الاتحاد

منوعات

الحرف اليدوية.. مشاهد حية تنبض بإرث الأجداد

 الثوب الإمارات  قديماً يعيش في الوجدان (تصوير عمران شاهد)

الثوب الإمارات قديماً يعيش في الوجدان (تصوير عمران شاهد)

هناء الحمادي (أبوظبي)

الموهبة الفطرية في عالم الحرف اليدوية، تضعنا على طريق مهن توارثها الآباء والأجداد منذ قديم الزمن، والتي تستحضر الأصالة والتراث للكثير من المهن الحرفية بمهرجان الشيخ زايد التراثي في منطقة الوثبة، حيث يجتمع الكثير من الحرفيين ليصنعوا حرفهم مباشرة أمام الزوّار الذين يستمتعوا بإبداعات وتفاصيل تلك الحرف التي تمثل الإرث الثقافي، الذي ينتقل من جيل عن جيل، ما ينعكس على تعزيز وترسيخ الهوية الوطنية.
الجولة في مهرجان الشيخ زايد التراثي تعيد إلى الذاكرة الكثير من الصناعات المميزة مثل صناعة الحبال وسف الخوص والليخ والثوب الإماراتي بأشكاله المختلفة وزخارفه المتناغمة، إلى جانب صناعات يدوية أخرى مثل التلي وجدائل النخيل وصناعة السفن، وغيرها.
إنها مشاهد حية تسترجع الزمن الجميل، وتضيء على إبداع ومهارة الأجداد الذين استطاعوا المحافظة على هذا الموروث من الاندثار، والذي يفوح برائحة الماضي وحداثة الحاضر.

التلي
صناعة التلي واحدة من أعرق صناعات التطريز في الإمارات، كونها جزءاً مهماً من التراث الشعبي والموروث الحقيقي للمجتمع، وتدخل عمليات حسابية معقدة في صناعته لا يتقنها إلا من امتهن هذه الصناعة، واكتسب خبرات متراكمة عبر السنين.
هنا خبرة ومهارة زليخة سعيد الهاشمي في حياكة التلي زادته جمالا ودقة في الصنع، وعن ذلك تقول الهاشمي «في الماضي انحصرت ممارسة التلي في البيوت وبين الأقارب والجيران، وتوارثت من الجدات إلى الأمهات، وتسمى هده الحرفة بـ«تلي بوادل» أو «تلي بتول»، عند البعض من النساء وتستخدم الكاجوجة في صناعتها، حيث يقوم عملها على نسج بكرات من الخيوط «الهدوب» الملونة وتجمع أطرافها بعقدة مشتركة تثبت بإبرة صغيرة على «مخدة الكاجوجة».
وتضيف الهاشمي: الكاجوجة هي الأداة الرئيسية للتطريز، وتتكون من قاعدة معدنية على شكل قمعين ملتصقين من الرأس، وبهما حلقتان على إحدى القواعد لتثبت وسائد دائرية تلف عليها خيوط الذهب والفضة للقيام بعملية التطريز، وكانت صناعة التلي في الماضي تستغرق عدة شهور، حيث كانت النساء يشغلن وقتهن بها لحين عودة أزواجهن من رحلات الغوص.

 صناعة شباك صيد الأسماك من خيوط الغزل  (تصوير وليد أبو حمزة)

ثوب الزري
يعتبر ثوب المرأة الإماراتية هو خير شاهد على ذلك الزمن الجميل، فهذه الثياب تصف لنا أسلوب حياة النساء في الماضي، شارحة أدق تفاصيله وناشرة شذاه العابق برائحة الأجداد كعطر أخاذ ينتقل من جيل إلى آخر، ومع كل جيل ترقى هذه الأزياء التي باتت من الموروث الشعبي، حيث أفرزتها طبيعة البيئة التي كان لها أكبر الأثر في تصميمه ورسم معالمه.
وعتيجة المحيربي المتمسكة بزيها التقليدي تعكف على تطريز الثوب الإماراتي بحلته القديمة وتعمل بروح الماضي وذاكرة الحاضر بأناملها التي لا تتوقف عن تطريز الثوب بالخيط والإبرة.
المحيربي إحدى النساء التي تفخر بالزي التراثي فما زالت تحافظ على حرفتها التي لم تنقطع عنها، وتشارك في الكثير من المهرجانات التراثية وتبدع وتصنع وتنسج بكل حرفية ودقة متناهية «الثوب» ذا النقوش الجميلة التي تنم عن ذوق رقيق وحرص على الاهتمام بالتطريز الذي يعتمد على خيوط «الزري» والأقمشة التراثية القديمة التي تحمل كل منها معنى خاص مثل «أطلس، وبستان الياهلي، وبفتيل، والمزري»، وغيرها الكثير من الأنواع الأخرى.

صناعة السفن
تشرع أمام الزائر أبواب الماضي، ليتعرف إلى التراث الإماراتي وعلى المهن البحرية التي تمثل جانباً مهماً من التاريخ الإماراتي، وفي حياة أهلها على مر العصور، حيث شكل البحر مصدر رزق رئيسي لسكان الخليج، الذين امتهنوا ركوب البحر، حتى أصبحوا أسياده، لذلك كان البحر وحياته وبيئته أحد الأركان المهمة في مهرجان الشيخ زايد التراثي، الذي يعد انعكاساً صادقاً ودقيقاً للبيئة البحرية بكل مفرداتها.
ومن المهن اللافتة بالمهرجان صناعة «الشاش»، وهي قوارب الصيد المصنوعة من سعف النخيل، وهي صغيرة الحجم مقارنة بالمحامل وقوارب الصيد الكبيرة، ويمكن لهذا القارب أن يحمل أربعة صيادين أو أقل، ويتم تصنيعه من جريد النخيل، بعد تنظيفه من الخوص والشوك والزوائد، ويترك حتى يجف، ثم يوضع في ماء البحر ليوم كامل، بعدها يتم أخذه ورصه جنباً إلى جنب، ويمرر من خلاله حبل، ويشد من أماكن مختلفة لتثبيت الجريد جيداً، وتختلف المدة المطلوبة لصناعة القارب بحسب حجمه.
وفي منطقة الحرفيين يمكن مشاهدة صناعة الشاش مباشرة من خلال هذه الحرفة، كما يمكن التعرف عن قرب إلى مهنة صناعة السفن التي تسمى بـ«القلافة»، وصانع السفينة يسمى «قلافاً»، أو «جلافاً»، وهي من المهن الفنية العريقة التي اشتهر بها أهل الخليج منذ القدم، و«القلافة» تعني ربط أجزاء الخشب بالحبال، أو خياطتها كما يخاط القماش، وذلك قبل استخدام المسامير.

جدائل النخلة
كانت الحبال في الماضي شيئاً أساسياً في العديد من أنشطة الحياة اليومية كموروث قديم، غير أنها في هذا الوقت بدأت تندثر تماماً ولم نعد نشهدها إلا في المهرجانات التراثية. وفي هذا المهرجان يمكن للزائر التعرف إلى حرفة «صناعة الحبال» مباشرة من خلال مشاهدة الحرفيين الذين لديهم باع طويل وخبرة في تلك الحرفة والتي غالباً ما تتكون من «ليف النخلة» وهي عبارة عن نسيج رقيق ينمو على جذع النخلة، ويتم الحصول عليه بعد قطع النخلة التي غالباً لا تنتج ثماراً، حيث يتم قطع السعف من قاعدته المرتبطة بالجذع «أي الكربة»، ويستفاد من ليف النخلة في العديد من الصناعات، والتي أصبحت نادرة في الوقت الراهن.

سف الخوص
من يجول في مهرجان الشيخ زايد التراثي، يشاهد الكثير من الحرف التقليدية وكيف كانت حياة الآباء اليومية مستوحاة من مكونات البيئة المحيطة بهم من صحراء وبحر وأشجار وغيرها، ورغم قلة موارد بيئتهم تمكنوا من تحدي الصعوبات واستحدثوا الطرق المبتكرة، لصناعة الأدوات المنزلية التي تخدمهم في حياتهم اليومية. منها مهنة «سف الخوص» أو «السعفيات»، ومهما اختلفت التسمية فكلها ترمز إلى الصناعة نفسها، حيث تجمع أوراق سعف النخيل وتصنع باليد بطريقة «تجديلة» عريضة تضيق أو تتسع باختلاف المنتج، وتتشابك أوراق الخوص مع بعضها، لتتحول إلى اللون الأبيض نتيجة تعرضها للشمس.
وبالنسبة لصبغ الخوص فتتم عن طريق غلي الماء في وعاء كبير، ثم وضع الصبغة المطلوبة فيه، ثم وضع الخوص وتركه لمدة خمس دقائق في الماء ثم يتم وضعه في الظل، أما في ما يتعلق بالخوص الأبيض فأنه يكتسب هذا اللون نتيجة تعرضه للشمس، أما صناعة جديلة عريضة أو طويلة فتتم حسب المنتج.

صناعة الشباك
وفي زاوية من المهرجان نتوقف عند مهنة تحتاج إلى الكثير من المهارة والخبرة والصبر الطويل، حيث يعمل أحد الحرفيين على صناعة شباك صيد السمك باستخدام خيوط الغزل القديمة وحياكتها مع وضع عدد من «الكرب» كي تطفو فوق سطح البحر، و«الكرب» عبارة عن قطع صغيرة من عصي النخيل بحجم اليد، تربط في الشباك وتكون المسافة بين الكربة الأولى والثانية متراً ونصف المتر من بداية الليخ حتى نهايته، وكي يكون الليخ مستقيماً تحت قاع البحر توضع له كذلك مجموعة من الصخور وتسمى «المسو» وتشبك في الليخ بالحبال وتكون المسافة بين الصخرة الأولى والثانية ثلاثة أمتار، وبعد الانتهاء من صيد السمك بالشباك يوضع في برك معبأة بالمياه ويتم إشعال النار عليها من خارج البرك أو الأحواض إلى أن تغلي، وبهذه العملية يتم التخلص من رائحة السمك والتي تسمى بالمصطلح المحلي «ازفره»، ويتم تكرارها مرة كل أسبوع.

الحناء.. زينة المرأة قديماً
في زاوية أخرى، تعكف إحدى السيدات على دق الحنا بالهاون من أجل الحصول على بودرة الحناء، التي تعد من أهم الأدوات التي تستعملها المرأة للزينة، وإن كانت مرتبطة بالأفراح والمناسبات السعيدة، حيث إنها من سمات العرس الخليجي عامة والإماراتي خاصة، وتمارسها النساء ضمن عادات وتقاليد العرس الذي لم يتغير حتى الآن، فقبل الزفاف بيوم تخضب العروس يديها ورجليها بالحناء، وتسمى «ليلة الحنَّة» وكانت لهذه الليلة طقوس تمارسها السيدات، حيث تجتمع قريبات العروس وصديقاتها ونساء الحي حول العروس وهي تجلس بينهن على فراش مخصص لهذه الليلة، ويضربن على الدفوف ويغنين الأهازيج والأغاني ويرقصن فرحا بالمناسبة، والمرأة التي تقوم بتزيين العروس بالحناء تسمى بـ«المحنية» مرددين أهزوجة شعبية «حنونا من حنّاكم.. ترى احنا نمشي وراكم».

اقرأ أيضا