الإثنين 23 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
جراح في حضرة الياسمين
9 أغسطس 2005

كان ينظر إليها وهي تلملم من صنوف الورد والزهر أشكالاً لتصنع منها باقات جميلة مثل السحر لتزين بها البيت وأركانه·· لم تترك زاوية من البيت ولا موضعاً إلا وخلقت منه ربيعاً صغيراً وملأته زهراً ونثرت عليه ورداً·· على حواف النوافذ نثرت زهور الكاميليا الجميلة وعلى مائدة العشاء الممتدة على طول القاعة الواسعة المعدة لسهرة الليلة وضعت كثيرا من زهور الاقحوان وكثيرا من الزنابق والورود المختلفة الألوان، جعلت من قاعة الضيوف جنة صغيرة وربيعا بهيجا يفتح النفس على نشوة المشاعر الجميلة·· تحسس عطرها الذي يتطاير شذى في الأجواء فلم يفرق بينه وبين رائحة الأزهار والورود فقد اختلط بشذى الاقحوان وشذى الورود والزنابق·· تأمل فستانها الأزرق الفاتح الذي يشبه لون السماء على أعتاب الربيع الجميل فكانت فيه بهية أبهى من الشمس·
فستان مفتوح من أعلى الصدر ليضيق عند الخصر ويمتد واسعاً فضفاضاً في أسفله كان يراها بتلك الحلة مثل فراشة عملاقة زرقاء بين ورد الربيع المتناثر، بل كانت هي الربيع الذي يوزع البسمات·· عيونه الحزينة جعلت قلبه يحترق ويذوب وجداً وهياماً بها·· عيونه تلاحقها وهي تمر بين الضيوف والمدعوين تداعب هذا وتلاطف تلك وتقدم لها كأساً من عصير ولذاك قطعة من حلوى·· نظرت إليه من بعيد وابتسمت، شعر بالدم يتصاعد الى وجهه خجلاً وراحت تتقدم نحوه الهوينى·· وأحس أن المسافة بينها وبينه طويلة·· طويلة حتى لم يعد يرى من حوله سواها ولم يعد يسمع سوى وقع خطواتها القادمة نحوه·· توقفت أمامه، قدمت له كأساً من عصير وابتسمت فخيل ان الحياة تطل عليه من وراء ثغرها المشرق مثل شمس في سماء زرقاء صافية·أي حظ وأي بركة نزلت عليه اليوم، انها تبتسم له وتقدم له كأساً من عصير·· ابتسم في (بله) أطرق رأسه للأرض·· أمسكته من ذراعه وجذبته الى الشرفة·· كانت نمسات الليل رقيقة تثير أجمل المشاعر·· أغمضت عينيها الجميلتين وأخذت نفساً طويلاً كأنها تريد سحب رائحة الياسمين المتسلق عبر جدار الشرفة·· أمعن النظر في يدها الممتدة من التواءات الياسمين، فلم يعد يفرق بين تلك اليد البيضاء وزهور الياسمين البيضاء·· أمعن النظر في الخواتم التي تزين أناملها الرقيقة والأسورة·· كانت هي تزين الحياة·· وتزين الربيع، وتزين الزهور، كانت يدها جميلة جداً كالبلور لدرجة أنه خاف أن يلمسها فتنكسر·· نظر الى وجهها الساحر فخشي أن تجرحه نسمات الليل الرقيقة كل شيء فيها كان جميلاً ساحراً حتى الصمت بينهما كان رائعاً·
حاول أن يهمس ويقول شيئاً فأخرسه ذلك الجمال الساحر·· وبقي مثل المصاب بالدهشة يتأمل زرقة ثوبها فراح يرسم صورة فراشة عملاقة تمتطي أغصان الياسمين·· ابتسم لفكرته وفكر في رسم صورة لهذا المشهد الجميل· أفاق من غفوة التأملات ورعش جسمه عندما قالت له: انني أحب أن أنظر الى عيونها الناعسة المستترة تحت أهداب كحيلة طويلة جداً، وأخذ قلبه يخفق بشدة حتى خيل إليه أنها تسمع دقاته وهمسات روحه فشعر بحرارة تسري عبر كامل جسده لتستقر في رأسه، شعر أن الدنيا كلها صمتت لتنظر الى حرارة وجهه· ما لبث أن انفرجت أساريره عن بسمة مضطربة وزال عنه الخوف، فقد كانت عيونها تنظر إليه في حنان، رأى نفسه يطير ويطير، يطير عالياً بلا جناح، يطير ويخترق الأجواء، يعلو ويعلو مثل طائر أطلق سراحه من قفص عاش فيه طيلة حياته·· أراد أن يهمس مثلها ويقول إنني مثلك أحب·· لكنه بقي صامتاً تتطاير الفرحة من عيونه المرتعشة· واصلت مسترسلة: أتعتقد أن الحياة بلا حب يكون لها طعم؟·· أومأت برأسها أن لا حياة بلا حب·· وردد في نفسه لا حياة بدون حب·· لأنك أنت حياتي يا حياتي·· وانتظر أن تهمس ثانية له وتقول إنني أحب وتصف له لوعتها وهيامها به·· لكنها سألته عن صمته·· رد بهدوء: لِمَ كنت تكتمين حبك؟ قالت بدلال تصطنع الخجل: خشيت أن يتجاهلني أو يردني أو يحطم لي قلباً ويهدم لي حباً ويكسر لي روحاً·· قال بينه وبين نفسه كيف أتجاهلك يا سيدة الروح والقلب لا يكسر قلبك إلا عديم رحمة، ولا يردك إلا أعمى لا يقدر الجمال، ولا يهدم حباً إلا من كتب له الشقاء·
ليتني عرفت أنك تحبينني من زمان·· ثم جهر بقوله: أي قلب هذا تلامسين أوتاره ولا يخفق بحبك، احمرت وجنتاها خجلاً وقالت بصوت رقيق لا يكاد يسمع كان مثل الهمس: شكراً لكنك تبالغ· عم الصمت بينهما برهة من الزمن سرعان ما كسرت سكونه وسألته: هل تراه يقبل بحبي·· أم تراه يتجاهلني رغم ما أفعله لأجله؟ وعاد الى مخاطبة نفسه: لِمَ لا تفصحي يا عمري عن حبك بلا ألغاز؟ لِمَ تعذبينني ها قد اقتربنا وها قد تهامسنا وها قد نكاد نعترف لبعضنا البعض، فلم لا تقولي إني أحبك؟·· كيف أتجاهلك وأنت التي جعلت الشمس عني لا تغيب·· قالت بهدوء ورأسها الى الأرض: لم ترد على سؤالي·· رد بصوت خفيض متلعثم: يحبك أكثر مما تحبينه·· ابتسمت ابتسامة مثل السحر وراحت تسأله بلهفة: كيف عرفت؟ أخبرني قلبي·· قال ذلك وأطبق صمتاً، وعاد الصمت بينهما من جديد، حاول كسره فلم يستطع، لم يعد يرى في تلك الضوضاء وذاك الحفل سواها، لم يعد يشعر إلا بوجودها، لا يسمع إلا دقات قلبه وحشرجة أنفاسه وصوت الريق المبتلع في حلقه· حاول أن يثير انتباهها بشيء لكنه وجد نفسه جامداً مثل تمثال من برونز مثبت على قاعدة من إسمنت·· أما هي فاستغرقت في تفكير طويل، بحر من أحلام ممتدة في خيالها الذي سرحت فيه·· أراد أن يقطف زهرة من ياسمين ويزين بها خصلات شعرها كعربون محبة·· في الوقت الذي كان يحاول وضع الزهرة على خصلات شعرها المتطاير عبر النسمات ويقول لها لقد أحببتك قبل أن تعترفي لي، كنت دائماً في عيوني، دائماً في خيالي·· كان سيل الكلمات على عتبة لسانه، فاجأته وراحت تشده من كتفه شداً·· فسقطت زهرة الياسمين من بين أنامله وكانت المسافة بين أنامله والأرض مثل رحلة حلم خارب من واقع الزيف·· وراحت تقول وهي تشير الى الباب: انظر·· انظر، ها قد دخل·· هذا الذي وهبته قلباً هذا الذي منحته حباً، هذا الذي يذوب لأجله القلب وجداً·· وما شعر وما مال قلبه أو نظر·· أحس أن قلبه انشطر نصفين، وزهرة الياسمين أخذت في الذبول كأن بها دم قلبه المهدور·· زهرة الياسمين التي كان ينوي أن تكون عربون حبه داستها أقدامها وهي تطوف حوله وتخاطبه بلهفة·· هذا هو هذا هو الذي هفا له القلب·· هذا الذي أحب·· أترجاك أن تكتب لي رسالة، أن تخط لي فيها عذاب قلبي وهيامي وسهر الليالي·· لم يعد يسمع شيئا·· كان صوت الريح فقط·· كان صوت الريح قوياً·· كان مثل فراشة استهوتها لعبة النور اقتربت منها فاحترقت وضع يده في جيوبه وراح يمشي ويمشي ناكساً رأسه الى الأرض وزهور الياسمين تتساقط من حوله مثل قطع ثلج بيضاء كأنها تعلن الحداد على قلبه الذي كسر في حضرة الياسمين·· وراحت هي تشيعه بنظراتها من شرفتها·· بعدما شعرت أنها أهدرت دم قلب أما هو فراح يختفي بين زهور الياسمين في وسط الحديقة حتى لم تعد ترى منه إلا معطفه الجلدي الأسود الذي غطاه بياض الياسمين·· في الصباح الباكر تناثرت زهور الياسمين على الأرض تعبث بها النسائم معلنة عن فصل الخريف الحزين·
محمد دلومي
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©