جيوليانا سغرينا من الصحفيات القلائل الموجودات في المدينة السنية، فنقلت حياة المواطن العراقي من هناك، واستخدمت الفلوجة في تقريرها كرمز مشرف لمقاومة الاحتلال الأميركي، غير أن تقاريرها التي بعثتها بعد أحداث فضيحة سجن أبوغريب التي تفجرت ربيع عام ،2004 ونقلها للرعب الذي عانته إحدى سجينات ابوغريب لمدة ثمانين يوما متواصلة كان له كبير الأثر داخل المجتمع الإيطالي، سيما وأنها تعمدت فيه فضح وتعرية المدعين الذين يرفعون راية الثقافة الغربية خاصة من الدولة التي تعتبر حامية قيم الإنسان وحقوقه!·
ويبدو أن موقفها جعلها دوما في خط مواجهة ضد الأميركيين، خاصة وأن الرأي العام الدولي لم يكن بحاجة إلى مزيد من الإثارة، ولعل ما كتبته جيوليانا بعد اختطاف الصحافية الفرنسية فلورانس أوبيناس ومترجمها في الخامس من يناير 2005 -التي لا تزال مختطفة- لقد تمت عسكرة المعلومات··· ومعارضة هذا المخطط تنطوي على مخاطر، لكنها مخاطر يتعيّن على المرء تحملها ليحيط العالم علما بما يجري، ولقد تقبلت فلورانس هذه المخاطر في رواندا وكوسوفا والجزائر وأفغانستان والعراق··، فالإشارة بعسكرة المعلومات موجهة هنا للولايات المتحدة المتحكمة بالموقف وبالمعلومات التي يجب أن تخرج أو لا تخرج من مناطق الصراع· غير أنها لم تكن لتعلم أنها وبعد شهر واحد فقط ستكون هي الأخرى ضحية لعسكرة المعلومات!·
عندما اختطفت جيوليانا سغرينا من أمام جامعة بغداد يوم الرابع من فبراير عام ،2005 وبعد اختفائها بإثني عشر يوما ظهرت في شريط فيديو وصل لوسائل الإعلام في السادس عشر من فبراير وهي تترجى الشعب الإيطالي لمساعدتها وإنقاذ حياتها وسحب القوات الإيطالية من العراق· ورغم رجاء جيوليانا وتأثر الشعب الإيطالي معها لدرجة خروج ما يقارب نصف مليون إيطالي -في التاسع عشر من فبراير- قدموا من جميع أنحاء البلاد ليلتقوا في العاصمة روما وليطالبوا بتحرك لإطلاق سراح مواطنتهم وسحب القوات الإيطالية من العراق، إلا أن موقف الحكومة الإيطالية ظل غامضا وحذرا في الحديث عن أي استجابة لمطالب الخاطفين أو حتى التفاوض!·
أطلقوا سراح السلام
ظل موقف الولايات المتحدة الأميركية بعيدا وكأنها تقف على الحياد بخصوص اختطاف الصحفية، وترك الكرة في ملعب الحكومة الإيطالية التي ظلت وحتى بعد ظهور الصحفية جيوليانا في شريط فيديو آخر وقد بدت في حالة تعيسة جدا- وهي باكية وترتجف، وطالبت فيه قوات بلادها مغادرة العراق قائلة: لابد أن تنهوا الاحتلال·· هذه هي الطريقة الوحيدة للخروج من الموقف الراهن·· إنني أعول عليكم، ورغم هذا صوَت مجلس الشيوخ الإيطالي على مد زمن عمل القوات لإيطالية التي تبلغ 3000 جندي في العراق·
لم تتوقف الحكومة الإيطالية عند هذا الحد، بل سعت بطرق غير مباشرة لتحرير مواطنتها جيوليانا وقد بدت في الأفق بوادر حلحلة لهذا الأمر سيما في الرابع من مارس عندما طلب مختطفوها فدية تقدر بمليون دولار ، ارتفع الرقم فيما بعد ليصل إلى 6 ملايين دولار، ولهذا كان تحرك الحكومة سريعا بإرسال ضابط الاستخبارات نيكولا كاليباري لتخليص الصحفية جيوليانا من أٍسرها· وحسب ما صرح به رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني -في وقت لاحق- فإن الضابط كان قد ابلغ الأميركيين بأن سراح الصحفية قد أطلق وأنه في طريقه إلى مطار بغداد لمغادرة العراق إلى ايطاليا·
حتى تلك اللحظة كان كل شيء يسير على ما يرام إلى أن أطلقت القوات الأميركية النار على السيارة التي تقل الضابط والصحفية والسائق الذي كان يقلهم وهو من الجنسية الإيطالية كذلك، فقتل نيكولا في حين أصيبت جيوليانا والسائق على الفور، الأمر الذي حول فرحة الحكومة الإيطالية إلى عزاء قد تضطر طويلا إلى أخذه، سيما وأن ظروف إطلاق النار جاءت لتلقي ظلالا قاتمة أو سوداء على العلاقة الإيطالية والأميركية·
فحسب ما أكده رئيس الوزراء بأن السيارة التي كانت تقل الإيطاليين الى المطار كانت تسير ببطء وأنها توقفت فورا عندما أشار إليها_الجنود الأميركيون في نقطة تفتيش في الطريق على بعد كيلومتر من المطار، وهو ما أكدته الصحفية كذلك بعد عودتها إلى ايطاليا، فإن الرواية الأميركية تعد عارية من الصحة، خاصة وأن الأميركيين أعلنوا أن إطلاق النار على السيارة حدث لأنها كانت مسرعة ولم تلتزم بأوامر نقطة التفتيش، وهذه الرواية الغريبة التي كذَبتها الصحفية الإيطالية، أثارت شكوكا حول مصداقية الرواية عن تعمد الأميركيين قتل جيوليانا!·
قالت جيوليانا إن إطلاق النار عليها أكد لها ما كان خاطفوها يقولونه لها بأن الأميركيين لا يريدونها حية، وهذا ما يفسر وابل النار الذي أطلق عليها وهي في السيارة والذي تحمله الضابط نيكولا كاليباري البالغ من العمر 25 عاما، بعدما فداها بنفسه وحماها بجسده· وقالت في ذلك مهما كان الدافع وراء إطلاق النار فإن المسؤولية الأميركية (في الحادث) خطيرة جدا !!·
بالتأكيد كان لهذه التصريحات وغيرها دور في تزايد حالة العداء للولايات المتحدة داخل ايطاليا، بيد أنه لم يغير من موقف الحكومة الإيطالية من انها ستواصل دعم اميركا في حربها ضد الإرهاب ولن تسحب قواتها من العراق بقوله: التحالف مع الولايات المتحدة ليس محل نقاش ونفس الشيء ينطبق على التزامنا العسكري في العراق، غير أن سيلفيو برلسكوني طالب واشنطن بتحمل مسؤوليتها تجاه مقتل كاليباري، ووجه في الوقت نفسه تهدئة الإيطاليين بالقول أن واشنطن لا تنوي إخفاء الحقيقة، مستدلا في ذلك على موقف الأميركيين بسماحهم لضابط عسكري إيطالي ودبلوماسي بالانضمام إلى لجنة أميركية إيطالية مشتركة برئاسة عقيد أميركي أنشئت للتحقيق في حادث إطلاق النار!·
ورغم الاستجابة الظاهرة التي تبديها الولايات المتحدة الأميركية لحالة الإيطاليين وطلباتهم وتعهد الرئيس بوش بكشف حقيقة ما حدث، يظل الأمر مريبا، فهل ستنجح جيوليانا في تحريك الشارع الإيطالي للضغط على البرلمان الذي عليه أن يصوت قريبا على الميزانية المتعلقة بالقوات الإيطالية في العراق، أم أن الإيطاليين اشتاقوا لأيام الجلادياتور·
Als_almenhaly@emi.a

اقرأ أيضا

بوادر صدام بين أميركا وكوريا الشمالية