الخميس 26 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
إميلي نصر الله: ثمن الكلمة صار باهظاً و تؤخذ الدنيا غلابا
9 أغسطس 2005

بيروت - سناء علوية:
اميلي نصر الله الأديبة اللبنانية الآتية من بلدة كفير الجنوبية، الملتزمة بالاحتفاظ بالقيم الإنسانية والحضارية الراقية المنعكسة على كتاباتها، المقاتلة العنيدة عندما يكون الصراع متعلقاً بالقيم الحياتية والمدافعة بقوة عن التطور والنمو الفكري والروحي والفني الجمالي، التي تحتاج إلى مساحة واسعة من الحرية لاستيعاب أفكارها في مجموعتها 'روت لي الأيام'·
قال عبده لبكي: 'لقد مزجت الكاتبة بين الذات والموضوع دون المساس باستقلالية الموضوع، وجعلت اللغة تتحد به وتنصهر فيه كما تنصهر المعادن الثمينة فتنعكس عليها أضواء الحياة انعكاس حقيقة لا انعكاس تصنّع'·
إنها الروائية اللبنانية إميلي نصر الله ضيفة هذا الحوار:
؟ اميلي نصر الله كاتبة من بلدة كفير الجنوبية ماذا تركت في نفسك هذه البلدة، وكيف انعكست آثارها عليك من خلال كتاباتك؟
؟؟ إسألي 'رياح جنوبية' و'طيور أيلول' و'الإقلاع عكس الزمن' وسواها من روايات وقصص، تدور في المكان، وتكتبه بكل ما يحويه من بشر، وأرض، ومن سهول وجبال وأنهار· لقد كتب كثير من الدراسات في أعمالي، خصوصاً للتركيز على أهمية المكان·
؟ لنبدأ من آخر أعمالك 'رياح جنوبية' ماذا تعني؟
؟؟ مثلما تشير القصص، خصوصاً النص الذي يحمل هذا العنوان· إنها رياح الذكريات التي تهب بين الحين والآخر، وتردنا إلى الأمكنة والأزمنة البعيدة، والتي نظن أننا خلفناها وراءنا، فيما نجتاز رحلة العمر، وإذا بكلمة، أو مشهد، أو وجه أو رنة صوت، توقظ ما كان غافياً، وما حسبناه دفيناً في ركام الأيام الغابرة فتشتعل المخيلة بكل الأدوات والوسائل الناهضة لإحياء تلك المنطقة من وجودنا الزمني، وتكتب القصة·
؟ في 'شجرة الدفلى' تدفع البطلة، 'زيّاً' حياتها ثمناً للحرية المنشودة ولوقفتها المكابرة في وجه الطغاة، إلى أي مدى تحضر الكاتبة في هذه الرواية؟
؟؟ دائماً أقول إني حاضرة في كل ما أكتب، الأحداث والشخصيات، وفي هذه الرواية بالذات، كنت أعيش مأساة سيدة أحبها، وآلمني ان يصيبها من ظلم المجتمع الشيء الكبير· كنت غاضبة وأردت ان اوجه صفعة إلى المجتمع الضاغط على حرية المرأة إلى درجة سلبها شخصيتها وخصوصيتها، وهكذا كتبت الرواية في مزاج الغضب· لا أقول أني تخليت عن روح النضال، من أجل حرية المرأة في أعمال تالية، إنما لم أعد إلى ذلك المزاج الغاضب في كتاباتي التالية، على الأقل ليس بتلك الحدّة·
نزعة إنسانية
؟ ركزت على النزعة الإنسانية، والشفافية، والمعاناة الإنسانية، كما ان لديك دعوة إلى قراءة قيم الحياة، هل لا زلت مصممة على اتباع هذا اللون من الكتابة في زمن العولمة والماديات؟
؟؟ صحيح أني ابحث عن التجدد الدائم في كل ما أكتب، لكنني مصرة على الاحتفاظ بقيم إنسانية وحضارية لا أتخلى عنها خصوصاً في زمن العولمة الذي يحاول محْوَ خصوصيات التراث والثقافة والحضارة· أنا مقاتلة عنيدة حين يكون الصراع متعلقاً بقيم حياتية أؤمن بها، أو أسعى إلى تحقيقها من أجل التطور والنمو الفكري والروحي والفني والجمالي·
؟ هل تمارسين سياسة فرض الآراء في كتاباتك في بعض الأحيان، أو بمعنى آخر، هل تمارسين الإرهاب الفكري؟
؟؟ إذا كانت هذه الأسئلة تصدر عن أصول أفكاري وكتاباتي فأرى هذا أغرب سؤال يوجه إلي أنا بالذات، لأني في كل ما اكتب وما أمارس في حياتي بعيدة جداً عن الإرهاب الفكري والأدبي، بالطبع الإرهاب الاكبر على مستوى الإنسانية، أقول دائماً أني احتاج إلى مساحة الكون من المدى الحر لاستيعاب أفكاري، حتى ولو لم استخدم سوى جزء ضئيل منه· وهذا هو المدى الذي أريده للآخرين كي يعبروا عن أفكارهم وآرائهم·
؟ قال أحد شعراء اليوم انه يوجد عدد كبير من المثقفين الأصوليين كما هي حال رجال الدين الأصوليين أي الجماعات المتزمتة الصارمة، إلى أي مدى تمارسين الأصولية الفكرية في كتاباتك وليس بالضرورة ان تكون الأصولية ارهاباً؟
؟؟ أجد ان هذا السؤال بعيد جداً عن عالمي، وفكري ونوع أدبي· لأني مؤمنة بأن الكتابة هي فعل تغيير وتأثير وتحويل لا تكريس الثوابت بأية صورة وأي ثمن / وبالطبع، ما أمارسه وما أنا عليه لا يلغي الغير ولا يمنع ان يكون هناك هذا النوع من الكتاب، مثلما تمتلئ الزوايا الأدبية بكتاب لا يرون في المرآة سوى وجوههم، وإذا أطل عليهم وجه جديد يسعون، ما أمكنهم لإلغائه أو على الأقل تجاهله· لا شيء يأتينا من دون ثمن وفي بعض الأحيان، يكون ثمن الكلمة باهظاً جداً·
؟ ما الذي يقف في وجه اميلي نصر الله عندما تقبل على الكتابة، بمعنى آخر هل هنالك أمور أردت ان تكتبيها ولم تستطيعي لأسباب معينة؟
؟؟ أنا اكتب قناعاتي، اعبر عن قلقي ومشاعري وحزني· بالطبع حيّز الكتابة لكل فرد محدود بحدوده الذاتية والكيانية ولا نستطيع الإحاطة بكل ما في هذا الكون، أو بكل ما نحلم بتحقيقه ونطمح إليه··· المهم في نظري ان نتقن ما نعمل وحين نكتب نضع في النص أقصى ما يمكننا وما حصلناه من تجارب ومعرفة ووحي وإبداع·
تجدد وتجاوز
؟ ماذا تفعلين كي تحافظي على مكانتك في الكتابة؟
؟؟ أكتب وأسعى دائماً، في حاضري وغدي، لأن أتجاوز ما كنت عليه بالأمس، باحثة عن الجديد، الطريف، والمنعش في البناء واللغة والأفكار وخصوصاً في سرد القصة أو الرواية·
؟ كيف حققت حريتك الفكرية والأدبية، ومن أي محور انطلقت ومتى؟
؟؟ 'تؤخذ الدنيا غلاباً'··· كذلك الحرية والنجاح وتحقيق الأحلام بالسعي الدؤوب والعمل والجد في كل الأوقات وعلى كل المستويات··· لا شيء في اعتقادي يأتينا من دون ثمن وفي بعض الأحيان يكون ثمن الكلمة باهظاً جداً·
؟ إلى أي مدى تتماشى اميلي نصر الله مع الواقع المفروض عليها؟
؟؟ إلى حد، ويجب ألا تعترض تلك الحدود قناعاتي وما سعيت إليه وآمنت به وعملت له وضحيت من أجل تحقيقه·
؟ هل صحيح ان الكتاب يمكنهم أكثر من سواهم، التعبير عما يجول في الخاطر، والى أي مدى؟
؟؟ بواسطة الكلمة ربما، لكن الموسيقى والرسم وغيرهما من الفنون يمكنها التعبير بوسائلها الخاصة ولا أقول ان ذلك من خصوصيات الكتاب وحدهم· الأطفال أيضا يعبرون بأفضل الطرق عما يجول في البال وفي بعض الأحوال يتجاوزون وصف الشعراء والكتاب·
لا أفكر تسويقياً
؟ كيف تسوّقين أفكارك الأدبية ونتاجك عادة؟
؟؟ كلمة تسويق غير موجودة في قاموسي فمنذ خمسين سنة وأنا في مضمار الكلمة وأقول ان الكتابة لدي هواية لا مهنة· ولا أفكر تسويقياً أو مالياً عندما اكتب، فقط يهمني التعبير عن خواطري ومشاعري بما توفر وتيسّر لي بغض النظر عن حسابات الربح والخسارة··· الربح الأكيد هو التواصل مع القراء والحوار مع الكون بكل ما يحوي·
طبق المحبة
؟ إلى جانب الكتابة ما هي هواياتك؟
؟؟ الطبخ والزرع··· أنا في أصلي فلاحة· الجأ إلى أمي الأرض واغرس بذرة أو نبتة أو الجأ إلى المطبخ لأعد طبقاً مفضلاً أطبخه بالمحبة وأقدمه لمن أحب·
؟ ما هي الصفات التي يجب ان يتميز بها الأديب كي يستحق التسمية بمعنى آخر كيف يقاوم الأديب اغراءات الدنيا؟
؟؟ بالنضال اليومي، من الداخل والخارج أي بالمحاسبة التي لا تكل ولا تتوقف ولا تحدها حدود· وهي محاسبة الضمير وتقع في المدار الخلقي ثم المحاسبة المهنية للعمل الدؤوب في سبيل التقدم وتجاوز الذات وما تحقق من أفعال·
؟ هل حصل ان وجهت من خلال ما تكتبين رسائل موجعة إلى آخرين، ام اقتصرت كتاباتك على نظريات؟
؟؟ في رواية 'شجرة الدفلى' كنت اوجه صفعة لمجتمع قمع المرأة وظلمها والتعامل معها وكأنها شيء أو جماد··· لكن في كثير من رواياتي وقصصي هناك نقد موجع ··· لو ان من قصدت يقرأون·
؟ إلى أي مدى تؤثر 'كاريزما' الكاتب على القراء رغم أن هذه الشخصية أي شخصية الكاتب، غير مرئية بالنسبة إليهم؟
؟؟ الشخصية مهمة جداً، وخصوصاً إذ أثبتت صدقيتها· هناك كتّاب يفضلون عدم الظهور والبقاء خلف قناع الكلمات، وهذا حقهم بالطبع لكن في مجتمع قليل القراء ويشكو من الأمية (سبعون مليون أمي في عالمنا العربي) في مثل هذه الأحوال تقع على الكاتب مسؤولية التواصل، لا الاعتزال في صومعة الكلمة يعني انه من حيث علم أو لم يعلم، يبقى مثالاً وقدوة·
أنا الآخر
؟ ما هي وسائلك للولوج إلى خواطر الناس ومعرفة خواطرهم؟
؟؟ لدى الكاتب أدواته ووسائله اللاقطة والحساسة، وبقدر ما يتمتع بحس الجماعة لا الفرد وحسب مايتمكن من الشعور بالآخر، ومعه· أنا أقول دائماً: عليّ ان أكون الآخر، لأتمكن من وصفه ورسم أحواله وما يجول في باله·
؟ ما الذي يميز كاتب عن آخر في رأيك؟
؟؟ كل الميزات··· ولولاها لكان واحدنا صورة طبق الأصل ومتكررة عن الآخرين· وبالطبع لا أقصد بذلك التميز الخارجي، بل في الحس والأسلوب والفهم وسبر أغوار النفس وأسرارها·
؟ من أين جاءت صفاتك المنعكسة في كتاباتك؟
؟؟ من كل ما يحيط بي في المدى القريب والبعيد: أولا من الأسرة والتربية الأولى ثم المدارس التي تعهدت تربيتي ومن بيئتي الثرية بالتراث الإنساني ومن وعي مبكر لتقدير وتقييم الموروث والتمييز بين ما يجب حفظه وما علينا التخلي عنه كي لا يعيق مسارنا باتجاه الرقي والتقدم، ثم من الحياة الواسعة الشاسعة، مدرستنا الكبرى والمفتوحة الأبواب لكل طالب مجتهد·
لميعة وسلوى ونجوى
؟ بمن أنت مقتنعة اليوم على المسرح الأدبي؟
؟؟ هذا سؤال واسع وفضفاض··· أي مسرح؟ وهل هو مسرحنا الصغير أم العالم بأسره؟ ومن أين لي الاحاطة بذلك كله؟ ان لكل كاتب مساحته وكيانه ودنياه· بعضهم يرى الكون من خلال ما يخصه وآخرون يمضون في الحياة متجاهلين أناهم الضيقة متطلعين إلى رحابة الكون، ولا يمكنني ان أحدد هذا السؤال الكبير بأفراد بعينهم أو بأشخاص يختصرون الوجود بكيانهم المحدود·
ليس لي خصوم
؟ كيف تواجهين خصومك في الكتابة عادة، هذا إذا كان لديك خصوم؟
؟؟ بالحق نطقت··· ليس لي خصوم لا في دنيا الكتابة ولا في الحياة، أساسا ليست لي مطامع، وهذا يستبعد الخصوم·
؟ بمن تعترفين من الكاتبات اليوم لبنانيات، عربيات، أو عالميات؟
؟؟ ولماذا كاتبات وليس كتاباً! على أي حال سوف اذكر بعض من تعجبني قراءتهن من كاتباتنا شعراً مثل لميعة عباس عماره، ونثراً هناك صوت متفرد بالجهد والجرأة هو صوت الكاتبة المصرية سلوى بكر واللبنانية نجوى بركات·
أتبع مزاجي والهوى
؟ لماذا لم تعمدي إلى جعل كتاباتك نصوصاً لمسرحيات أو لمسلسلات أو لأفلام؟
؟؟ أنا اتبع مزاجي والهوى، أكتب الرواية والقصة، ومن يشاء تحويل كتابتي إلى مسرح أو إلى أفلام سينما أو تلفزيون يمكنه ذلك شرط ان يراعي جوهر النص· بعض ما عرض علي من تجارب في هذا السياق لم يكن في المستوى المطلوب· لكني أبقي الباب مفتوحاً لذوي الاختصاص وكتاب السيناريو·
؟ هل وصلت إلى خارج الحدود المحلية والإقليمية في الكتابة بعدما ترجمت العديد من رواياتك إلى لغات عديدة؟
؟؟ بالطبع، الترجمة تبني جسر عبور من الإقليمية إلى مدى أرحب، وقد تسلمت مؤخراً تقريراً يحمل توصية باختيار نصوص من إحدى رواياتي المترجمة إلى الألمانية لكتب مدرسية، وهذا جيد، وبفضل الترجمات كنت ولا أزال أسافر إلى مختلف البلدان واللغات، واحمل رسالة وطني وشعبي وحضارته وبكل فخر· وهنا تجدر بي الإشارة إلى ان العمل يشق طريقه من دون واسطة أي انه لا يعتمد على الوكلاء كما هي حال الحرب في معظم بلدان العالم بل ان الكلمة وحدها تشق طريقها إلى اللغة أو الحضارة الأخرى·
؟ ما هو المحور الأساسي في كل ما تكتبين؟
؟؟ الإنسان ومن كان، قريباً أم بعيداً·
؟ بعد تجربتك الغنية في الكتابة ما هي الأمور التي تطالبين بها دائماً؟ وهل حصل ان لاقت مطالبك تجاوباً من أحد؟
؟؟ أطالب برفع الظلم عن الإنسان امرأة كان أم رجلاً، ومطلبي التالي هو الحرية الفكرية والاجتماعية والإنسانية· وقد عانيت من قيود المجتمع، لذا اقدس هذه المطالب وأسعى إلى تحقيقها لكل فرد· هل انجح من خلال الكتابة؟ ربما··· ذلك يتوقف على نسبة القراءة· لكن إيماني قوي مثل إيمان قطرة المطر التي تحاول اختراق الصخر·
؟ إلى أين تريدين الوصول مستقبلاً؟
؟؟ إلى حيث لا حدود لمدى الكلمة الحرة·
؟ ما هو الحلم الذي لم تحققينه؟
؟؟ كتابة روايتي التالية·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©