الاتحاد

عربي ودولي

في بلاد عرب الشمس والسلطان (2- 10)


مسقط : خالد عمر بن ققه- سعيد سالم البادي
كل ما في البيئة العربية من خليجها إلى محيطها يؤكد على حقيقة كونية هي أنها 'أرض الشمس'، لكن حين تمتد بصيرة الإنسان ويداه إلى إحداث تغييرات في مجتمعات مختلفة فإن ذلك يعني أن العرب يوصلون الشمس إلى غيرهم بهدف الدفء والنور والبقاء·· وهكذا لا يرتد إليهم طرفهم إلا حين تشتد العواصف فيضطرون إلى التحايل، لكنهم لا ينتهون من فعلهم -كموناً- بعد مرحلة الظهور، فإذا ما أضيف إلى ذلك شروق الشمس وغروبها كل يوم من أرضهم فإنه يحق لهم عند ذلك أن يكونوا عرب الشمس ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يمتد إلى سلطان العلم والمعرفة والملك، وهو ما سنتابعه في التجربة العمانية·
الشمس والسلطان طرفان إذن لامبراطورية تراجعت من ناحية الجغرافيا، وتلك دولة اليعاربة، لكنها ظلت ثابتة من ناحية القيم والتاريخ وذلك ميراثها، وأضيف إليها الفعل الحضاري البناء، وتلك هي الآن في مرحلة السلالة الخامسة·· ومنهما -الشمس والسلطان- اشتق عنوان هذا الملف الخاص بمشاهدة ومتابعة وتقييم التجربة السياسية العمانية الراهنة·
المدخل إليها هو التاريخ عبر موروث يستحضر الآن بهدف الاتجاه نحو المستقبل، لا تحدده طبيعة السلطة فقط، حيث أمر أهل عمان 'شورى' بينهم، ولكن يظهره التنوع الجغرافي والتضاريس وعلاقات البشر وحكمة أولي الأمر الذين يراكمون الفعل استجابة للسلطان ، تفاعلا معه أو تأييدا لما يذهب إليه·· هنا تقوم المؤسسات على أساس التمكين ورؤية راشدة اختار أهلها طريق الصمود في الماضي والتنمية في الحاضر والإنجاز في المستقبل ·· إنها جملة من القضايا سيتناولها الملف معتمدا التحليل السياسي بناء على وقائع عايشناها وحوارات حمل فيها أهلها همّ تساؤلاتنا ولم تكن بعض إجاباتهم مرضية لنا، وان كانت - على ما تبدو- مرضية لهم دائما، وجولات ميدانية في فضاء واسع تعذر علينا تغطيته بالكامل·
في هذا الملف - الذي ينشر على حلقات - سيكتشف القارئ معنا سيادة التعمير في الأرض وبياض المساكن والقلوب واخضرار الأرض مما أعطى للسياسة معنى آخر وأوجد أحزابا -مختلفة عن تلك التي نعرفها في المجال السياسي- على مستوى الفرد والجماعة والقبيلة اجتمعت كلها لتلبي بشكل متواصل رؤية الرشد عند سلطان جمع بين ارث إمبراطورية وواقعية المرحلة وموقع يحفره لدولته في صخور المدنية الراهنة التي تلفظ من ليس بقادر على البقاء أو العطاء
السلالة الخامسـة·· وكاشـف الظلام
ذهبنا في الحلقة الأولى إلى الحديث عن التاريخ العماني مركزين على 'اليعاربة' ودورهم في طرد الاستعمار البرتغالي من المنطقة، انطلاقا من حقائق تؤكد على عودة العمانيين لصناعة الأحداث كلما سمحت لهم الظروف بذلك، حيث التراجع أحيانا مع البقاء دائما، وفي هذه الحلقة نواصل الحديث عن الدور التاريخي للعمانيين مع التركيز على جلالة 'السلطان قابوس بن سعيد' باني عمان الحديثة·· وفيما يلي نص الحلقة:
لوعدنا إلى قراءة التاريخ العربي في بداية القرن الثامن عشر لوجدنا أن القوى الاستعمارية أقامت خططها وحملاتها على أساس تفتيت المنطقة، غير أنه بجانب هذا لم تكن الإرادة الاستعمارية وحدها هي السبب فيما حدث في المنطقة العربية برمتها، بل هناك عوامل داخلية تتعلق بالفتن والصراع على السلطة ولنا في التجربة العمانية خير مثال إذ دخلت عقب وفاة 'سلطان بن سيف الثاني' في عام 1718 مرحلة اتسمت بتباين الآراء وانقسم الناس إلى فرقتين، الأولى تطالب بأحقية 'سيف بن سلطان بن الإمام سلطان بن سيف' وكان صبيا لم يبلغ الحلم ونادى بذلك اليعاربة وعامة الناس، والثانية من أهل العلم والخبرة فقد طالبت بإمامة 'مهنا بن سلطان بن ماجد اليعربي' والذي كان موضع ثقة الإمام المتوفى وزوجا لابنته·
البلوش والفرس ·· والفتنة
المهم انه تم عزل سيف بن سلطان عن الإمامة وبويع مكانه بلعرب بن حمير مما دفع بسيف إلى الاستنجاد بالبلوش من 'مكران' وحارب بهم بلعرب بن حمير إلا أنهم هزموا ثم طلب سيف من الحكومة الفارسية في عهد نادر شاه إرسال قوات لمساعدته في إخضاع خصومه لذلك يعتبر 'نادر شاه' أول من أسس - من الحكام الفرس - قوة بحرية في مياه الخليج وأسند قيادتها إلى 'لطيف خان'، وتشير المراجع التاريخية إلى أن هذا القائد كان يتطلع في توسعاته إلى الساحل العربي من الخليج (ويذهب البعض إلى القول أن تسمية الخليج العربي بالفارسي في بعض الكتب والمراحل التاريخية قد يكون سببه هذا الاحتلال)·
اتخذ سيف بن سلطان بابا ينفذ منه إلى احتلال عمان وإخضاعها لصالح الحكومة الفارسية، وقد رحب نادر شاه بهذه الفكرة وأمر بتشكيل قوة بحرية وبرية للتوجه إلى عمان، وبذل كل ما في وسعه لإنجاح هذه المهمة ولذلك أشرف بنفسه على إعدادها وتجهيزها كما أمر بتشكيل هيئة لدراسة المنطقة تكون عونا للقوات الفارسية ولتمدها بالمعلومات اللازمة، وكان نادر شاه يهدف بذلك إلى ضم عمان والبحرين إلى فارس إضافة إلى طموحاته في السيطرة التامة على مياه الخليج، وفي 14 مارس 1730 للميلاد أبحرت القوات الفارسية المؤلفة من أربع سفن كبيرة وسفينتين متوسطتين وعدد كبير آخر من السفن والزوارق الصغيرة بقيادة لطيف خان، واكتشف سيف فيما بعد أن هذه القوات لم تأت لمساعدته وإنما جاءت لإخضاع عمان للسيطرة الفارسية·
في هذه الأثناء قام بعض رؤساء القبائل بالصلح بينه وبين بلعرب بن حمير على أن يتنازل بلعرب عن الإمامة لسيف حقنا للدماء وإنقاذا لعمان من الغزو الفارسي·
نهاية اليعاربة
صار سيف بن سلطان إماما للمرة الثانية واختار الشيخ احمد بن سعيد البوسعيدي (مؤسس الدولة البوسعيدية) واليا له على صحار، غير أن سيف لم يلبث أن أساء السيرة وأحدث أعمالا مخالفة للشريعة الإسلامية فعزله المسلمون ونصبوا سلطان بن مرشد اليعربي إماما سنة 1741 ميلادية الأمر الذي أغاظ سيفا وجعله يستنجد بالفرس للمرة الثانية موعدا الدولة الفارسية بأنه سيقدم ولاء الطاعة ويعترف بالسيادة الفارسية على عمان ويدفع الضرائب والإتاوات إذا تمكنت من إعادة حقوقه، وقد بعث له نادر شاه إمدادات أخرى لقواته بقيادة محمد تقي خان·
وبهذا فقد ثقة العمانيين ومنهم بعض أعوانه المقربين أما الإمام 'سلطان بن مرشد' فقد سار إلى صحار ليتعاون مع واليها أحمد بن سعيد البوسعيدي لمواجهة القوات الفارسية، ثم توفي في حصن صحار نتيجة إصابته في مواجهات الفرس، أما سيف بن سلطان المخلوع فقد توفي بعد ذلك بقليل بعد أن لام نفسه على فعلته الشنعاء وأصابه هم وحزن لكن بعد فوات الأوان، وكان هذا كله إيذانا بنهاية اليعاربة بسبب مغامرات القادة الأوائل وسوء تصرفاتهم، وهنا كان على أحمد بن سعيد أن يظل في الساحة لمواجهة الفرس الذين كانوا محاصرين صحار ومسقط، وتمت البيعة له سنة 1744 وبذلك بدأت ما يعرف عند المؤرخين بالسلالة الخامسة الحاكمة في عمان منذ صدر الإسلام·
الدولة البوسعيدية·· والمزاريع
وتشير المراجع ومنها كتاب 'عمان في التاريخ' الذي أعده مجموعة من الباحثين: 'أن السنوات الأولى لحكم أحمد بن سعيد لم تكن سهلة بسبب فترة الاضطراب وعدم الاستقرار التي شهدتها عمان نتيجة للصراعات الداخلية، إضافة إلى التحديات الخارجية التي لا يمكن تجاهلها، من ذلك رغبة بعض الولاة التابعين لدولة اليعاربة استغلال سقوط الدولة للإعلان عن انفصالهم التام وتكوين دولة تابعة لهم وهذا هو حال محمد بن عثمان المزروعي الذي أعلن استقلاله عن الدولة العمانية متعللا في ذلك بأن ممباسة التي كانت تخضع لنفوذه بقيت على ولائها لدولة اليعاربة حتى سقطت ولا يعني ذلك أن تستمر تبعيتها لعمان حتى بعد سقوط أسرتها الحاكمة'
زد على ذلك فإن المزروعي كان يرى أن مؤسس الدولة الجديدة قد وصل إلى الحكم بمجهود شخصي بمعنى آخر إذا كان والي صحار قد استطاع بمجهوده وقوة إرادته فما الذي يمنع المزروعي والي اليعاربة من أن يضع ممباسة في دائرة نفوذه ؟!·
وعلى ضوء ما قام به المزروعي من تمرد وشروعه في وقف إرسال الزكاة والخراج إلى والي عمان الجديد، ومن واقع قناعة أحمد بن سعيد بصعوبة القيام بعمل عسكري ضد شرق أفريقيا في تلك الظروف فقد قرر الإمام أحمد اللجوء إلى العقل والكياسة ليضع نهاية لهذا التمرد ويمنع انفصال ممباسا عن دائرة نفوذه، فقام بإرسال ستة من أتباعه المقربين برئاسة سيف بن خلف إلى ممباسا حيث قدموا أنفسهم إلى المزروعي بكل ما أوتوا من دهاء وثقة بالنفس على أنهم خارجون على الإمام، وقالوا له ضمن ما قالوا: 'لقد تمردنا على الإمام وجئنا إليكم وإننا نود الانضمام إلى جانبكم وان نفعل ما تشاؤون ويكون قدركم قدرنا' وبعد أن اقتنعوا باطمئنان المزروعي لهم طلبوا منه السماح لهم بالذهاب إلى كلوه وبمبا لجمع الأتباع والمناصرين للهدف المشترك، وهو الاستقلال عن الإمام أحمد بن سعيد وقبل الموعد المحدد للرحيل بيوم واحد توجهوا لزيارته بهدف التوديع حيث قابلهم في قلعته، فاستغل سيف بن خلف الفرصة وقتل المزروعي وحاشيته في القلعة·
غير أن هذا النجاح لم يجعل سيطرة البوسعيديين تدوم طويلا على هذا الجزء من أفريقيا فسرعان ما تمكن علي بن عثمان المزروعي من الانتقام لأخيه عندما نجح في اغتيال والي الإمام على ممباسه سيف بن خلف، وبنجاح علي في استعادة حكم المزروعيين على ممباسه انفرد المزاريع بحكم هذه المدينة الأفريقية التي قادت حركة التمرد ضد الدولة البوسعيدية في الساحل الإفريقي·
من ناحية أخرى فإن باقي المدن في شرق أفريقيا قد بقيت بعيدة عن سيطرة الإمام أحمد بن سعيد فيما عدا زنجبار التي عين عبد الله البوسعيدي واليا عليها·
قائد ·· ومرحلة ماجدة
وإذا كان الإمام احمد بن سعيد قد صادف نجاحا محدودا في شرق أفريقيا فإنه صادف نجاحا كبيرا في التصدي لأطماع الفرس، لذلك كان موته خسارة كبرى بالنسبة لأهل عمان، وتولى الإمامة بعده ابنه سعيد بن أحمد، ونظرا لأن الإمام سعيد كان زاهدا في الحكم تولى زمام الأمور ابنه حمد واتخذ من مسقط مقرا للحكم بينما بقي والده سعيد في الرستاق·
مع مضي الوقت تزايدت قوة ونفوذ حمد حتى أصبحت السلطة الفعلية في يده، وبعد موته آلت السلطة إلى سلطان بن أحمد بن سعيد، في الوقت الذي كان لا يزال فيه سعيد قائما في الرستاق ولم تلبث أمور البلاد أن خلصت للسيد سلطان بعد موت أخيه سعيد بن أحمد·
وبعده تولى سعيد بن سلطان وهو حفيد مؤسس أسرة البوسعيد الذي يعتبر عصره من أزهى العصور التي مرت بها عمان خلال القرن التاسع عشر، حتى أن المؤرخين يرون أن السيد سعيد بن سلطان هو بلا شك ابرز الشخصيات في أسرة البوسعيد التي لعبت دورا في تاريخ عمان والخليج وشرق أفريقيا، وكانت وفاته في عام 1856 نهاية لعهد حاكم عربي بارز، حيث يعتبر عهده مرحلة ماجدة في إطار الحضارة التقليدية للمنطقة ونظامها الديناميكي القديم، إلا أن النفوذ البريطاني وعملية التحديث للمنطقة أثرا على البناء السياسي الذي أقامه·
ويذهب المؤرخون إلى أن أبناء السلطان سعيد لم يكن احد منهم يتمتع بالكفاءة والتأييد السياسي الكافي الذي يؤهله لحكم السلطنة العربية الإفريقية والحفاظ على وحدتها مثل ما كان الحال في عهد والدهم، رغم أن السلطان سعيد كان قد عين اثنين من أبنائه نائبين عنه في كل من الجزء الأفريقي - زنجبار- والجزء الآسيوي -عمان- أثناء الفترات الطويلة التي يتغيب فيها عن الحكم، ومنذ عام 1833 كان ثويني ينوب عن والده في العاصمة مسقط ، بينما الابن الثاني ماجد ينوب منذ 1854 عن والده في زنجبار، وقد أصبح لكل منهما نفوذ واسع في المنطقة التي كان يحكمها، ولكن ليس للدرجة التي تمكنه من ضم الجزء إلى حيز نفوذه، كما لا يبدو أن السلطان سعيد قد رشح احد أبنائه ليخلفه في الحكم بعد وفاته·
فرنسا ··وأرض عمان
نتيجة لما سبق ظل الصراع بين ابني السلطان سعيد من السمات المميزة للتاريخ العماني على امتداد بقية القرن التاسع عشر، وقد نشبت الحرب الأهلية التي هددت الدولة العمانية بشطريها الأفريقي والآسيوي بالتمزق والانهيار، خاصة بعد أن استغلت الدول الأجنبية الطامعة ذلك الخلاف الذي نشب بين الأخوين ثويني وماجد، وقد لعبت كل من بريطانيا وفرنسا دورا متفاوتا في استغلال هذا الخلاف بين الأخوين، إذ تحركت قواتهما العسكرية·
لقد تحرك المسؤولون والسياسيون البريطانيون والفرنسيون على الفور لتحقيق مكاسب لصالح بلديهما، وقد بذلوا من أجل ذلك جهدا كبيرا وتنقلوا بين مسقط وزنجبار بهدف الحماية والوصاية، وكانوا في حقيقة الأمر يشجعون الخلافات بين الأخوين في وقت كانوا يظهرون فيه على أنهم يبذلون سعيهم وراء التوسط لحل المشكلة·
كان الخلاف حول كسب الموقف على أشده بين بريطانيا وفرنسا، إذ حشدتا قوات وأساطيل على السواحل العمانية والأفريقية وأظهرتا عطفا كل على الطرف الآخر للمتنازعين مشجعين إياهما على الاندفاع أكثر لكسب المواقف الشخصية·
ويذكر كتاب 'عمان في التاريخ' بخصوص هذا الموضوع ما يلي: الثابت أن أطماع البلدين- بريطانيا وفرنسا- في شرق أفريقيا كان واضحا حيث حاولتا مرارا إيجاد موطئ قدم لهما على الساحل الإفريقي - العربي- واستعملتا أساليب مختلفة في نشر الإشاعات والأكاذيب والافتراءات التي لا تمت للحقيقة بصلة للحيلولة دون اتفاق الإخوة على وحدة الكلمة، وقد اتهم السلطان الراحل على انه أعد مستندات أصولية لتقسيم الإمبراطورية وتوزيعها بين أبنائه، حيث أكد أن السلطان أوصى لخالد وبالتالي لابنه ماجد بأرض زنجبار مستقلة عن الوطن عمان، وحقيقة الأمر أن هناك أدلة قاطعة تدحض أن يكون السلطان الراحل قد وقع أي وصية من هذا النوع·
لقد كانت الأمور تسير سيرا طبيعيا بين الأخوين، ولكن التدخلات الأجنبية خلقت عدم الثقة والريبة في كل عمل يصدر عن الآخر، ومهما كان الأمر فان إنجلترا كانت تؤيد تقسيم السلطنة وتعارض فكرة ضم ممتلكات ثويني إلى ممتلكات ماجد، ولذلك وقفت بجانب هذا الأخير متذرعة بان أية حرب بين الأخوين ستشكل خطرا على مصالحها في الطريق البحري إلى الهند، وقد حاول ثويني بالفعل إعادة توحيد السلطنة وبدأ في إعداد حملة سنة ،1859 لكن السلطات البريطانية أوقفت تقدم الحملة مما اضطر ثويني التراجع إلى مسقط·
وظل الحكم على هذا الحال إلى أن انتقلت السلطة إلى الإمام عزان بن قيس عام 1868 وهو ينتمي إلى فرع من فروع البوسعيد، غير الفرع الذي ينتمي إليه سعيد بن سلطان، فكان ذلك حجة قوية للسيد ماجد لقطع المساعدة السنوية عن مسقط والتي كان يدفعها عن طريق المقيم السياسي·
تركي وبرغش ·· ومعاهدة الرقيق
غير أن عزان بن قيس لم يستمر طويلا في حكم مسقط وخلفه السيد 'تركي بن سعيد' عام 1871 في حكم عمان، وقد واكبت الفترة التي حكم فيها السيد تركي بن سعيد تماما نفس الفترة التي حكم فيها شقيقه برغش في زنجبار، وفي سنة 1872 كتب تركي إلى برغش يطالبه بدفع معونة زنجبار وهدد بالسير إليه، وقد حلت تلك المشكلة بناء على موافقة السيد تركي على توقيع معاهدة الرقيق، فأصدر فرير تعليماته إلى مايلز بأن يدفع لتركي متأخرات المعونة وقدرها أربعون ألف ريال على الفور، ومتأخرات نصف عام خلال ثلاثة أشهر من ذلك التاريخ أي عشرين ألف ريال·
سلطاني ·· ودار السلام
وقد استمر الشقيقان بعد أن فشلت فكرة الاتحاد على علاقة طيبة وكانا يتبادلان الهدايا، فمثلا أهدى عام 1884 السيد برغش شقيقه 22 ألف روبية كمعونة لمواجهة الحركات الداخلية في عمان في العام السابق وفي سنة 1886 أهداه السفينة البخارية -سلطاني- واليخت (دار السلام)، وفي مارس سنة 1888 قام برغش بزيارة عمان وقضى أسبوعا في ينابيع بوشر الحارة أملا في التخلص من مرض أصابه، وعامله تركي بمودة واحترام كبيرين، وتلقى منه بعد ذلك هدية قدرها خمسون ألف روبية، ومات الشقيقان خلال ثلاثة أشهر من لقائهما الأخير·
ويذهب المؤرخون إلى أن الفترة الأخيرة من حكم السيد تركي شهدت هدوءا حتى وفاته عام ،1888 بعد أن ترك وراءه مملكة تتميز بقدر من التنظيم والاستقرار مما جعل ابنه وولي عهده فيصل يتولى مقاليد الحكم في جو سلمي، وقد أولى هذا الأخير اهتماما للوضع الداخلي بهدف تقوية الجبهة الداخلية ومن أجل ذلك كون جيشا قويا جعل قيادته لأخيه فهد الذي قام بأكثر من حملة لتوطيد الأمن في ربوع عمان·
من ناحية أخرى اتسمت سياسة السلطان فيصل بن تركي بالتوازن في علاقة عمان بكل من بريطانيا وفرنسا، ففي عام 1894 وافق على إنشاء قنصلية فرنسية في مسقط، كما أعطى للفرنسيين امتيازا بإنشاء مستودع للفحم في منطقة الجصه في عام 1898 وعندما علمت بريطانيا بذلك أرسلت المقيم السياسي في الخليج كولونيل 'ميد' إلى مسقط مبعوثا من نائب الملك في الهند ثم تبعه الأدميرال دوجلاس، وبعد مقابلتهما للسيد فيصل انتهى النقاش إلى أن لعمان الحق في الارتباط بعلاقات خارجية مع أي دولة من الدول وان عمان على استعداد لعقد معاهدات تجارية وود وصداقة مع بريطانيا، واستمر حكم السيد فيصل حتى وافته المنية في عام 1913 ليخلفه ابنه الأكبر تيمور·
تيمور ·· واتفاقية السيب
تولى السيد تيمور دفة الحكم في ظروف صعبة على المستويين الداخلي والخارجي حيث شهدت عمان صراعات داخلية كما أن شبح الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918 أخذ يلوح في الأفق، والأزمة الاقتصادية كادت تخنق معظم الدول، وقد حاول السلطان تيمور أن يتجنب كل ما يمكن تجنبه من هذه الأزمات والمصاعب إذ حاول أن يخلق نوعا من الاستقرار السياسي الذي يترتب عليه تحسين الوضع الاقتصادي، ولهذا بادر بعقد اتفاقية السيب عام ·1920
كما قام بإصلاح الوضع الاقتصادي بأن استقدم ثلاثة من الخبراء المصريين لتطوير نظام الجمارك في مسقط كما شكل أول مجلس للوزراء في تاريخ عمان برئاسة نادر بن فيصل، ولم يلبث أن عين ولده السيد سعيد رئيسا لمجلس الوزراء عام ،1926 ومن أهم الأحداث في عهده أيضا توقيع أول اتفاق بين عمان وشركة داركي للتنقيب عن النفط في السلطنة ،1925 إلا انه لم يتم اكتشاف أي من آبار البترول في عهده الذي امتد إلى عام 1932 حيث تنازل في ذلك العام عن الحكم لولده السيد سعيد وذلك لأسباب صحية ألمت به·
وبعد تولي السلطان سعيد بن تيمور الحكم وجد أن العالم يعاني معاناة شديدة من وطأة الأزمة الاقتصادية التي تجتاحه، لذلك اختط لنفسه سياسة مالية اتسمت بعدم تحميل البلاد بما لا تطيق من الديون، وقرر أن ينفق في حدود دولته والتزم بتسديد ما على الدولة من ديون، كما اتخذ خطوات لتدعيم علاقاته الخارجية، فقام بجولة في عام 1937 زار فيها اليابان والولايات المتحدة الاميركية واجتمع مع رئيسها روزفلت الذي استقبله وتبادل معه الهدايا فكان أول حاكم عربي يزور الولايات المتحدة الأميركية، ومنها سافر إلى بريطانيا حيث استقبله الملك جورج الخامس، ثم انتقل إلى فرنسا فايطاليا وأخيرا الهند التي عاد منها إلى مسقط، وفي عام 1944 قام برحلة إلى مصر واستقبله ملكها فاروق، ثم زار القدس عاصمة فلسطين·
وفي عهده وقع حدثان كبيران أولهما هو حل الخلافات مع السعودية التي كانت قائمة حول واحة البريمي إيمانا منه بوحدة التراب العماني، أما الحدث الثاني فهو منح شركة تنمية عمان امتيازا للتنقيب عن النفط في السلطنة وفعلا تم اكتشاف النفط وتم تصديره منذ أغسطس ·1968
وقد وفر الحدث الأول الهدوء بالنسبة للجبهة الداخلية ووفر الحدث الثاني الدعم المالي لبدء نهضة اقتصادية شاملة لم تلبث أن بدأت في عهد ولده السلطان قابوس بن سعيد فيما يعرف بعصر النهضة العمانية الحديثة·
آل الجلندي·· والنباهنة
هكذا إذن يبدو التاريخ كاشفا لما عرف بعد ذلك بالسلالة الخامسة التي حكمت عمان منذ صدر الإسلام والتي ظهرت بوصول الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي إلى الحكم، أما السلالات الأربعة السابقة فهي آل الجلندي وآل اليحمدي والنباهنة واليعاربة، وقد سبق لنا أن تحدثنا عن هذه السلالة على اعتبار أنها الأقرب لنا تاريخيا لأهل عمان أيضا، لكون أن بناء الدولة العمانية الحديثة لا يزال منجذبا نحو تلك الإنجازات التي تحققت في عهدها، وعلى وجه الخصوص طرد البرتغال والاتجاه صوب العالم عطاء حضاريا وتجارة وتفاعلا·
هالة الجد ·· والحفيد الصالح
ويذهب الكاتب الروسي 'سيرجي بيلخانوف' إلى القول: 'كانت لهالة الجد العظيم - يقصد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي- أهمية بالغة بالنسبة للسيد اليافع قابوس، فكان يتطلع إلى صورته ويحاول أن يتصور نفسه مكانه·· قرنان كاملان يفصلان بينهما، ولكن ما أكثر الأمور المشتركة بين الرجلين، تسلم الإمام احمد مقاليد الحكم بعد عشرات السنين من الركود والركوع·· كان البؤس والخراب في كل مكان والماضي المجيد ينمحي بالتدريج من ذاكرة الأحياء، ولكي تستعيد عمان كرامتها لابد أن تعيد إلى الناس الثقة بإمكان النهضة والإحياء'·
ذلك التأثر والأسئلة التي ما فتئ يطرحها قابوس الشاب تحولت إلى فعل بعد وراثته الحكم، لهذا لا تعد الخلفية التاريخية السابقة بمثابة تأكيد للحقائق فقط، ولكنها أرضية صلبة للفعل السياسي الراهن الآن، حيث العمل على تقوية الجبهة الداخلية من خلال الجولات الداخلية ولا غرو عندها أن يسمى بكاشف الظلام·
ولولا الخلفية التاريخية السابقة ما أدركنا عبء الحمل الثقيل الذي حمله السلطان قابوس منذ خمس وثلاثين سنة وتحول الآن إلى خير، سار وديانا ليجرف بعيدا ضغائن القبائل وتنابزها، نرى ذلك جليا في ذلك التجاوب مع جولاته السلطانية الميدانية، فقد عشنا عن قرب خروج الناس من الصباح الباكر لاستقباله من كل الأعمار صادقين فيما يذهبون إليه، وقد سألنا كثيرا منهم عن هذا الحب - الذي يبدو لنا مبالغا فيه- وتأتينا الإجابات معبرة عما في القلوب، حيث التغير ليس عبارات وشعارات ولكنه تجاوب فعلي لما تحقق على الأرض·
السلطان ·· وحراسة الشعب
التغييرعلى الأرض وفي العلاقات والإنجازات تهدف جميعها إلى خدمة الإنسان وترقيته، ولذلك ترى الناس على امتداد البصر ـ وفي كل المناطق التي يمكن أن يمر بها الموكب السلطاني ـ مهللين لمقدمه، معظمهم جاء للترحيب، وقليل منهم للشكوى، وطرح المشكلات اليومية التي غالبا ما تحل في الميدان·
قليلة هي الحراسة حوله، وكيف تكون حول سلطان يحرسه أهل بلده ؟!، مما ينفي وجود الخوف، وحين يشاهد الزائر عن قرب تجمع الناس وانجذابهم العفوي، يدرك حقائق في نصاعتها تتجاوز ما نراه على شاشة التلفزيون والقول أن الأمر شورى مع الشعب لا ريب فيه، لكن السلطان وحده هو صاحب الحل والعقد·
ومن الناحية الواقعية فقد حاولنا جاهدين تتبع جولاته السلطانية، ورغم أننا زرنا ولاية واحدة كان موكبه فيها على بعد أمتار منا وحالت أسباب عديدة دون حضور جلساته، وكنا على متن سيارة إلا أننا تعبنا من السفر برا لصعوبة التضاريس، لكن هذا السلطان الذي هو في منتصف العقد السابع ما كان ليتراجع عن عادة ديموقراطية عود عليها شعبه، لا شك أن خيمته السلطانية تتوفر فيها وسائل الراحة، لكن ذلك لا ينفي التعب المتراكم خلال أيام يقضيها في تلك الجولات تصل أحيانا إلى ثلاثة شهور·
ليس الكلام هنا عن شخص خارق ـ حتى لا يعتقد القارئ أننا نقدم الوهم هناـ ولكنه حديث يتعلق بالفعل السياسي لزعيم وقائد اتخذ الشورى أسلوب حياة وحكمته ضوابط الدين ·· يعيش لشعبه، وبشعبه يسعى للتغيير في الحياة نحو الأفضل، مستحضرا تراكمات التاريخ على ما فيه من تراجع، ولا يريدها أن تكرر مرة أخرى·
ولأن دولته تعيش الآن زمن صحوة، فإنه يعمل مع شعبه من أجل أن لا تتلبد سماء عمان بالغيوم مرة أخرى، معتمدا في ذلك كله على الموروث الثقافي، لكن كيف يرى الشعب العماني ذلك الموروث ؟ وما هي طريق العودة لتنوير الحاضر؟ وما المشترك بين الشعب العماني ؟ ومع علاقته بالعرب وبالعالم بخصوص هذا الموضوع ؟·· نتابع إجابات هذه الأسئلة وغيرها في الحلقة المقبلة
الحلقة المقبلة:
موروث الأصوات والكلمات ·· والذاكرة الجماعية

اقرأ أيضا

جزيرة مايوت الفرنسية تستعد لإعصار "بيلنا"