الاتحاد

تقارير

العراق وحركية الاندماج الإقليمي

يلاحظ القادمون إلى بغداد خلال الشهور الأخيرة، لاسيما عن طريق مطارها الدولي، والذين يتجولون في المنطقة الدولية وفنادقها ذات خمسة نجوم، ذلك النشاط المتواصل والحثيث للإعمار والتحديث. وتشرف على هذا المشروع لجنة رفيعة المستوى يرأسها وزير الخارجية، ومهمتها الإعداد لاستضافة القمة العربية في بغداد في شهر مايو 2011.
وقد تم تخصيص ما يزيد على 450 مليون دولار لهذه الاستعدادات، وهناك إجراءات أمنية صارمة يجري التخطيط لها. وقد أعلن رئيس الوزراء العراقي وعدد آخر من كبار المسؤولين أن العراق جاهز لاستقبال القمة.
ورغم أنه يتوقع أن تكون لاجتماعات القمة أجندة زاخرة ومتنوعة، فإن اهتمام العراق يكمن في الحدث نفسه، والذي يتوقع أن يشكل مرحلة جديدة في العلاقات العراقية العربية. وسوف يرسل نجاحه رسالة واضحة بأن العراق قد قطع النهر وأنه في طريقه إلى استعادة وضعه كدولة مستقرة مزدهرة تلعب دوراً رئيسياً في المنطقة.
وقد مرت علاقات العراق مع دول المنطقة عبر مراحل عديدة منذ إسقاط نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003. وبعكس جيران العراق الآخرين، رحّبت إيران بتشكيل الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة في العراق بعد عام 2003. وقد تحسنت العلاقات الاقتصادية بين البلدين بسرعة ملحوظة وأصبحت إيران ثاني دولة بعد تركيا في صادراتها إلى العراق.
وفي الوقت نفسه ساعدت إيران الجماعات المتمردة المعادية لأميركا في العراق، الأمر الذي أفشل حتى الآن الوضع الأمني فيها. كما يتوقع أن يُحسّن إتمام انسحاب القوات الأميركية من العراق بحلول نهاية العام الجاري (كما هو مقرر وفقاً للاتفاقية الأمنية الموقعة عام 2008 بين الولايات المتحدة والعراق) العلاقات العراقية الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بالدعم الإيراني للجماعات المتمردة والذي بدأ في التراجع.
كما ساعدت تأكيدات العراق حول نيته عدم السماح بشن هجوم من أراضيه ضد إيران، وعدم تحمل وجود منظمة مجاهدي خلق الإيرانية فوق أراضيه... ساعدت على الحد من قلق الإيرانيين. وقد عبّرت كلتا الحكومتين عن رغبتهما في التعاون واستخدام الأساليب الدبلوماسية لحل قضايا، مثل اتفاقية عام 1975 حول الخلافات الحدودية والمائية، وحقول النفط على الحدود، والمطالب الإيرانية بالتعويضات عن حرب الثماني سنوات الإيرانية العراقية.
وقد تغلّبت تركيا في السنوات الأخيرة على مصادر قلقها حول وضع إقليم كردستان في العراق.
وعملت الترتيبات الأمنية بين العراق وتركيا، فيما يتعلق بحزب العمال الكردستاني، على تطمين أنقرة، فتطورت العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل كبير منذ عام 2003، حيث بلغت صادرات أنقرة ومشاريعها في العراق عشرة مليارات دولار سنوياً، وما تزال في طور النمو والارتفاع.
ويصدّر العراق حوالي نصف مليون برميل من النفط يومياً، تنتَج من حقول كركوك في الشمال، عبر تركيا. وهناك خطط قيد الإعداد لإنشاء أنابيب تصدير إضافية للنفط والغاز العراقيين عبر تركيا أيضاً.
لكن في المقابل فقد خفّضت تركيا، ضمن سياستها المائية الجديدة، وبشكل كبير، من جريان نهري الفرات ودجلة إلى العراق، الأمر الذي يشكّل تحدياً للعلاقات الثنائية، والتي قد تصبح أكثر حدّة في الأعوام المقبلة.
وتقع الكويت في أعلى قائمة علاقات العراق الخارجية، ضمن شروط إزالة اسم العراق من خانة الفصل السابع في الأمم المتحدة، وبالتالي استعادة كامل سيادته، خاصة فيما يتعلق بحل خلافاته مع الكويت، وتعويضات الحرب، والاعتراف بالحدود، ومصير الكويتيين المفقودين منذ الغزو العراقي عام 1990.
ويشير تبادل للزيارات جرى مؤخراً بين رئيسي الدولتين إلى استعداد حكومتيهما للتحرك قدماً رغم الأوضاع السياسية في البلدين معاً.
ورغم وجود فرص ضخمة للعلاقات الاقتصادية الموسّعة بين العراق ومعظم الدول العربية الأخرى، إلا أن العلاقات السياسية تشكل تحدياً؛ فقد كانت سيئة أثناء فترة حكم صدام حسين ولم تتحسن بعد سقوطه. لكن مع بدء الوضع الأمني بالتحسن منذ عام 2008، تحسّنت العلاقات العربية العراقية كذلك بشكل تدريجي.
وعلى ما يبدو فقد أدرك العرب أن النظام السياسي الجديد في العراق صمد وبقي، وتوصلوا إلى أنه من الأفضل المشاركة بشكل إيجابي بدلاً من البقاء في الدائرة السلبية.
وقد شاركت الدول العربية بنشاط أثناء حملة الانتخابات الوطنية العراقية عام 2010، والمفاوضات الداخلية التي تلتها... للتأثير على النتائج ومجابهة التأثير الإيراني. وزار بغداد في فترة مبكرة من هذه السنة العديد من المسؤولين العرب، بمن فيهم أمين عام جامعة الدول العربية، ووزير الخارجية المصري، ورئيس الوزراء الكويتي، لبحث قضايا ذات اهتمام مشترك والإعداد للقمة المقبلة.
وفي الوقت الذي توجه فيه العراقيون نحو تحسين العلاقات مع دول الجوار، إلا أنهم يراقبون عن كثب التسونامي السياسي الذي يهدد بعض الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط.
فهل ستعمل هذه التغييرات على الإسراع بعملية التكامل الإقليمي العراقي، أم أنها ستؤخر مسيرتها؟ وماذا سيكون أثرها على العراق نفسه؟
قد تكون الإجابة على هذه الأسئلة صعبة في هذه الأوقات المضطربة، إلا أن رياح التغيير تأتي بالأمل.

صفاء حسين
عضو في مجلس الأمن الوطني العراقي

ينشر بترتيب مع خدمة
«كومون جراوند» الإخبارية

اقرأ أيضا