الأحد 3 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
غسان السباعي: الفن يعطي الحياة معناها
غسان السباعي: الفن يعطي الحياة معناها
8 أغسطس 2005

دمشق ـ عمّار أبو عابد:
الفنان غسان السباعي يعد أحد التشكيليين السوريين البارزين، وقد أرسى تجربة هامة ومعروفة في الحالة التشكيلية السورية، وأقام معارض عديدة في سوريا وأوروبا والبلاد العربية، حيث عرضت أعماله في موسكو وباريس وألمانيا والهند ومصر والأردن والمغرب·
غسان يصنف نفسه في جيل التشكيليين السوريين الثاني ضمن أربعة أجيال متتالية، وقد أضاف الكثير إلى المشهد التشكيلي من خلال أسلوبه، ونظرته الخاصة التي تنظر إلى اللوحة الفنية باعتبارها تركيباً تكوينياً، بغض النظر عن دلالات اللون أو الخط كل على حدة· ويرى أن الفنان الجيد هو من يتحكم بتناقضات اللوحة، بحيث تكون مفرداتها مفاتيح، وتحمل رسائل للمتلقي·
يتبع حساً تجريدياً، لكن لا يؤمن بالتجريد الخالص، بل يتبع الواقعية التعبيرية، ويعتبر أن لكل عصر أدواته وأن على الفنان أن يعبر عن عصره·
؟ إنجازك التعبيري غير مباشر وغير معقد أيضاً، وبقي بعيداً عن التعبير ، فهل تعتقد أن الواقعية هي تسجيل محايد لمظهر الحياة أم معالجة لجوهرها؟
؟؟ لا بد لكل عمل فني من أن يبدأ من الواقع، لكنه فيما بعد يتخطاه، وإن لم يفعل سيفقد ماهيته كفن· فالفنان يصور الواقع، ولكن بطريقته الخاصة، أما تسجيل الواقع بشكل مباشر فهناك أدوات أكثر قدرة على ذلك مثل الكاميرا! فماهية الفن هي التمسك بالواقع، ثم تخطي هذا الواقع إلى ما وراء الواقع، ومن خلال هذا التخطي نصل لرؤية أشمل لحقيقة الأشياء· إذاً ليس هناك حياد في الفن، ولا بد للفنان من أن يملك رؤية معينة وأن يكون منحازاً· فأنا أرى الواقع كأي إنسان آخر، ولكني أعبر عنه برؤيتي الذاتية، وأجمل ميزة في الفن هي رؤية الفنان للشيء المحسوس، ولما وراء المحسوس أيضاً· وبذلك تعبر رؤيته عن المحسوس وغير المحسوس، وهي طاقة ناتجة من ذاته في الشعور واللاشعور·
؟ إذاً، أنت تنتقد الرسم الآني والترجمة المباشرة في الرسم؟
؟؟ أسوأ ما في الفن هو المباشرة، لأن الرسم ليس تقريراً صحفياً أو شريطاً سينمائياً· لذلك أعتبر أن أي عمل فني يقع في المباشرة يفقد خصوصيته·
؟ أنت تزاوج بين الفن والفلسفة، فماذا يعني ذلك واقعياً؟
؟؟ أعتقد أن لكل إنسان فلسفته الخاصة، فرؤيتنا للأشكال يعني أن لنا فلسفة فيها، فكل إنسان ينظر للحدث برؤيته الخاصة· وميزة العمل الفني الجيد أن تكون هناك رؤية فردية للفنان، وميزة الأعمال الفنية أنها ورغم قيمتها الكبرى مختلفة جداً، أي ليس هناك عمل يشبه آخر، وليس هناك رؤية لفنان تشبه رؤية لفنان آخر، وحتى بين أبناء المذهب الفني الواحد·
تجريدية (واقعية)!
؟ أفدت كثيراً من الحس التجريدي من خلال التبسيط والتحليل والتلخيص في بعض لوحاتك، لكنك لم تصل للتجريد الخالص، لماذا؟
؟؟ إن تكوين اللوحة هو بناء تجريدي· أي مهما كان في اللوحة من مفردات فالمهم أن نصل من خلال هذه المفردات أو العناصر لجوهر العنصر، ومن هنا جاء التلخيص، لكي نصل للعناصر الأساسية التي تعبر ببساطة عما نريد، وأما الأشياء الأخرى فتكون (ثرثرة)! وأنا لست مع التجريد المطلق حتى لا تُفقَد الصلة بين الفنان وبين المتلقي·
؟ وما هي أهمية الحركة في لوحاتك كقيمة تعبيرية؟
؟؟هي ليست حركات بل مفاتيح مأخوذة من الواقع، ويدخل فيها نوع من التجريد، الغاية منه الوصول إلى الآخر، أي المتلقي·
؟ يقال إن اللون يغني المضمون ··مارأيك في هذه المقولة ؟
؟؟ هذا صحيح، ولكن ليس للون وحده وظيفة إغناء المضمون، فالعمل الفني تأليف وتكوين، وأدوات بناء اللوحة تكون في التوزيع· كما أن هناك عناصر متناقضة يجب على الفنان التعامل معها والسيطرة عليها، والفنان الجيد هو الذي يستطيع جمع المتضادات، وإيجاد التناغم والتناسق بين عناصر اللوحة·
الرموز وقضايا الإنسان
؟ هل يجب على الفنان أن يركز على هذه التناقضات في اللوحة؟
؟؟ التناقضات موجودة في الطبيعة وفي الحياة، وحتى في المقاييس البشرية، ولكن الجمع بينها بقصد التعبير عن شيء هو الذي يعبر عن إمكانيات الفنان·
؟ تزاوج أحياناً بين عناصرك الواقعية والرمزية، فهل ترى أن اتجاهك نحو الرمزية يغني واقعيتك التعبيرية؟
؟؟ يستخدم الفنان الرمزبطريقته الخاصة لإغناء المضمون الفني بطريقته الخاصة، وبالنسبة لي استخدمت ، ولا أقول إنني ابتكرت رموزاً نباتية أو حيوانية·ووظفتها للتعبيرعما في داخلي من تراكمات ، فأوجدت نخيلاً معتقلاً، وعبرت من خلاله عن فكر سياسي! حيث وضعت على النخلة قضبانا حديدية، وبذلك تكلمت عن الاحتلال من غير أن أدخل في المباشرة، ! وهكذا،ترى أن الرمز ليس نتاجا ذاتيا خالصا، مثلاً: استخدمت لفترة من الزمن رمز السمكة، والتي استخدمت كرمز في الديانات سابقاً، ولكنني رسمتها خارج الماء، أي خارج مكانها الطبيعي لألفت نظر المشاهد إلى أن هناك خللاً ما·
؟ القضية الفلسطينية هي من أبرز القضايا التي عالجتها في مختلف المراحل التي مرت بها تجربتك الفنية، فكيف عبرت عن هذه القضية، وكيف تطورت تجربتك في هذا المجال؟
؟؟ بعد عام 1967 عبر كل الفنانين العرب عن القضية الفلسطينية كل منهم بطريقته الخاصة، وأنا عبرت عنها بطرحي سؤالاً للواقع أو بشكل انتقاد غير مباشر· فرسمت أطفالاً بأيديهم بنادق، في حين أن المشهد الطبيعي للأطفال هو رؤيتهم يحملون الألعاب، وبذلك طرحت سؤالي وعبرت عن الخلل في الواقع· وأما عن تطور تجربتي الآن وبعد مضي أكثر من ثلاثين عاماً على بدايتها، فكان من الطبيعي أن أغير أدواتي التعبيرية، لأن لكل فترة رؤيتها ووسائلها التعبيرية، فإن عبرت بالوسائل والطرق نفسها التي عبرت بها بعد عام 1967 أكون قد جمدت وتوقفت عند حد معين·
لا أؤمن بتعبيرية محدثة
؟ من الفنانين من يعبر عن الواقع بردة فعل عكسية، فما تعليقك على ذلك؟
؟؟ لا يمكنني أن أعبر عن الواقع الذي يحوي التفاؤل والتشاؤم، بالانحياز لأحدهما، فليس من الصواب أن أكون سوداوياً ومتشائماً لأن الحياة مستمرة· واللوحة قد تعطي طابعاً متشائماً، ولكن لا بد أن يكون فيها فسحة أمل، وقد يعبر عن الأمل برسم الطائر، لأن الفن هو التعبير عن الحياة الأكثر توازناً، والأكثر عدالة، فبواسطة الفن تصبح الحياة جميلة، وتستحق أن يعيشها الإنسان رغم كل ما فيها من إحباط·
؟ أشار النقاد إلى تعبيرية خاصة بك، فما هي؟
؟؟ التعبيرية هي مدرسة كبيرة، وإن كان لي تعبيرية خاصة فهي التعبير عن وجودي في هذه الحياة، كما حاولت أن أكون صادقاً فيها·
؟ وما هي علاقتك بالتعبيرية المحدثة؟
؟؟ لا أؤمن بوجود تعبيرية محدثة وغير محدثة· فكل عصر له أدواته، وأنا أحاول أن أعبر عن عصري، وأن أكون صادقا في التعبير، فالفن ليس أداء عمل فقط! لكي يظهر الشيء جميلاً· وأنا أؤمن أن في الفن قضيتين هامتين أولهما الرؤية: وهي الرؤية البصرية بالعين، وثانيهما الرؤيا: وهي نوع من التنبؤ والاستشراف والحقيقة أن الرؤية البصرية تظل ناقصة·
اللوحة الصحيحة لا تفسر
؟ هل صحيح أنك تعارض مقولة (الفن الجميل)؟
؟؟ من السطحي أن نقول عن لوحة بأنها جميلة لشكلها، أو أن ينوي فنان ما رسم لوحة جميلة، لأن هناك جانبين من الجمال بنظري، أولهما في الشكل والثاني في المضمون، فالشكل يعمق المضمون الجيد، والفن ليس موضوع عمل أكاديمي فقط، لنرسم لوحة جميلة الشكل، فهذا أمر ليس له علاقة بالفن!
؟ أنت ضد تفسير اللوحة، ولا تعتبر اللون دليلاً، لماذا؟
؟؟ اللوحة الصحيحة لا تفسر، فالفنان يرسم حالة لتصل للمتلقي، فالرسم ليس قضية سؤال وجواب· أما عن اللون، ففي الحقيقة أنا لا أعتقد أن هناك شيئاً يسمى لوناً، وليس هناك لون جميل وآخر غير جميل، فاللون لا يكون جميلاً، إلا عندما نربطه بشيء آخر، وهذه من الأخطاء الفادحة التي يقع بها الفنانون، لأن الجميل لا يمكن أن يكون جميلاً لوحده، بل لا بد له من أن يرتبط بعلاقات معينة·
الأجيال والتطور الحديث
؟ كيف تنظر إلى واقع الفن التشكيلي في سوريا الآن؟
؟؟ زاد عدد العاملين في حقل الفن التشكيلي بشكل كبير، لأن كلية الفنون الجميلة تخرج أعداداً كبيرة من الطلاب كل سنة· ولكن ذلك العدد لم يحقق نوعية جيدة· وإذا قسمنا أجيال الفن في سوريا لوصلنا لأربعة أجيال، الجيل الأول قسم منهم غير موجود الآن، والثاني والذي أنتمي إليه، ثم الثالث وهو الأكثر شباباً، وصولاً إلى الرابع والذي أسميه الجيل الشبابي الحديث·
؟ وكيف ترى تجارب الجيل الجديد؟
؟؟ في فن الجيل الرابع أجد تقليداً لمذاهب أو تيارات موجودة في أوروبا فهي مقلدة وغير عصرية· ومن وجهة نظري أعتقد أنه يجب علينا ألا نقلد تلك التيارات الأوروبية بشكل أعمى، فالفنان يجب أن يرسم ما يتماشى مع بيئته وواقعه، وهذا لا يعني أن لا نستفيد من تلك الثقافات العالمية، ولكن بشرط أن يفهم الفنان ما يلائمه وما لا يلائمه، فالفن يجب أن يحمل هوية، ونحن نلاحظ أن معظم هذا التطور الحديث لا يتماشى مع بيئتنا، إلا أن هناك عدداً قليلاً استطاع إثبات نفسه وأنا لا أنكر ذلك· كما أرى مشكلة أخرى في الواقع التشكيلي السوري وهي عزلة الفنان السوري بسبب عدم تبادل المعارض وعدم السفر خارج سوريا·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©