الاتحاد

ثقافة

«رحلة عبر مصر» يوثق مظاهر الحياة المصرية في القرن التاسع عشر

لوحة في المعرض تعكس ما تقدمه الأعمال من تسجيل الأحداث في بعدها الحقيقي (تصوير متوكل مبارك)

لوحة في المعرض تعكس ما تقدمه الأعمال من تسجيل الأحداث في بعدها الحقيقي (تصوير متوكل مبارك)

إبراهيم الملا (الشارقة) ـ يكشف معرض «رحلة عبر مصر» المقام حالياً بمتحف الشارقة للفنون والذي يضم مقتنيات نادرة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عن مدى افتتان الرحالة والمصورين والرسامين المستشرقين بالمناخات الروحية والدينية المشبعة والأثيرة، في ظلال وبقايا الأديرة والمعابد والكنائس والمساجد والشواهد المطمورة والشاخصة أيضاً في أقاليم مصر وأراضيها الشاسعة إبّان القرن التاسع عشر.
ثراء تصويري
ولم تغفل رسومات هؤلاء الرسامين القادم أغلبهم من أوروبا والمنفذة أعمالهم بتقنية (الليثوغراف) أو الطباعة الحجرية عن توثيق مظاهر الحياة الاجتماعية والتجارية والطقوس اليومية لسكان هذه الأقاليم، وهي بدورها أعمال أضافت الكثير من الحيوية وساهمت في التواصل والتعرف عن قرب على معالم وسيرة الأمكنة والشخوص، وكذلك القبض على التفاصيل والجماليات والتباينات المشهدية والبصرية التي لم تستطع المذكرات والوثائق المكتوبة والخرائط المحايدة أن تعطيها حقها من الثراء التصويري والتضامن الوجداني مع الحس البشري الحاضر والحار، وسط تنويعات لونية تعيد إنتاج الزمن بكل بهائه المفتقد في تلك اللحظة البصرية والتفاعلية الطازجة التي نفذت فيها اللوحات.
يضم معرض «رحلة عبر مصر» سبعة وستين عملا فنيا اعتمدت بشكل أساسي على الألوان المائية، وكان النصيب الأكبر من هذه الأعمال للفنان الاسكتلندي دافيد روبرتس الذي يحتفي المعرض باثنين وستين عملا له تم انتقاؤها لقربها وتماسها الشديد مع عنوان المعرض، بينما قدم المعرض لوحتين للفنان البريطاني أوغسطس أوزبورن لامبلوج، ولوحة واحدة لكل من الفنانين البريطانيين إدوارد جودال، وشارلز هيد، وهاري فين.
لوحات المعرض
وتعكس لوحات المعرض في مجملها حالة من الشغف الداخلي الذي انتقل من المنطقة الافتراضية والحلمية لدى هؤلاء الرسامين إلى منطقة الاحتكاك الواقعي الذي ينزاح فيه التخيل الاستشراقي والحكم الاستباقي المتراكم، باتجاه حيز آخر يقوم على تسجيل الأحداث في بعدها الحقيقي الذي لا يحتمل المبالغة التزيينية المستندة على العاطفة المضمرة أو التعبير المختزن.
من جهة أخرى، فإن بعض اللوحات تتوسل هذا التملّص من الواقعية الخشنة والتي تصل لحدود الصدمة من خلال التشذيب والصقل والحدة اللونية، وسطوع الألوان الحارة، خصوصا عند تصوير المظاهر الفلكلورية والملابس والأسواق الشعبية والمعاملات اليومية التي تأخذ فيها التفاصيل اللونية نصيبا أكبر من اهتمام الرسام الذي يبدو غريب اللغة واللسان، ولكن أنامله تترجم انطباعاته المتدفقة والنابضة بغض النظر عن تناغم هذه الانطباعات مع مرجعيته الذهنية السابقة أو تنافرها.
يذكر أن حالة الفضول والبحث والتقصي التي استحوذت على الرحالة الأوروبيين تجاه مصر خصوصا، كانت تتغذى من نتائج حملة نابليون بونابرت على مصر في الفترة من 1798 وحتى 1801، والتي مهدت لزيارات لم تنقطع بعد ذلك من قبل العلماء والآثاريين والرسامين والمتخصصين بعلم الأعراق وأسرار الحضارة الفرعونية.
كما أن التأثيرات الأقدم من هذه الحقبة والتي استحوذت على مخيلة الرسامين والأدباء المطلعين على الميراث القصصي الساحر في كتاب ألف ليلة وليلة، والتي كان لها دور مفصلي في ولادة مصطلح الاستشراق، حيث جاءت أعمال معرض «رحلة عبر مصر» كي تشتبك مع أصداء وظلال هذا الكتاب العجائبي في اللاوعي الجمعي لدى الطبقة المثقفة في أوروبا آنذاك، وبغض النظر عن التأثيرات المنحرفة للمطامع الاستعمارية في المنطقة، وتحول بعض الرحالة والمصورين إلى جواسيس وعيون خفية لمراكز هذا الاستعمار في أوروبا، إلا أن المآثر الفنية والإبداعات التصويرية والتفاصيل المشهدية الناقلة لفترة تاريخية مطموسة ومغيبة بصريا، كان لها دور كبير أيضا في الاحتفاظ بكنوز معرفية وإنسانية لا تقدر بثمن، ولعل في تخطيطات ديفيد روبرتس للمعالم الآثارية في مناطق بعيدة عن القاهرة، ما يشي بالولع الذاتي لدى الفنان في تخليد الأوابد المهددة بالتلاشي والضياع والاندثار، وكانت لوحاته الموثقة للمعابد المهيبة والتماثيل الفارعة والكتابات الغامضة في آثار الأقصر والكرنك بصعيد مصر تبدو وكأنها مشغولة بعناية تتعدى الطابع الرسمي لزيارة المنطقة، وتنحو باتجاه النشوة الفنية التي يصدّرها الفنان روبرتس اعتمادا على انبهاره وتماهيه مع روعة التصاميم الهندسية عند الفراعنة وهيبة الطقوس الدينية الموغلة في الكتمان، والمطرزة بصمت فائض، يكاد ينطق في تقاطيع الحجر.

اقرأ أيضا

64 شاعراً يجتمعون «في رثاء سلطان بن زايد»