الاتحاد

ثقافة

عبدالله السعدي: الفوتوغراف سلاح لقتل اللحظة الجميلة

اسكتش بريشة السعدي للدراجة التي استخدمها في مدينة سالسبورج

اسكتش بريشة السعدي للدراجة التي استخدمها في مدينة سالسبورج

أصدر قسم البرامج المحلية والدولية بالمنطقة الشرقية التابع لإدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، مؤخرا، كتابا بعنوان «مغيندا.. مع الغداء» للفنان التشكيلي عبدالله السعدي.

ويلخص الكتاب رحلة عمل فني امتدت لثلاثة أشهر متواصلة في صيف العام 2008 وشملت خمس مدن أوروبية هي: ساليزبورج وفيينا وإنسبروك في النمسا وبولزانو وفيرونا في إيطاليا. يأتي هذا المنتج الفني المميز كثمرة أولى ومبشرة لخطة التبادل الثقافي بين حكومة الشارقة ووزارة الثقافة النمساوية من خلال قسم البرامج المحلية والدولية بالمنطقة الشرقية الذي يسعى لنشر الثقافة الفنية والبصرية في مدن وقرى الساحل الشرقي وإبراز أعمال الفنانين الإماراتيين هناك، كما يهدف البرنامج إلى جذب فنانين من النمسا ومن دول أجنبية أخرى لتنفيذ مشاريعهم الفنية في المنطقة الشرقية وإقامة حوار إبداعي وجمالي يعزز النظرة الثقافية الشاملة التي تلغي الحدود الوهمية والضيقة بين الشعوب. اتسم الكتاب الذي يقع في 600 صفحة من القطع الصغير بطابع فني صرف، بعيدا عن الشكل التقليدي والقياسي لكتب الرحلات أو المذكرات الشخصية، فهو عمل بقدر ما هو مفعم بالإسكتشات والخطوط السريعة والرسومات والانطباعات اليومية ، إلا أنه يعبر عن تجربة فنية مكثفة وغنية تنقل الحس التفاعلي والحار والآني للفنان مع جماليات المكان ولذة المصادفات وولادة المعارف والصداقات في مدن غريبة ومدهشة تتقاطع مع الذاكرة الشخصية للفنان وتنفصل عنها في ذات الوقت.

ويشرح السعدي في مقدمة العمل دلالة العنوان قائلا» «مغيندا « ــ مع الغداء ــ marenda with lunch هي كلمة عربية ذات جذور تاريخية سمعتها لأول مرة في النمسا وفي قرية «فينت» بالتحديد وهي قرية تقع في منطقة التيرول على الحدود الإيطالية، ويشير السعدي إلى أنه اختار هذه الكلمة كعنوان لكتاب اليوميات لأنها آتية من عمق الوادي ومن عمق الجبل وتشع بدلالات روحية مرتبطة باللفظ والذاكرة وتداخل الغريب مع المألوف.

ويصف السعدي اليوميات التي جاءت على شكل مخطوطة يدوية بأنها كتبت بتلقائية من دون انتقاء مقصود أو مراجعة للكلمات والجمل والعبارات، وأن هذه اليوميات ليست دليلا سياحيا يرشد القارئ إلى أماكن معينة من خلال صور توثيقية وفوتوغرافية جامدة، لأن الفوتوغراف كما يقول السعدي في يومياته «سلاح لقتل اللحظات الجميلة، ولقتل أنفسنا في تلك اللحظة التي نلتقط فيها الصورة» مضيفا: «يموت كل شيء في لحظة اصطياد المشهد»، ويستخدم السعدي سلاحا بديلا وناعما وهو الاسكتش لأنه وعلى عكس الصورة الفوتوغرافية يقدم الاسكيتش مباهج وانطباعات داخلية تنقل خطوط الروح والعاطفة والانفعال إلى الورق الشاغر والى المتلقي بعد ذلك. يحمل الاسكتش أيضا تعرجات وانثناءات راقصة تعبر عن اللحظة الحية والمدهشة لمتواليات العلاقة الثلاثية أو العناق الثلاثي بين اليد والقلم والورقة. كتبت اليوميات بخط الفنان مباشرة كي تخدم المغزى الفني والقصد الإنساني والحميمي الذي يسبغ المباهاة والمديح على المسافة المضيئة بين الزمان والمكان وبين عين وبصيرة الفنان، يلتقط السعدي شوارد وتأملات وغنائم العزلة وسط المقاهي وحركة البشر والسياح وتبدلات الطقس وتفاصيل العيش وفضائل المشي والتجوال والتسكع واقتناص البراءة والقلق في الوجوه والقبض على المشاهد المتدفقة في عربات الميترو والقطارات وتسكين كل هذه العواصف البصرية والخبرات الروحية بين دفتي كتاب يجمع بين الكتابة التوثيقية والانطباع الحر وبين القصائد المتناثرة والتأملات المتعانقة مع الحكمة والشعر والقول النثري الذي لا يحتمل أحيانا أي تأويل. في أحد المقاطع الشعرية العفوية التي حملت عنوان مدينة الملح ويقصد بها (ساليزبورج) يقول السعدي:

في مدينة الملح تتزاحم الخطوات تتطاير الكلمات وتتخاطف السيقان من حولي عارية، مملحة كل شيء مالح إلا ماء النهر البيت ، الشجر والحجر دراجة بنكهة الملح وإمرأة مملحة مليحة الجسد قابلت رجلا من السلت (Celtic people) يحمل كنزا من الملح لكنه ذاب في ماء النهر. وفي إحدى شوارده التأملية أثناء تجواله في فيينا يقول السعدي «تابعت المسير عل طول النهر، أعبر من تحت أقواس الجسور، في مكان ما، رجل نائم ملاصقا الجدار، ماذا يريد ذلك النائم إلا السعادة، إذا كان سعيدا لا بأس، قليل من متع الحياة تكفي، ذلك الرجل ربما يسكن هناك في الفضاء المفتوح، في الكون كله، كل شيء له مفتوح، لا حدود، لا ملكية، ولا ارتباطات تقيده كالبوهيمي، كالبدوي، راحلا، تسكن أحلامه قريبا منه».

تجربة السعدي

تصف مدونة قسم البرامج المحلية والدولية بالمنطقة الشرقية تجربة السعدي بأنها تأتي من الرهافة في تأمل المناظر الطبيعية والإبداع المتواصل للخروج بأعمال تركيبية ومشاريع توثيقية ورسومات ولوحات تعبر عن صدق وبساطة عبدالله السعدي المولود في منطقة مدحا القريبة من خورفكان العام 1968، حيث عاش صباه وسط الجبال والوديان مستمتعا بتكوين روابط جديدة بين ذاكرته الشخصية وبين أعماله الفنية. درس السعدي الأدب الإنجليزي في جامعة الإمارات وعمل مدرسا للغة الإنجليزية، كما درس تقنيات وفلسفة «النيهونجا» أو فن اللوحات اليابانية بين عامي 1994 و1996 قي جامعة كويوتو، ومن أشهر مشاريع السعدي عمله المعنون بـ«رسائل إلى أمي» الذي ما زال يشتغل عليه وحقق جزءا كبيرا منه أثناء رحلته إلى النمسا وإيطاليا العام الماضي. وتختم المدونة وصفها لأعمال السعدي بأنها توضح مفهوما معقدا يدمج الحياة والفن وراء بساطة ظاهرية فحسب.

اقرأ أيضا

أمسية في بيت "القيروان".. وهايكو بـ"دار تطوان"