الاتحاد

تقارير

مسلمو كمبوديا··· لا مكان للإرهاب

مسلمو كمبوديا محصنون ضد التطرف

مسلمو كمبوديا محصنون ضد التطرف

في كرويامونتري وغيرها من البلدات المتناثرة عبر أرجاء كمبوديا، يعيش المسلمون وغير المسلمين جنباً إلى جنب في انسجام وتناغم، لا يعكر صفو تعايشهم ذلك الكوكتيل السام المتمثل في القمع الحكومي والطموحات الانفصالية والتشدد الإيديولوجي الذي يطبع العديد من البلدان المجاورة· وفي هذا الإطار يقول أوك روس، وهو من سكان البلدة: ''إنني أعيش مع جيراني المسلمين منذ نعومة أظافري··· وحين يكون ثمة حفل زفاف مثلاً، نجتمع كلنا ونحتفل سويّاً''· ولكن مع تدفق الأموال من بعض الدول الشرق أوسطية على كمبوديا، فإن الكثيرين يخشون أن تسقط الجالية المسلمة، التي يقدر عدد أفرادها بنحو 400 ألف شخص، في فلك نوع أقل تسامحاً من أشكال التدين· وفي هذا السياق قال السفير الأميركي المنصرف جوزيف موسوميلي محذراً في أغسطس الماضي: ''هناك بعض المنظمات الشرق أوسطية المتشددة جداً وغير المتسامحـــة التي تحاول بشتى الطرق تغيير موقف السكان المسلمين هنا''·
وحسب العديد من المراقبين في هذه البلاد، فإن التاريخ المعاصر والجغرافيا والمبادرة الحكومية كلها عوامل تضافرت على نحو فريد لدعم وتعزيز التسامح السائد في كمبوديا· ففي تايلاند والفلبين، تتركز الجاليات المسلمة في مناطق منعزلة ومنفصلة -ومهمشة في الغالب- كانت تابعة ذات يوم لممالك قديمة كان ينتمي إليها هؤلاء المسلمون؛ حيث يقاتل الانفصاليون في جنوب تايلاند من أجل شكل أوسع من أشكال الحكم الذاتي منذ ،2004 وفي منطقة مينديناو الفلبينية منذ عقد السبعينات· أما مسلمو كمبوديا، الذين يشار إليهم أحياناً باسم ''تشام''، نسبة إلى مملكة تشامبا القديمة- فقد عاشوا على الدوام منتشرين عبر مختلف مناطق البلاد غير مركزين في منطقة بعينها· وفي هذا السياق يقول عثمان يسا، وهو مؤلف كتابين حول مسلمي كمبوديا: ''إننا لا نعيش في مناطق منفصلة ومنعزلة، ولا نريدها··· لأننا نعتبر هذا البلد بلدنا كله''·
وحتى اليوم، ينبذ المسلمون هنا الأفكار الراديكالية، وإن كانت ثمة بعض الاستثناءات حيث اعتقلت السلطات في 2003 مواطناً كمبودياً إضافة إلى مصري وتايلانديين للاشتباه في علاقتهم بـ''الجماعة الإسلامية''، التي تعد فرعاً من فروع ''القاعدة'' في جنوب آسيا· وحسب عدد من الزعماء المسلمين، فإن تاريخ كمبوديا المعاصر، المظلم والفريد من نوعه، يفسر جزئياً لماذا ظل شكل الإسلام المنتشر في كمبوديا مسالماً ومتسامحاً· ذلك أنه عندما استولى الخمير الحمر الشيوعيون المتشددون على السلطة في البلاد عام ،1975 حظروا الدين وشرعوا في تقتيل المسلمين· وحين سقط نظام الخمير الحمر في ،1979 كان نحو 500 ألف مسلم قد قُتلوا -أي ما يناهز 70 في المئة منهم- حسب إحدى الدراسات التي أنجزها عثمان يسا·
ونتيجة لذلك، فإن عنف ''القاعدة'' اليوم يذكِّر الزعماء المسلمين بممارسات الخمير الحمر· ويقول سلي ري، مدير التعليم الديني في ''المركز الإسلامي الكمبودي''، الذي يعد أكبر مدرسة إسلامية في البلاد ويقع بالقرب من العاصمة ''بنوم بنه'': ''حين كانت كمبوديا خاضعة لحكم بول بوت، كان الخمير الحمر يشبهون القاعدة''· ومن جانبه يقول يوسف بن أبي طالب، وهو شيخ بلدة تشوي تشانجوا القريبة من ''بنوم بنه'' حيث تعيش نحو 300 عائلة مسلمة: ''لقد عانينا بما فيه الكفاية··· إننا محبطون جداً من إرهاب القاعدة لأن الله يأمرنا بألا نقتل الناس''·
وتعد البوذية دين الدولة في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 14 مليون نسمة، ولكن دستور البلاد يكفل حرية التعبد· فخلافاً لما هو عليه الحال في الصين حيث تُتهم الحكومة الشيوعية بتقييد حرية المسلمين في التعبد، فإن حكومة رئيس الوزراء ''هون سين'' بنت مساجد كبيرة للمسلمين وخصصت فترات للبرامج الإسلامية في محطات الإذاعة· وعلاوة على ذلك، فإن المسلمين يتمتعون بقوة سياسية حقيقية حيث يتقلد نحو اثني عشر منهم مناصب سياسية رفيعة، بل إن ''سين'' لديه مستشاره الخاص في الشؤون الإسلامية·
ولكن ثمة مخاوف من أن يتأثر الإسلام المعتدل في كمبوديا بقوى خارجية· فخلال الأشهر الأخيرة مثلًا، تقوّت العلاقات بين كمبوديا وبعض الدول الشرق أوسطية التي تنظر إلى كمبوديا كزبون محتمل لنفطها ومَصدر للمنتوجات الزراعية· وهناك مخاوف اليوم من أن تفتح الأموال الباب أمام أفراد ومؤسسات خاصة تسعى للتأثير على السكان المسلمين هنا· وسواء كانت هذه التخوفات مبررة أم لا، فإن ''مكتب التحقيقات الفيدرالي'' الأميركي، ''إف بي آي''، فتح العام الماضي أول مكتب له في كمبوديا، مشيراً في هذا الصدد إلى وجود خطر للإرهاب حيث قال مديره روبرت مويلر خلال افتتاحه المكتب الجديد: ''إن كمبوديا بلد مهم بالنسبة لنا بالنظر إلى عدد الأشخاص الذي يمرون بها -بعبارة أخرى، إمكانية استعمال كمبوديا لأغراض إرهابية''·
وفي ذات السياق، أعلن رئيس الوزراء الكمبودي في سبتمبر الماضي عن قانون جديد يقضي بفرض مراقبة أكثر صرامة على المنظمات غير الحكومية حيث قال ''سين'': إن الإرهابيين قد يأتون إلى الحكومة الملكية لكمبوديا ويختبئون تحت ستار المنظمات غير الحكومية''· غير أن بعض المنتقدين يردون على ذلك بالقول إن القانون الجديد لا يستهدف الإرهابيين، وإنما المنظمات غير الحكومية التي تنتقد إدارة ''سين'' عادة·
وفي هذه الأثناء، وبينما يزداد القلق من الإرهاب في كمبوديا، فإن المسلمين هنا، ومنهم أبو طالب، يقولون إنهم سيكونون أول من سيتصدى له ويحاربه·

ديفيد مونتيرو - كمبوديا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا