الاتحاد

دنيا

المسرح الجزائري نصف قرن من العطاء


د· رسول محمَّد رسول:
في خلال نصف قرن من الزمان قطع المسرح في الجزائر خطوات كبيرة على صعيد الإبداع في هذا الفن الجماهيري· ولغرض استجلاء ملامح رحلة المسرح الجزائري احتفلت مجلة (الثقافة) التي تصدر شهرياً عن وزارة الثقافة بالجزائر من خلال عدد ممتاز صدر في هذا الاتجاه ، وتضمن العدد ملفاً عن جذور المسرح في الجزائر، ودراسات ومقاربات عن مسرح الطفل والهواة ، وتجارب ومساهمات فضلاً عن مساهمات أخرى كثيرة قدَّمت صورة متكاملة عن تجربة المسرح الجزائري في القرن العشرين·
افتتحت العدد خليدة تومي، وزيرة الثقافة في الجزائر، قائلة: إيماناً منا بما للمسرح من دور فعال، خصوصاُ في هذه المرحلة الدقيقة من حياة بلادنا ضد معوقات التقدم، ليتابع المسرح مسيرته نحو تحقيق رسالته السامية· وتحت عنوان (الذاكرة ليست الماضي)، كتب أمين الزاوي من جانبه قالاً: إن تشكُّل خريطة جديدة للحركة المسرحية الجزائرية من خلال ظهور التعاونيات والفرق الخاصة، كل هذا يعلن، بوضوح، عن تعدُّد الرؤى، داخل فسيفساء العطاءات المسرحية الحداثية والجديدة التي تدفع بتجاربها موازاة مع تفتح وتحرُّر الحقل السياسي بانخراط التجربة الجزائرية في التعددية الديمقراطية وحرية التعبير التي لا تضاهيها أي تجربة تعددية في العالم العربي·
الجذور
ومن جانبه بحث الدكتور العمري بوطايع عن جذور الحركة المسرحية في الجزائر، واستناداً إلى عدد من الدراسات الاستشراقية وجد الباحث أن عروض القرقوز شوهدت في الجزائر لأول مرة عام ،1835 كما أن عروضا للفرجة شوهدت أيضاً في عام ،1862 لكنه يرى أن المسرح الجزائري الحقيقي ومنذ سنة 1926 عرف شكلاً آخر يختلف عن العروض السابقة من حيث اللغة المستخدمة والمضمون، وكان أبرز شيء في ذلك التحول هو استعمال اللغة العربية الدارجة في الحوار بدل اللغة الفصحى، والتحول من الدراما الاجتماعية إلى الكوميديا، وكذلك الجمع بين التمثيل والموسيقى والغناء والرقص أحيانا· ومن ثم تطور حال المسرح الجزائري تبعاً لتطور الحال الثقافي والتعليمي حتى زماننا هذا بعد أن جرَّب الكثير من الاتجاهات في العمل المسرحي· أما مزيان بو جمعة فيرى أن جذور المسرح الجزائري لا تعود فقط إلى بدايات القرن التاسع عشر إنما إلى حقب تاريخية قديمة، ويستدل الكاتب على ذلك بوجود مسارح قديمة في المنطقة مثل مسارح مدينة تيبازة وتيمقاد وسوق أهراس وعنابة وقالمة وغيرها·
أصالة
وعن أصالة التجربة المسرحية في البلاد كتب بوبكر سكّيني تحت عنوان (ملامح من التجربة المسرحية في الجزائر) قائلاً: هناك تفرُّد في نشأة المسرح الجزائري، وهو ما أعطاه خصوصيته وميزته الخاصة، فقد انبثق من البيئة الشعبية، والتصق بذوق وحاجة الجماهير المسرحية فانعكس هذا على طبيعة وصيغة العرض المسرحي، فطغى الغناء والسرد والتنظيم والتلقي بين حيز الفرجة وحيز اللعب في شكل دائري· وعن أصالة مسرح الهواة في البلاد أكد الدكتور حفناوي بعلي في دراسته التي جاءت بعنوان (مسارات ومدارات مسرح الهواة في الجزائر) أن دور مسرح الهواة في مرحلة ما بعد الاستقلال كان اجتماعياً وسياسياً في آن واحد، فهو اجتماعي لأن على المسرحي أن يناضل مع الطبقة المحرومة في سبيل تطوير المجتمع الجزائري· وهو سياسي لأن هذا التطوير ينبغي أن يتم في إطار رؤية سياسية معينة· بل قال إن الجمعيات المسرحية التي ظهرت في الجزائر كان لها الدور الريادي في إيقاظ الحس الوطني والوحدة الوطنية حيثُ عملت على إبراز خصوصيات الثقافة الجزائرية، وشحذ الهمم للدفاع عنها باعتبار أن الثقافة هي العمل الأكثر التصاقاً بكرامة الإنسان، ففيها تتجلى كل التقاليد والعادات وطرق التفكير والعمل، فضلاً عن ربط الماضي بالحاضر·
مسرح الطفل
تناول العدد أيضاً محوراً عن مسرح الطفل، وفي هذا الاتجاه كتب محمد بوكراس عن الموضوع باحثا في راهن هذا المسرح ورهاناته، وجاء في معرض معالجته قائلاً: لعل رأس الإشكال في قضية الكتابة المسرحية للأطفال هو أن معظم النصوص المسرحية التي نشاهدها على خشبات المسرح هي من تأليف مسرحيين ممن يعرفون مبادئ الإخراج والسينوغرافيا في أحسن الأحوال، ولكن درايتهم بعلم نفس الطفل، وبخصوصيات الطفولة، وبمتطلبات كل مرحلة يكاد يؤول إلى الصفر، وإحاطتهم بقواعد اللغة وفنون الكتابة في معظم الأحيان لا يختلف عن مصير سابقه·
وفي سياق ما هو نقدي في تقييم التجربة المسرحية في الجزائر كتبت جروة علاوة وهي عن (الاقتباس في المسرح الجزائري / تحليل مادي واحتيال فكري) قائلة: لقد أعاب الكثيرون على المسرح الجزائري كونه يأخذ كثيرا من الريبرتوار العالمي، في حين يشتكي العاملون في حقله من أزمة النص المسرحي الذي أود تأكيده هنا هو أن الأخذ من الريبرتوار العالمي ليس عيباً، كما أنه ليس ظاهرة يختص بها المسرح الجزائري فقط، كما أن حجة أزمة النص مردودة على دعاتها بما أن التراث المسرحي ملكية إنسانية·
لقد حفل العدد بدراسات عديدة منها خريطة الطريق للمسرح الجزائري بقلم أحسن ثليلاني، وتجربة الكتابة الملحمية لجمال بوملطة، والمسرح الجزائري: الخروج من لعبة صخرة سيزيف، وعن التحليل السيمولوجي للعرض المسرحي بقلم فوزية عكاك· وكتب أحمد قوري عن المسرح الجديد· وفي باب حوارات نقرأ حواراً مع الراحل عز الدين محبوبي، ومع عبد الرحمن سطوف· ومع الناقد المسرحي مخلوف بوكروح· ومع المخرج المسرحي أحمد خوذي· ومع السينوغرافي عبد الرحمن زعبوبي، وحواراً مع الممثلة الجزائرية صونيا·
كذلك تضمن العدد المتميز كتابات عن وجوه جزائرية اشتغلت في المسرح الجزائري مثل علالو، ورشيد القسنطيني، ومصطفى الكاتب بقلم قويدر بن تبرور·
حفل العدد أيضاً بنصوص مسرحية عدة، منها: جحا في باريس للكاتب الجزائري رشيد القسنطيني، ونص مسرحية الغول بوسبع للكاتب المسرحي لمراد سنوسي· وترجمة نص مسرحي بعنوان نهاية نازي بعبة نور الدين· ونص مسرحية (الحالمة) لماكسيم نديبيا·
لقد قدَّم هذا العدد الممتاز صورة متكاملة عن مشهدية المسرح الجزائري في القرن العشرين، وما هو مؤسف أن أغلب الأعمال هذه كان ولا يزال المتابع للمسرح في دول المشرق العربي لا يعرفها إلا في خلال المهرجانات العربية، ولكن هذا العدد سلَّط الأضواء كثيراً على تجارب المسرح في الجزائر رغم أن مشاهدة العمل المسرحي هي دائماً غير القراءة عنه·

اقرأ أيضا