الخميس 30 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
السلع الاستفزازية تثير غضب الفقراء
9 أغسطس 2005

الخرطوم- أحمد طه:
لم تعد الطبقة المتوسطة التي كانت حتى زمن قريب نواة للمجتمع السوداني وقلبه النابض تتمتع بنفس الميزات والخصائص التي تجعلها تعيش هانئة البال، مستورة الحال، فقد أسهم التضخم الاقتصادي الذي لم تسلم من ناره دولة من دول العالم الثالث، في إيجاد طبقتين غنية وفقيرة، ولم يعد للطبقة المتوسطة وجود في اغلب المجتمعات الاستهلاكية· وبالرغم من الثراء الفاحش الذي جعل أصحاب الطبقة الغنية في السودان ينعمون بالكماليات، فإن هناك أناساً يصارعون من أجل توفير النزر اليسير من الضروريات، وفي الوقت نفسه يشاهدون الأسواق تكتظ بالسلع الاستفزازية التي لا يأكلون منها أو يقتنونها إلا بأعينهم بسبب الغلاء الفاحش وضعف الرواتب التي لا تستقر في جيوبهم لأكثر من أيام معدودة·
أرزاق
الاتحاد التقت عدداً من المتسوقين في الأسواق الذي أجمع معظمهم على عدم تمكنهم من شراء السلع كغيرهم، ويقول احمد علي حسين (سائق ركشة) إنه يشعر بالحرج عندما يكون أبناؤه بصحبته في السوق، حيث يشاهدون الأغنياء يشترون ما لذ وطاب من مأكل وملبس، بينما يقف الفقراء في مفترق الطرق، فالأبناء يريدون أن يكونوا مثل أقرانهم سكان الأحياء الراقية لأنهم لا يعلمون شيئاً عن ضيق ذات اليد·· والآباء الفقراء ليس بمقدورهم تحقيق أمنيات أبنائهم·
ويشعر أيضاً حسين عبدالفتاح بحرج شديد عندما يطلب منه ابنه الصغير نوعاً من أنواع الفاكهة غالية الثمن، ولا يستطيع الإجابة عندما يعود الى البيت من العمل دون أن يحمل معه كيساً مملوءاً بمختلف أنواع الفواكه النادرة· ويضيف نحن نؤمن أن الأرزاق بيد الله، سبحانه وتعالى، ولكن نتمنى ان تدعم الدولة السلع التي تستفز مشاعر الفقراء وتثير حنقهم على الأغنياء، مثل الفاكهة والأسماك واللحوم التي لا يستطيع بعض الفقراء شراءها لأكثر من مرة او مرتين في الشهر·
غير أن سلمى عبدالله (ربة بيت) تؤكد ان السودان بخير وتتوفر لديه كل الامكانيات التي تؤدي بالتالي الى انخفاض اسعار العديد من السلع خصوصاً الخضار والفاكهة، ولكن ما يدهش ربة البيت الارتفاع غير المبرر لهذه السلع رغم أنها أساسية وضرورية في الوقت نفسه·
قدر ظروفك
أما عائشة السماني (معلمة) فتقول إن الظروف الاقتصادية السائدة أدت الى فتح بقالات من نوع جديد تسمى (قدر ظروفك) وتُعنى بالفقراء والمحتاجين وتبيع لهم بعض السلع والمواد الغذائية بقدر حاجتهم اليومية فقط وبثمن زهيد، ما جعل أغلبت أفراد الطبقة الفقيرة يعتبرونها ملاذاً أخيراً بالنسبة لهم حينما يضيق بهم الحال·
ولا تشعر سعاد التيجاني (طالبة جامعية) بأي نوع من الحرج عندما تذهب الى بقالة (قدر ظروفك) لتأخذ كريم للوجه او رشة عطر أو غيره من الأشياء التي لا تستطيع شراءها من مراكز التسوق· وتضيف والدي يعمل بوظيفة بسيطة ولا يكفي مرتبه للضروريات، فكيف يتسنى لي ان أطلب منه مبلغاً من المال لأشتري عطراً او كريماً للوجه، انا أقدر ظروف والدي وبالتالي أمدد رجلي على قدر (لحافي) كما يقول المثل·
و يقول عبدالغني محمود (سائق تاكسي) إنه ترك وظيفته كمحاسب في البنك ليعمل على سيارة أجرة لأن المرتب لم يعد يكفي بناته الأربع اللواتي دخلن الجامعة وأصبحت مطالبهن كثيرة وغير متوقعة تماشياً من المناخ الجامعي الذي يعشن فيه، ورغم ان معظم هذه الطلبات تصب في خانة الكماليات إلا ان الفتاة الجامعية ترى انها ضرورية ولا مفر منها·
وتختلف ليلى محمود (مهندسة كمبيوتر) مع عبدالغني وتتمنى ان تكون الفتاة الجامعية اكثر وعياً من غيرها وان تشغل نفسها بالدراسة وليس الموضة والأزياء· وتضيف لقد تحولت ساحات الجامعات الى مسارح لعروض الأزياء وآخر صيحات الموضة الأمر الذي يثير الطالبات الفقيرات ويستفزهن لعدم مقدرتهن على مجارات مثل هذه الأشياء، لذا يجب ان تراعي الطالبة الموسرة ظروف ونفسية زميلتها التي جاءت من اقصى البلاد من اجل العلم فقط·
وفي أحد المتاجر الصغيرة التي اشتهرت بـ(قدر ظروفك) يقول صاحب المتجر إن هذه الفكرة الجهنمية نبعت من واقع الحال لكنها فكرة ناجحة، حيث استطاعت شريحة كبيرة من الفقراء الحصول على كل السلع الضرورية وغيرها ولم تقف الظروف المادية بينهم وبينها· ويؤكد صاحب المتجر إنه يشعر بالسعادة عندما تدخل فتاة مُعسرة وتتزين ثم تتعطر من (قدر ظروفك) لتذهب الى أي مكان او مناسبة وهي واثقة من نفسها ومن شكلها الخارجي بأقل تكلفة·
وتُثني ست البنات إبراهيم (ربة بيت) على الفكرة وتعتبرها حلاً سحرياً لجميع المشاكل ابتداء من المواد الغذائية وانتهاء بمواد التجمل التي أصبحت في غاية الأهمية بالنسبة لكل النساء بمختلف أعمارهن· وتقول إن الظروف المادية الصعبة خلقت كماً هائلاً من الأفكار البديعة التي توفر حلولاً سريعة ومضمونة لكافة المستويات الاجتماعية· ولا ينسى حسين محمد علي (موظف جمارك) سوق الأحد الذي يوفر للطبقة الفقيرة الملابس المستعملة الفاخرة التي كانوا مهووسين بمتابعة الموضة قد اشتروها ولبسوها، ثم باعوها، أو رحلوا عن الدنيا الفانية فتخلص ذووهم من مقتنياتهم ليبيعوها لمحلات (المرحوم مقاسك) التي أصبح، عدد كبير من الناس خاصة ذوي الدخل المحدود، يتوجهون اليها لشراء ما يناسبهم منها، وذلك بسبب الظروف الاقتصادية·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©