تقارير

الاتحاد

شباب مصر... وثقافة الحوار

فانيسا باسيل
صحفية لبنانية


بعد مرور عامَين على نزول الشعب المصري إلى الشارع للمطالبة بإسقاط النظام السابق، ينظر المصريون اليوم إلى النتائج التي حققوها في التعبير أخيراً عن رأيهم من خلال التجمّعات الشعبية من جهة، وصناديق الاقتراع من جهة أخرى. غير أن الأوضاع المعيشية والاقتصادية للعديد من المصريين تراجعت أيضاً، وتلاشى الأمن وغاب الاستقرار في ظلّ انتشار العنف في البلاد.
أما الفئة الشبابية في مصر، فتبدو هي الأكثر استياءً من الوضع القائم. وعلى رغم أن بعضها غلب عليه اليأس والإحباط، فإن العديد من الشباب ما زالوا يعملون جاهدين للتغلب على الاختلافات السياسية والإيديولوجية والدينية من أجل الانتقال الديمقراطي السلمي. ويسترجع محمد فتحي، وهو مصمم جرافيكي ومصوّر مسلم، شريط الذكريات قائلاً: «كنا فرحين لأننا كنا جزءاً من التغيير ومتفائلين بمستقبل جميل. غير أن الأحداث المتتالية أثرت على حالتنا النفسية». وإذ يعرب محمد عن خيبة أمله في الأوضاع التي آلت إليها مصر، فهو يتحدث في المقابل عن «التضامن الجميل» الذي وحّد الناس أيام الثورة.
أما رومل برصوم وبيشوي صادق، وهما طالبان مسيحيان من الطائفة القبطية يدرسان الطب والصيدلة على التوالي، فهما يؤيّدان فصل الدين، أي دين، عن الدولة. إلا أن رأيهما لا يؤثر على علاقاتهما الاجتماعية، حسب ما يقولان. فلديهما أصدقاء من جميع التيارات السياسية والدينية، ويريان أن «احترام الاختلاف أساسي لتفادي العنف في جميع أشكاله، ولاسيما في المرحلة الحالية الحساسة».
إن المشاكل التي تعاني منها مصر تحتاج إلى حلول عملية وجهود كبيرة لإنهاء المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد بأقل أضرار ممكنة. ولم يتردّد الشباب المصريون في تفعيل دورهم في مسار التغيير. فعلى سبيل المثال، تحاول مي مصطفى، وهي ناشطة مسلمة، توعية الناس من حولها من خلال تعزيز مهاراتهم التواصلية. وهي تعترف: «نحن نعاني من غياب ثقافة الحوار وتقبّل الآخر. لسنا معتادين على الاختلاف في الرأي ولا نعرف كيف نستفيد منه، فينتهي عادة أي جدال بالشتائم».
ولتغيير هذا، تشارك مي في تنظيم مناظرات في المسارح والمقاهي لتدريب الطلاب على ثقافة ومهارات الإصغاء والحوار، بمشاركة شباب من مختلف الجهات الدينية والسياسية. وتتم جهودها بدعم من الجامعة الأميركية في القاهرة وثماني جامعات أخرى في مصر.
ويتعرف الشباب الذين يشاركون في هذه اللقاءات على أفكار بعضهم بعضاً من خلال العمل المسرحي المعروف بالـ«مونولوج»، حيث يقدمون وصفاً لأمر ما خبروه خلال الثورة المصرية من وجهة نظرهم الخاصة ويقدمون آراءً لدعم التغيّر الاجتماعي والسياسي.
وتوفر هذه النشاطات واللقاءات للشباب المشاركين فرصة التعبير عن آرائهم ومناقشتها والإصغاء إلى آراء الآخرين وفهمها.
ومن جهته، يشدّد محمد حلمي، المؤسس المشارك للحركة العالمية للسلام «ماستربيس» ومقرها في القاهرة، على ضرورة البحث عن أرضية مشتركة بين مختلف الفرقاء السياسيين في المشهد السياسي المصري. ولذلك، نظّم نقاشات حوارية بين سلفيين وعلمانيين في مصر لتبادل الآراء والأفكار عن المفاهيم السياسية والنظرة المستقبلية. وقد انتهت بعض تلك النقاشات بطريقة إيجابية إذ قصد المشاركون فعلاً ممارسة الحوار وتقبل فكرة أن الاختلاف حق طبيعي.
وعن ذلك يقول محمد: «لا يمكننا التعلم إلا من خلال التجربة. فالديمقراطية مسار يتطلب وعياً وعملاً تراكمياً وأرضية تسمح بالاختلاف وتدعو إلى تقبّل واحترام التنوع».
ويجمع الشباب المصريون على أهمية ترسيخ الحوار الاجتماعي-السياسي لتعزيز ثقافة اللاعنف والسلام. ويمهّد هذا لإيجاد مصالح مشتركة بين المواقف المتضاربة، الأمر الذي يساعد البلاد على الانتقال من مرحلة إلى أخرى بطريقة تحفظ حق الاختلاف.
فلا يمكن تجاوز الاختلافات إلا عبر الإصغاء للآخر والتسامح والانفتاح. وهذه هي رسالة شباب بلاد النيل اليوم، وهي التي توفر على المواطنين المصريين هدر المزيد من الدم والوقت بغية الوصول إلى برّ الأمان، وتحقيق المطالب التي رفعوها في ميدان التحرير: الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند» الإخبارية

اقرأ أيضا