الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
رؤوفة عبيد أبصرت بعد 17 عاما من الظلام
رؤوفة عبيد أبصرت بعد 17 عاما من الظلام
9 أغسطس 2005


وفاء محمود العلي:
رؤوفة عبيد··· شابة فلسطينية تعيش في مخيم الشاطئ في مدينة غزة، صابرة كمدينتها، محتسبة آلامها وأحزانها عند الله، تشكره على امتحانه بفقدان نعمة البصر، وتدخر في قلبها البصيرة··· لكن المعجزة حدثت، وإذا شاء الله سبحانه وتعالى أمراً قال له: كن، فيكون· وهذا ما كان، فبعد أن يئست رؤوفة من الشفاء، وبعد أن عجز الأطباء وأعلنوا أنها لن تبصر، تدخلت يد العناية الإلهية لتحدث المعجزة، وتصرخ الشابة ذات السبعة عشر ربيعاً في أحد الأيام: أمي··· أمي··· أنا أبصر نفسي في المرآة، وهي بين مصدقة ومذهولة وقد عقدت الدهشة والفرحة لسانها·
تقول رؤوفة عن تلك اللحظة الاستثنائية التي عاد إليها فيها البصر: 'كانت تلك أول مرة في حياتي أرى وجهي، شعرت أنني في حلم وأن الله يكافئني على الصبر الذي تقبلت به مصيبتي، فقد كانت الحياة صعبة بالنسبة لي في بداية حياتي، كنت أتمنى أن أرى وجه أمي وأبي وإخوتي، والناس الذين يحيطون بي، أن أرى الطبيعة وجمال الحقول، وأن أعيش مثل باقي الناس أستمتع بما حولي من جمال· الحمد لله فقد وهبني نعمة البصر مرة أخرى، ورد علي نور عيني اللتين طالما تمنيت أن تكونا مبصرتين· الحمد لله على منحته، والشكر لأهلي على مساعدتهم لي أثناء فترة إعاقتي· يا إلهي ما أصعب أن أصف ما حدث، لا أستطيع التعبير عن مشاعري ولا كيف أحسست عندما نظرت في المرآة ورأيت وجهي، من الصعب أن أتخيل ماذا حدث··· حتى الطبيب الألماني الذي يتابع حالتي ذهل ولم يصدق، وكانت أول كلمات نطق بها: هذه معجزة، أنا لا أصدق ما أرى'·
كانت فرحة رؤوفة استثنائية يصعب أن تحيط بها الكلمات، فرحة عارمة، لا تخضع لوصف، ولا يقولها معنى··· لهذا كان ذهولها كبيراً وفرحتها هائلة، وعندما صرخت تعلم أمها بأنها ترى نفسها في المرآة، انطلق لسان الأم بالزغاريد وعم الفرح كل البيت، وبكت زوجة الخال من شدة الفرح·
لكن كيف حدث ما حدث؟
تقول رؤوفة: كعادتي، كنت أقوم بغسل شعري على المغسلة، وبعد أن انتهيت من ذلك ارتطم رأسي بصنبور المياه، وعندها شعرت بارتجاج شديد جداً فنظرت إلى المرآة وإذ بي أرى وجهي· في البداية لم أصدق ثم نظرت مرة أخرى فإذا بالشيء نفسه يتكرر، فصرت أنادي على أهلي وأنا أسير بينهم وأقول لهم إنني أراكم وقمت بتسمية كل واحد فيهم· وبعد ساعات قررت الذهاب إلى الطبيب الذي عبر عن ذهوله فهو لأول مرة يرى مثل هذه الحالة النادرة، وبين الدهشة والاستغراب أجرى لي الفحوصات اللازمة وقال لي: نظرك جيد وربما لا تحتاجين إلى نظارة، وأردف مازحاً: بل ويمكنك قيادة سيارة·
رؤوفة موهوبة في أكثر من مجال، لكن الرسم هو الأبرز بين مواهبها الكثيرة، وقد أقامت معرضاً لها، بل وتعتبر نفسها فنانة من الدرجة الأولى، ورغم الصعوبات التي واجهتها إلا أنها استعانت بإيمانها بالله، وثقتها بنفسها، واستندت على دعم والدتها وتمكنت من تحقيق حلمها وإقامة معرضها الذي لقي إقبالاً كبيراً، من الجمهور·
وتقول رؤوفة: 'لم تمنعني إعاقتي البصرية في أي يوم من الأيام من الحلم، والطموح، والعمل، ورغم كل المصاعب والمشاق استطعت تحقيق ما أريد، وكنت أرسم الأشياء وفق ما يرسمه لي خيالي، أما الألوان، فكانت وسيلتي إلى الإحساس بها هي حاسة اللمس، خاصة وأنني كنت استخدم الألوان الزيتية·
لم تكن حياة رؤوفة الدراسية سهلة، فكثيراً ما كانت تشعر بسوء معاملة معلماتها أو زميلاتها لها، كما أن الذهاب إلى المدرسة من دون كتب يجعل الطالبات في المدرسة ينظرن إليها على نحو يؤلمها، إذ أن الكتب المدرسية كانت متعبة لها، وكانت كثيرة وثقيلة حيث تواجه صعوبة في حملها، مشيرة إلى أن اعتمادها الأساسي في المدرسة على السمع والانتباه·
ودخلت رؤوفة مدرسة المكفوفين، ونظرا لتميزها تمت معاملتها معاملة خاصة من قبل إدارة المدرسة، وعاشت معهم فترة تعلمت خلالها كيف يعيشون، وكيف يتدبرون حياتهم، وفور شفائها من الإعاقة توجهت إليهم ودعت الله أن تعود لهم نعمة البصر ليروا الناس والحياة كما تراها·
كانت رؤوفة في الماضي تتمنى أن ترى عروساً، تقول: 'عندما كنت أذهب أنا ووالدتي إلى الأفراح والمناسبات السعيدة كنت أتمنى أن أرى جمال العروس، وكنت أكتفي بما تصفه لي والدتي التي كانت تقول أن الكفيف يعيش حياة صعبة خاصة في تحركاته بين الناس، فهو يحتاج في كل حركة إلى من يقدم له المساعدة، فضلا عن أنك لا تجد الكثير من الناس على معرفة بكيفية التعامل مع الكفيف، فهم ينظرون له نظرة خاصة·
أما الآن فإن سألتها عن طموحاتها فسرعان ما يلتمع ضوء من التحدي والطموح في عينيها وهي تقول: بعد تخرجي من الجامعة أرغب في دراسة الفن والنقش وأن أعمل مرشدة ومساعدة في مركز لتأهيل المعاقين لكي أساعدهم· لكن هذا لا يعني أن تنتظر حتى التخرج لتقوم بدورها الإنساني، فهي الآن ناشطة في أكثر من مؤسسة وجمعية ومركز ثقافي ولديها العديد من شهادات التقدير ورسائل الشكر التي قدمت لها من جمعيات ومؤسسات مختلفة·
وترجع رؤوفة ما حدث معها إلى الله سبحانه وتعالى، فهو الوحيد الذي تتوجه إليه بالحمد والشكر على أن منَّ عليها بالبصر من جديد، وصارت ترى الدنيا كلها بعد أن كانت لا ترى من الحياة غير السواد· ولا تنسى أن تشكر والدتها التي كان لها فضل كبير عليها حيث كانت تساعدها على الدوام وتشد من أزرها، وكذلك والدها الذي لم يبخل عليها ولم يقصر في علاجها، وعرضها على كافة الأطباء وخاصة الأجانب لكنهم قالوا له: لا يوجد علاج لها ووضعها صعب·
هكذا··· ابتسم الحظ لرؤوفة، ونظرت لها العناية الإلهية بعين العطف، وتفتحت زهور الفرح في عينيها بعد أن عاشت في حلكة وظلام··· وتحولت من فتاة كفيفة إلى مبصرة بإرادة ربانية بعد أن عجز الطب البشري بكل مبتكراته وتطوراته الكبيرة أن يرجع إليها بصرها··· ويبقى أن ما حدث مع رؤوفة يعلمنا حكمة مهمة في هذه الحياة وهي: أن الأمور لا تثبت على حال، وأن الألم لا يدوم، وأن لكل ليل نهار، وبعد كل ضنك ومكابدة لا بد أن تشرق شمس الفرح وتحلو الحياة·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©