الاتحاد

الرياضي

تراث من ذهب

يعتقد البعض أن التراث هو كتاب أصفر قديم، تزين به مكتبة في مجلس فخيم، وإذا أحسن البعض الظن بالتراث فهو إذاً ماضٍ قاسٍ، صعبٍ وجاف لا ماء مثلج فيه ولا كهرباء، وبالتالي يجب أن يكون في متحف ويزوره الأجانب... وكل هذا بعيد تماماً عن حقيقة تراثنا وقيمته وما يمثله في حياتنا حاضرها ومستقبلها، هذه المعاني كلها كانت واضحة أمامي وأنا أصوغ عبر عشرة أيام كاملة البرنامج الوثائقي «تراث من ذهب» عن تاريخ رياضة الهجن في الإمارات، ثم تعمقت وأنا أشاهد افتتاح المهرجان الختامي للهجن العربية الأصيلة في ميدان الوثبة بأبوظبي، وكلا الأمرين مضافاً إليهما حديث الشيخ الجليل الراحل العظيم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله) الذي وضعته في البرنامج عن التراث والماضي يضعنا مباشرة أمام حقيقة وهي أن من لا ماض له لا حاضر له ولا مستقبل، كحقيقة وليس عبارة بلاغية تقال في المواسم والأعياد، فالماضي مهما كان صعباً وقاسياً هو الذي شكل نعيم حاضرنا، وبالتالي يجب أن يعي الجيل الجديد كله معنى وقيمة التراث بكل دروبه.
لذا أدعو كل شبابنا إلى القيام بزيارة لمضمار الوثبة ومشاهدة جانب من سباقات الهجن التي تجري هناك في هذه الأيام، ليدرك أن ما يجري في الوثبة ليس مجرد سباق هجن فقط، بل هو حياة كاملة يمكن أن نرى فيها صورة من الماضي ولنعرف كيف نجح الشيخ زايد رحمه الله في أن يعيد لهذه الرياضة مكانتها، وأن يحفظ للعرب محبتهم وإرثهم الكبير، وسندرك أن ماضينا ليس متحفاً أو صورة فوتوغرافية معلقة، بل هو صورة حية ناطقة بكل ما في روحها القديمة.
إن ما يقدم في الوثبة هذه الأيام ليس مجرد سباق رياضي للهجن، وليس سباقاً بين الإبل الأبكار واللقايا والثنايا، بل هو أعمق من هذا وأبعد بكثير، ولمن يريد أن يعي ويفهم ينبغي عليه القيام أولاً بزيارة الوثبة، وهي غير بعيدة، فهناك ستلمسون رحلة الإنسان عبر حقب وممرات تاريخية طويلة صنع فيها إنسان الإمارات رياضته وروض فيها إبله، وساقها وصاغها ووضع قوانينها وتفهم لغتها وغضبها وفرحها في منظومة خالدة حتى الآن.
وفي حديثي مع معالي الشيخ سلطان بن حمدان بن محمد آل نهيان مستشار صاحب السمو رئيس الدولة رئيس اتحاد سباقات الهجن حول رياضة الهجن عرفت كيف يؤمن هذا الرجل برسالته وكيف يؤمن بما يفعل من أجل إنسان الإمارات في البادية والحضر على حد سواء، والعمل على إنعاش الاقتصاد وتشجيع الملاك على شراء الإبل وتربيتها، وتشجيع المضمرين على استخدام أفضل السبل لإنتاج سلالات قوية وبات الأمر الآن منظومة دقيقة تسير كما تسير الأفلاك، لكن الأهم هو إعادة ماضينا إلينا قبل أن تندس يد خفية وتمحوه وتمحو معه شخصيتنا ورياضة الهجن فيها.
رسالة ما يجري في الوثبة تقول لنا إن أجدادنا وآباءنا عاشوا هنا، وتربوا وماتوا هنا، وكانت هذه الرياضة جزءاً من حياتهم ومن أشعارهم وحكاياتهم، وما يقدم هناك أروع من أن يصاغ في كلمات.
البعد الخامس
إن ما قدمه الشيخ زايد حكمة من ذهب... فرأينا تراثنا بقي وما ذهب، واستفاد وعرف كل من راح للوثبة وذهب.


Yakoob.Alsaadi@admedia.ae

اقرأ أيضا

16 دولة تشارك في «انفيوجن» للكيك بوكسينج