الاتحاد

تقارير

اليابان: مد «تسونامي» وتسرب إشعاعي

غرقت بعض المناطق اليابانية في مشاهد تذكر بيوم الحشر إثر الزلزال المدمر الذي يعتبر الأعنف والأقسى في تاريخ البلاد، الذي تسبب في موجة تسونامي كاسحة اجتاحت مدناً وبلدات عديدة فيما اشتعلت النيران في مصافي البترول ودمرت الطرقات والشوارع وتحولت مناطق بأكملها إلى مجرد حطام متراكم وسط جهود محمومة تبذلها طواقم الإنقاذ لمساعدة الضحايا ولاحتواء خطر تسرب إشعاعات من المحطات النووية.
وفي حصيلة غير نهائية نقلت هيئة البث اليابانية أن مئات الأشخاص لقوا حتفهم فيما يعتبر مئات آخرون حتى الآن في عداد المفقودين. ومن المتوقع أن ترتفع حصيلة القتلى عندما تصل فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة وتبدأ في جرد عدد الضحايا وتقييم الخسائر. وحسب الخبراء فقد وصلت قوة الزلزال إلى 8.9 على سلم "ريختر" ما يعني أن طاقته التدميرية تتجاوز بما لا يقاس قوة زلزال هايتي، وهو ما أدى إلى تفسخ دعائم البيوت والمنازل وظهور شقوق وأخاديد عميقة في الحقول والطرقات ملتهمة السيارات وقاطعة الطرق. وحتى بعدما ضرب الزلزال ضربته المشؤومة لم تنته توابعه إذ أعقبته موجة هزات أخرى تعدت المئة، ووصلت قوة العشرات منها إلى 6 درجات أو أعلى بمقياس "ريختر". وكانت بؤرة الزلزال بالقرب من مدينة "سينداي" الواقعة في الساحل الشمالي الشرقي للبلاد، وهي كارثة تعد بلاشك الأقوى منذ موجة تسونامي الذي ضرب البلدان المشاطئة للمحيط الهندي في ديسمبر 2004 وخلف 230 ألف قتيل.
وقد تسبب الزلزال الذي هز البلاد يوم الجمعة الماضي خلال ساعة الذروة في موجة من الهلع بين السكان الذين فقدوا بيوتهم وأصبحوا في غضون دقائق معدودة على شفا الهاوية، حيث يرزح ملايين الأشخاص بلا كهرباء ولا خدمات مع توقع المسؤولين استمرار انقطاع التيار الكهربائي لفترة ليست بالقصيرة.
ونقلت وسائل الإعلام اليابانية أن أربعة قطارات للركاب اختفت تماماً وما زال لم يعرف مصيرها عندما ضرب الزلزال المناطق الساحلية وأعقبته الموجة البحرية العاتية التي اجتاحت في طريقها البنايات والمعامل والسيارات والشاحنات، وحسب وزارة الأرض والبنية التحتية فإن النصف فقط من العالقين في مصاعد العمارات، الذين بلغ عددهم المئات، هم من تم إنقاذهم فيما لم يتسنَّ الوصول إلى الباقي. هذا وقد ظلت خطوط القطارات متعطلة لليوم الثاني على التوالي بسبب الدمار الهائل الذي لحق بالسكك الحديدية والجسور والأنفاق، كما تقلصت خدمة نظام القطارات المعلقة في طوكيو، علماً بأنه الأكثر استخداماً في العالم إذ يستقله ثمانية ملايين راكب في اليوم، توخيّاً للحذر والسلامة. وقال أحد شهود العيان وهو "ستيفن نيا" من كاليفورنيا كان في اليابان وقت وقوع الزلزال "أنا من كاليفورنيا وهي ولاية معروفة بالزلازل وشهدت عدداً منها، ولكني لم أرَ في حياتي زلزالاً بهذه القوة والدمار"!
وفيما كان ميناء طوكيو الرئيسي أحد أكثر الموانئ العالمية حركة ونشاطاً، فقد غشيته أمس حالة من السكون بعدما توقفت السفن والناقلات وعمليات الشحن حتى يتضح الموقف ويزول خطر الزلزال، وفي ردود الأفعال الدولية كان أوباما من أوائل من علقوا على الكارثة حيث قال في مؤتمر صحفي عقده في البيت الأبيض "إن صور الدمار والفيضانات القادمة من اليابان مخيفة ومرعبة"، مشيراً إلى أن حاملة الطائرات الأميركية، "رونالد ريجان"، متجهة إلى اليابان للالتحاق بالأسطول الأميركي السابع للمشاركة في جهود الإغاثة الدولية. وأضاف أوباما أنه تحدث مع رئيس الوزراء الياباني، "ناوتو كان" للتعبير عن مواساته. ومن جانبها أكدت "إلزابيث بايرز" من مكتب تنسيق أعمال الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن 45 دولة على الأقل سارعت إلى إيفاد فرق للإنقاذ منها 68 وحدة إغاثة وصلت بالفعل إلى اليابان وتنتظر توجيهات الحكومة للانتشار في المناطق المنكوبة.
ولم تتأخر وزارة الدفاع اليابانية في إرسال 20 ألفاً من قواتها على متن 190 طائرة و25 سفينة إلى المناطق المحيطة بـ"سينداي" حيث أحالت أمواج تسونامي أحياء بكاملها إلى حطام وجرفت في طريقها القطارات والمنازل.
وفي تصريح لأحد المسؤولين ببلدة "فتوتوبا" قال إن "أكثر من 90 في المئة من المنازل في المناطق الساحلية جرفتها السيول". ولكن أخطر ما يهدد اليابان في الوقت الحالي هو تسرب مواد مشعة من محطات نووية، لاسيما بعدما أعلنت مقاطعة "فوكوشيما" حالة طوارئ إثر تدمير الزلزال لنظام توليد طاقة، وهو ما حرم المفاعل النووي من الطاقة الضرورية لتبريد قضبان الوقود في المنشآت، ومع أن درجة الحرارة في المنشأة تعدت 50 في المئة بالقياس إلى الحرارة العادية لتصل إلى 750 درجة فهرنهايت، إلا أنها ظلت، وقت كتابة هذا التقرير، أقل من 2200 التي قد تتسبب في ذوبان قضبان الوقود، حسب "مارجريت هاردين" المهندسة النووية والخبيرة في تشغيل المنشآت النووية. وقد سارعت وكالة الأنباء اليابانية إلى تطمين الرأي العام بتأكيدها أن البخار الذي تجمع من المفاعلات تم إطلاقه بنجاح ولا توجد خطورة على المحطة النووية، بل إن مسؤولين في وكالة السلامة النووية والصناعية أصروا على تسرب مواد "ذات إشعاع بسيط" لا تمثل أي تهديد على الإنسان والبيئة.
ولكن مع ذلك وتوخيّاً للسلامة قامت السلطات بإخلاء عشرات الآلاف من السكان الذين يعيشون على بعد سبعة أميال من المحطة النووية في مقاطعة "فوكوشيما". وحرصاً منه على تبديد مخاوف الناس من الترسبات الإشعاعية قام رئيس الوزراء "كان" بزيارة إلى المنطقة المنكوبة القريبة من المحطة النووية، متعهداً باتخاذ "ما يلزم من قرارات لمواجهة الموقف"، أما وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، فقد شددت هي الأخرى على ثقتها في معايير السلامة العالية المتبعة في المحطات النووية اليابانية، مؤكدة في الوقت نفسه استعداد بلادها لتقديم الدعم التقني لاحتواء خطر التسرب الإشعاعي.

مارك ماجنيير وباربارا ديميك وكارول ويليامز
اليابان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا