الأحد 2 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

صناعة الفرعون

25 ابريل 2017 00:18
قديماً اختلق الإغريق آلهة للإلهام سموها «Muse»، وزعموا أنها تنفث في رؤوس الشعراء والفنانين والأدباء والفلاسفة العلم واختلق العرب شياطين الشعر، وجعلوا لكل شاعر عظيم شيطاناً يختص به. وكل ذلك للإيهام بأن عبقرية الشاعر والأديب والعالم منحة روحانية تتجاوز قدرات البشر وتتعالى عليها، وتمدّه بقوى غيبية خارقة تجعله فوق الناس، فهو مؤيّد برسالة كونيّة من نوع آخر، فحُق لأتباعه أن ينصبوه في الموقع الذي يستحقه بين النجوم بالإضافة إلى ميل الإنسان للانتساب للطرف الأقوى. ولا يخلو الأمر من بعض علماء الدين سابقاً ولاحقاً الذين استغلوا هذا الأمر بأن يتم تنصيبهم هم باسم الدين فيقول لك الشيخ فلان والشيخ علان ويتبارى أتباعهم لنصرتهم ودعم كلامهم ويخلقون لنا «فراعنة جدداً»، وتناسوا أنهم بشر يصلح كلامهم لزمانهم ومناطقهم، وكم من عالم كبير غير فتواه بعد أن كبر وتعلم أكثر أو انتقل من بلد إلى بلد آخر، ولكن الأتباع لا يقبلون بنقاط الضعف الإنساني في عالمهم وأن أغلب نشاطاتهم الدينية والفكرية تعتبر اجتهادات بشر يوافقهم ويختلف معهم علماء آخرون وليس معنى ذلك أن رأي هذا العالم صحيح، وذلك العالم مخطئ، ولكن «الأتباع والمريدون» هم من يصبحون ملكيين أكثر من الملك نفسه ‏قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ...)، «سورة التوبة: الآية 31»، فيصنعون لمشايخهم «هالة وقدسية» لا يجوز فيها الخطأ وكم من مرة اختلف الصحابة في أمور ووافق الرسول رأي هؤلاء وهؤلاء ولم يخطئهم، ولكن العيب فينا نحن ننتصر لعالم أو شيخ بعينه لأسباب ومصالح خاصة بكل إنسان وقس على ذلك مشجعي الأندية الذين لا يقبلون كلمة على ناديهم أو لاعبهم المشهور ومحبي المطربين، حتى عشاق ماركات السيارات والهواتف والملابس ينتصرون لما يحبون ويدافعون عنه، فلماذا لا يكون للحق أكثر من وجهة نظر؟ فهي رحمة بالعباد، ولكن «صناعة الفرعون» لدى البشر تطغى على الحقيقة ولو كانت مخالفة لرأينا، فلماذا لا نمعن العقل فيما نحب ونرغب ونتقبل الطرف الآخر بحيث تظل هذه وجهة نظره ولنا نحن وجهة نظرنا، فنحن نذهب للقاضي وكل واحد منا لديه رأيه المقتنع به وبعد حكم القاضي نتقبل الحكم سواء كان لنا أو علينا، إذاً نحن نملك الآراء ولا حق لنا في فرضها على الآخرين ويوفى كل إنسان حسابه عند ربه وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَ?هَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)، «سورة المائدة: الآية 116»، الكل سوف يرحل ولكن يبقى الأتباع الذين يرفعون علماءهم ومشايخهم إلى مستوى ملائكي لم يطلبه منهم علماؤهم، ولكن لإحساس هؤلاء الأتباع بأنهم يجب أن يتبعوا شيخاً أو عالماً غير عادي، وبالتالي هم «كأتباع.. أيضاً.. غير عاديين»، وهذه رأس الأفعى وآفة كل ملة ومذهب ودين فهناك «مصلحة شخصية» من صناعة الفرعون.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©