السبت 2 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
صحافيو العراق على خطوط النار
8 أغسطس 2005

بقلم ـ د· نصر الدين لعياضي:
كان مراسل وكالة الأنباء البريطانية 'رويترز' بالعراق، السيد أندري مارشال، يعمل ستة أسابيع متتالية في بغداد، ثم يأخذ إجازة لمدة أسبوعين كاملين يقضيها في مدينة عمان (الأردن)· ويعتبر أن أصعب شيء واجهه في نشاطه المهني في بغداد هو لحظات العودة من عمان، والانغماس من جديد في الجو المخضب بالدم والدمار والترقب·
ربما لم يكن له الوقت الكافي، ولا المزاج المناسب، للمزاح ليخاطب زملاءه في المهنة ببغداد بما خاطب الشاعر الجزائري صديقه في ذروة العنف الأعمى الذي أزهق الأرواح البريئة في الجزائر، وجعل من القتل لعبة تافهة، قائلا:
سلام عليك إن كنت حيا
وان لم تكن فعليك السلام!
لم يتردد هذا الصحافي الذي يبلغ 34 سنة من العمر في التوجه إلى العراق ليتولى رئاسة مكتب وكالة رويترز ببغداد بعد 11 سنة من الخبرة· لقد غطى العديد من الحروب والنزاعات في العالم: البوسنة، ليبيريا، كشمير، وغيرها· ويعترف بأن العمل الصحفي في هذه الحرب يختلف كليا عن سابقاتها من الحروب، ولا يمكن المقارنة بينها بتاتا· إن العمل الصحفي في بغداد أصبح محفوفا بالمخاطر إلى درجة أن البعض بات يعتقد بأنه تحول إلى مجازفة بالحياة·
البداية يروي هذا الصحافي كيف تعذر عليه الالتحاق بالوحدات العسكرية البريطانية التي شاركت في إسقاط نظام صدام حسين، ويتحسر على الفرصة الذهبية التي فاتته في مشواره المهني، فأراد أن يعوضها بأي ثمن· فقَبِل العمل في العراق· وقدم إليها في مايو ·2003 كان يقيم برفقة زملائه في فندق 'الشيراتون'، وينتقل يوميا إلى مكتب الوكالة في الشارع ذاته الذي توجد به هيئة الإذاعة البريطانية )CBB( ، وصحيفة ' نيويورك تايمز' بالقرب من نهر الفرات· وكان الصحافيون في ذلك الوقت ينزلون إلى الشارع ويجوبون الأسواق لجس النبض الأمني في البلد، ومعرفة صدى ما يجري في العراق لدى عامة الناس، خاصة بعد أن تغيرت الأوضاع في شهر أغسطس ·2003 ويواصل حديثه قائلا: (بعد العملية الانتحارية التي استهدفت مقر الأمم المتحدة وراح ضحيتها 22 شخصا، والصواريخ التي استهدفت فندق 'الشيراتون'، اقتنعنا بأنه يمكن لأي صحفي أن يُسْتَهدف، فاضطررنا إلى استئجار مسكنا بالقرب من مكتب الوكالة، وجهزنا إحدى حجراته بكل ما من شأنه أن يجعلها غرفة مدرعة لحمايتنا من أي قصف صاروخي محتمل· وبدأت المؤسسات الإعلامية المجاورة لنا تستعين بحراس في أطراف الشارع الذي نقيم فيه· كان عددهم أربعة ثم ارتفع ليصبح 26 حارسا يتداولون مراقبة الشارع ليلا نهارا!)
حياة مدرعة
ويستطرد مراسل وكالة الأنباء البريطانية حديثه قائلا: (لقد اقتنعت بضرورة وضع المتاريس (أكياس من الرمل، وحواجز) أمام مبنى مكتب الوكالة في مارس ،2004 بعد أن انفجرت سيارة مفخخة قرب شارعنا· وأقمت جدرانا مضادة للقنابل أمام مقر الوكالة· لقد صمدنا رغم الجو الذي أحدثته هذه الجدران، والحرج من جيراننا العراقيين القاطنين في الشارع ذاته· لقد كلفت هذه التجهيزات الوكالة 80 ألف دولار! إنه ثمن أمننا لأننا رفضنا، دائما، الإقامة في المنطقة الخضراء التي تحظى بحماية فائقة· إن رفضنا نابع من قناعتنا بأن رويترز وكالة أنباء مستقلة، ويجب أن تبقى كذلك·)
استهداف الصحفيين
لقد قتل بالعراق 85 عاملا في قطاع الإعلام منذ مارس ،2003 معظمهم عراقيون حسب الفيدرالية الدولية للصحافيين التي حافظت على مكتبها مفتوحا في بغداد رغم العنف الأعمى· لقد فاق عدد العاملين في حقل الإعلام الذين اغتيلوا في العراق خلال سنتين فقط عدد الإعلاميين الذين قتلوا خلال عشرين سنة في حرب فيتنام! ناهيك عن المصابين بجروح خطيرة وعاهات اختصرت مصيرهم المهني·
ثمن باهظ
وأشارت منظمات الصحافيين المختلفة، في تقاريرها، إلى أن العراقيين العاملين في حقل الإعلام هم الذين يدفعون الثمن الباهظ أكثر من غيرهم· لماذا؟ لأن بقية الصحافيين شرعوا في مغادرة العراق، بعد أن اصبحوا مستهدفين لكونهم صحافيين أولا، وأجانب ثانيا· فمنذ أبريل 2004 ، وبعد اختطاف الصحافية الإيطالية 'جوليانا سيغرينا'، والفرنسية 'فلورنس أبوينا' ومرافقها العراقي حسين، والمغالاة في المزايدات المختلفة من أجل تحريرهم، تزايد عدد الصحافيين الأجانب الذين غادروا العراق بإرادتهم أو بإيعاز من الأجهزة الأمنية· ومن أصر على البقاء أو فُرِض عليه الصمود فقد رفع من درجة حيطته وضاعف من وسائل حمايته· وبالمقابل تكاثر عدد العراقيين الذين يبحثون عن لقمة العيش في قطاع الإعلام، والذين لا يملكون سوى مجابهة مصيرهم بصمت وبصبر·
ظروف حالكة
ويتعرض الصحافيون العراقيون، أكثر من غيرهم من الصحافيين، إلى مضايقات وابتزازات وتهديدات من مختلف القوى العسكرية والسياسية والعرقية في وطن تجذرت فيه ثقافة الخوف والتهديد والابتزاز والقتل طيلة الحكم البعثي· هذا ولم يتلق الصحافيون والعاملون في الحقل الإعلامي العراقي أي تدريب ملائم للعمل في ظروف الحرب والنزاعات المسلحة· فالكثير من الصحافيين ومراسلي وسائل الإعلام الأجنبية الذين انتقلوا للعمل في المناطق الخطيرة تلقوا تدريبا مكثفا يتناسب وطبيعة عملهم في بيئة مغايرة، بدءا من أساليب الإسعافات الأولية في حالة الإصابة بالرصاص أو شظايا قنبلة أو انفجار، وصولا إلى أشكال حماية الذات ومقر السكن والعمل لتفادي أي اعتداء، إلى أشكال إدارة العمل في ظروف الأزمات الطارئة·
إن الظروف القاسية لممارسة مهنة الصحافة لم تثن الطلاب العراقيين في كلية الإعلام عن مواصلة دراستهم، بل أن عددهم ازداد بشكل ملفت للنظر، إذ فاق نسبة 50%· هل تشكل هذه النسبة تحديا وإصرارا على التعبير في أحلك الظروف، وتعويضا عما فات في زمن كممت فيه الأفواه؟ وهل تدل على نزعة قدرية ؟ وهل تترجم نزعة العقلانية المفرطة التي ترى أن الحياة في العراق في هذه الظروف أصبحت مجازفة في حد ذاتها، بصرف النظر عن المهنة التي يمارسها هذا أو ذاك! إذا كانت المؤسسات الإعلامية المختلفة تقدر كلفة الإعلام أساسا بالقيمة المالية، ويقدرها الصحافيون والمنظمات المهنية بعدد الضحايا الذين سقطوا في مسيرة البحث عن الإعلام والمعلومة المكتوبة أو المصورة، فإن جمهور وسائل الإعلام يقيمها في الغالب بالقيمة المضافة التي تعزز بها العمل الصحفي· هذا التقييم هو الذي جعل البعض يعتقد بأن الحرب في العراق قد أعادت النظر في أشكال تغطية بؤر التوتر والنزاعات المسلحة· لقد أصبحت الشجاعة الفردية والمبادرة الشخصية، التي تتضمن قدرا من الجسارة والجرأة في تغطية الاقتتال والحروب، مجرد ذكرى· لأنها لو طبقت في السياق العراقي الحالي لأصبحت مرادفا للطيش والتهور إن لم تكن انتحارا·
تحت الخطر
قبل شروع الفريق الصحفي في تغطية الأحداث يجب أن يفكر مليا في تغطيته الأمنية في العراق· لكن حتى وإن توفرت الحماية الأمنية الضرورية للصحافيين فإن القرار القاضي بتغطية هذا الحدث أو ذاك يظل محل تفكير دائم، والبحث فيه يخضع لجملة من المعطيات غير الإعلامية المرتبطة بالميدان· فمراسل وكالة الأنباء البريطانية في بغداد، السيد 'أندري مارشال'، الصحافي الذي أمضى أطول فترة في العراق مقارنة بزملائه في الوكالة أو نظرائه الأجانب العاملين في وسائل الإعلام المختلفة يؤكد هذه الحقيقة بالقول: (بعد الانزلاق الخطير في الوضع الأمني في العراق، أصبحنا نزن بدقة كل خطوة نقوم بها بالنظر إلى عواقبها والمخاطر التي نتكبدها· رغم أننا كنا نملك سيارتين مدرعتين، كنا نفكر مليا في ضرورة الانتقال إلى تغطية هذه الندوة الصحفية أو تلك· إن مدة الخروج من مقر العمل أصبحت قصيرة جدا ومواعيدها أصبحت متباعدة، خاصة بالنسبة للأوروبيين، لأنه يمكن التعرف عليهم في الشارع بسهولة· لقد أصبحت ممارسة مهنة الصحافة في العراق صعبة وخطيرة· وبقدر ما تزداد خطورتها ينمو إحساسنا نحن الموجودين في الميدان بالكبت والحرمان المهنيين·
ويواصل حديثه قائلا: (لست أدري أي مصداقية للأخبار التي تأتي من العراق إذا لم يكن وراءها الصحافي الذي ينتقل بحثا عن مصدرها ويعايش تفاصيلها·
وكيف تتعامل المصادر الإخبارية غير الرسمية مع الصحافي المحاط بمجموعة مسلحة ويتنقل بسيارات مدرعة، وبصدرية مضادة للرصاص؟ هل يتفنن في كسب ثقتها أم ينزوي في مكتبه ويتلقى البيانات الصحفية المتضاربة التي تضلل وسائل الإعلام أكثر مما تنيرها وتعلمها؟ مهما بلغت ظروف العمل من خطورة فإنه من الصعب ترك الحرب في العراق بدون تغطية إعلامية حتى وان تبنت بعض المجموعات المسلحة استراتيجية إعلامية جديدة وغريبة تتمثل في خطف الصحافيين وقتلهم·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©