الاتحاد

تقارير

العراق في اليوم التالي··· ماذا وراء الحواجز الإسمنتية؟!

العراق في اليوم التالي··· ماذا وراء الحواجز الإسمنتية؟!

العراق في اليوم التالي··· ماذا وراء الحواجز الإسمنتية؟!

بالنسبة لأي عائد إلى بغداد هذه الأيام سبق له أن قضى فترة من الوقت هنا خلال أحلك أيامها قبل عامين، حين شلتها الكراهية الطائفية وقلبها المسلحون الذين يزرعون اليأس والإحباط، فإن الاستنتاج الذي لا مفر منه: ''لقد انتهت الحرب''، مثلما قال حيدر العبودي، وهو بائع متجول·
وبالفعل، فقد وضعت الحرب أوزارها في العراق، أو على الأقل الحرب كما كان يراها العراقيون ويعيشونها خلال أعوامها الخمسة الأولى: التمرد، التطهير الطائفي، معارك النفوذ بين العصابات المسلحة، السعي العبثي للبقاء على قيد الحياة· بعبارة أخرى: الحرب الأهلية·
في الوقت الراهن على الأقل، انتهت الفوضى، وكذلك الحال بالنسبة لكثير من القوى التي أُطلقت من معاقلها مع الغزو الأميركي للبلاد عام ،2003 مما حول العراق إلى ساحة للفظاعات والأعمال الوحشية· في ذلك العراق، كان الأميركيون الحَكم النهائي والأخير، ونتيجة لذلك، فقد جردوا من الشرعية كل ما خلفوه وارءهم·
لا نقصـــد بذلـــك القول إن السلام استتب في العراق· فعــــدد القتلى لا يزال مرتفعــــاً· كما لا نقصــــد القـــــول إن ثمــــة انتصاراً، فحين تنطق هــــذه الكلمــــة في وجــــه أي عراقي، ترى عليه علامات الدهشــــة والحيرة· انتصار من؟ الأكيد أنه ليس انتصار عشرات الآلاف من المدنيين الذين قُتلوا في الاشتباكات المسعورة والمجنونــــة لتلــــك القــــوى·
بغداد اليوم تبدو إلى حد كبير كجنوب لبنان عقب حرب صيف 2006 التي دارت بين إسرائيل و''حزب الله''، المنظمة الشيعية التي اشتبكت مع إسرائيل في حرب لم تفرز غالباً ولا مغلوباً· فقد خرج الناجون من تحت أنقاض منازلهم ومكاتبهم ومتاجرهم وعلى وجوههم ابتسامة الرضا لأنهم مازالوا على قيد الحياة· لكنهم سرعـــان ما وقفوا على الدمار الذي خلفه الاقتتال من حولهـــم· فتتجهم وجوههم بعد أن أدركوا حجم المهام التي تنتظرهم·
''لا نعلم ما هي الخطوة التالية؟''، هذا ما قاله شيدرك جورج، وهو أحد المارة يوم التاسع من أبريل 2003 بينما كان يتابع لحظة إسقاط تمثال صدام حسين بساحة الفردوس، مضيفاً أن كل شيء مازال غامضاً و''نريد أن نعرف ماذا سيحدث من بعد''·
على امتداد تاريخ بغداد الذي يتجاوز 1250 عاماً أطلق عليها سكانها ألقاباً عديدة، وكان مؤسسها أبو جعفر المنصور يلقبها ''مدينة السلام''، مدينة كانت أسوارها دائرية على نحو بارع ومتقن إلى درجة أن أحد المعاصرين قال إنها صنعت في قوالب قبل أن تنصب· وكانت بغداد في عهد صدام حسين شاهداً على جنون العظمة الذي كان مصاباً به ذلك الرجل: مدينة مترامية الأطراف ذات حس من الفخامة· لكنها بعد سقوطه عريت لتكشف عن وجه من الطوب والطين وتتحول إلى مدينة هشة كحال سكانها، وتصبح ''مدينة الفوانيس'' بسبب انعدام الكهرباء، مدينة أشباح يحيط بها الخوف من كـــل جانب، مدينة مهجورة· ثم سرعان ما جاءت هندسة الاحتلال التي حجبت الأشياء كما يحجب الستار ما وراءه عبر نصب حواجز إسمنيتة ذات لون رمادي قاتم كلون سماء مكفهرة غائمة· بغداد اليوم هي مدينة هذه الأسوار والحواجز الإسمنتية·
فحي الدورة، مثلاً، يبدو كواحد من تلك السجون مشددة الحراسة، يكمل تفاصيله برج مراقبة متهالك· وحي السيدية لديه مدخل واحد، مما يجعل طوابير السيارات والمركبات تمتد أحياناً على طول ميل كامل· مدينة الصدر مغلقة، ومقسمة إلى ثلاثة أقسام· العامرية مسورة شأنها في ذلك شأن أحياء الحرية والشعلة والبياع والأمين: لا أحد بإمكانه أن يرى ما في الداخل، ولا أحد يستطيع أن يطل على الخارج·
وبعد عامين، لم يتغير شيء من هذا المشهد سوى أوجه الأسوار التي رسمت عليها شعارات تفخر ببسالة وشجاعة بعض وحدات الجيش العراقي من قبيل: ''لواء الأسد سيظل أسداً''، أو تحذيرات مثل: ''احترم تحترم''، أو شعارات وطنية مثل ''عاش العراق الجديد''· بينما تحول بعضها إلى لوحات جدارية التفت على الماضي العربي المعاصر للعراق لتعانق وتحتفي بأمجاده السومرية والبابلية القديمة· وتحول بعضها الآخر إلى لوحات لإعلانات وكالات الأسفار والصرافات والمكاتب العقارية التي تقيها وتحميها·
''دولة مدمرة''· هذه هي العبارة في وصف ما خلفه الأميركيون وراء تلك الأسوار، قالها محمود المشهداني بعد استقالته من رئاسة البرلمان في ديسمبر المنصرم، وقد بلغ منه الغضب مبلغه· لكن العبارة مازال يتردد صداها في العراق برمته، البلد المنهك الذي يطغى عليه اللون البني، لون الفقر، وبغداد، حيث يبدو كل شيء هذه الأيام ملتوياً أو ممزقاً، مبعوجاً أو مكسوراً، عالقاً في الأسلاك الشائكة التي فقدت بريقها· والحقيقة أن نهاية الحرب هذه تبدو كهدنة أكثر منها اتفاقية، وفترة راحة أكثر منها مصالحة· إذ ليس ثمة إحياء أو نهضة أو احتفال·
''هش''، هي الكلمة التي يستعملها المسؤولون الأميركيون لوصف حال العراق اليوم، وهو بالفعل كذلك· ففي هذه اللحظة يبدو البلد كما لو أنه يستطيع استرجاع عافيته، من الناحية الاقتصادية على الأقل، بالنظر إلى احتياطيات النفط التي يزخر بها وتعد الثانية من نوعها في العالم· لكنه يبدو من جهة أخرى كما لو أنه سيظل بلداً ضعيفاً منقاداً معتمداً على أميركا التي تبدو مصممة على إملاء مستقبله·

أنتوني شديد -بغداد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا