الاتحاد

دنيا

المرأة اللبنانية تقتحم سوق العمل من المنزل اعتماداً على الخبرة والموهبة

المطرزات إحدى المهن التي يمكن للنساء ممارستها من المنازل

المطرزات إحدى المهن التي يمكن للنساء ممارستها من المنازل

لطالما كانت المرأة «صاحبة تدبير»، كيفما تقلّبت ظروفها وأحوالها، لأن شعورها بإثبات نفسها وجدارتها يلازمها باستمرار. وسواء أكانت متعلمة أم أمية، لا يقف حاجز أمام دوافعها للعمل. فهي تسعى وتحاول وتبحث وتسأل لتجد ما يحقق ذاتها ودورها المختلف عن ربة المنزل العادية. ولا تتوانى عن العمل من منزلها في سبيل الاستمرارية والتواصل مع العالم الخارجي الذي يتعدّى جدران «مملكتها الصغيرة». العمل من المنزل بشكل دائم أو مؤقت ريثما تتوفر فرصة عمل في شركة أو مؤسسة هي ظاهرة متنامية في لبنان. ويبقى لكل حالة ظروفها وأحوالها.

ترجمة من المنزل
هدى رزق كان لها تجربة عمل من منزلها قبل أن تتخذ لها وظيفة في إحدى المؤسسات. تخرجت في الجامعة حاملة إجازة في اللغات والترجمة، ولم توفق في بادئ الأمر بإيجاد وظيفة، فسعت من خلال معارفها وأصدقائها إلى إنجاز أعمال ترجمة من منزلها. إلى ذلك، تقول «كانت تجربة لها حسنات وسيئات، إذ كنت قبل الظهر أهتمّ بشؤون البيت وأخرج للتبضع، وأخصص فترات بعد الظهر والمساء للجلوس أمام أوراقي لترجمة ما يردني من نصوص من بعض الأفراد والمؤسسات التي تحتاج إلى عملي. أنهي ترجماتي وأرسلها إليهم عبر البريد الإلكتروني».
حول سيئات العمل من المنزل تقول رزق إنها تشعر بأنها غريبة في المؤسسة التي تقصدها لتسليمها ما أنجزت من ترجمات كلّفتها بها، وأنها ضيفة وليست من صلب فريق عملها.
وتضيف «العلاقات التي تتوفر في مؤسسة العمل بين الموظفين من جهة، وبين الموظفين والزبائن من جهة أخرى، هي أكثر حيوية وتشكل غنى للشخص نفسه. خبرته هنا تكون مختلفة وأوسع نطاقاً». وتتابع «في البيت لا تفاعل مع الآخرين من جهة، وإحساس بالملل من جهة أخرى. والملل يقود إلى العمل بطريقة متقطعة وإلى تضييع الوقت بأمور وتفاصيل بيتية. الخروج من المنزل إلى المكتب يحدد إيقاعي اليومي ويكسر حدة الروتين المنزلي لأني أشعر أن كل الأيام متشابهة، فضلاً عن إحساسي بأني أصبحت أكثر إنتاجية حين أتثبّت في وظيفتي».

سلوى زيدان ربة منزل انشغلت مع البيت وتربية الأولاد رغم تخرجها من الجامعة حاملة شهادة في الأدب العربي. تقول «لم أسع إلى البحث عن وظيفة. ما أن تزوجت حتى انصرفت إلى تربية الأولاد وتدبير شؤون البيت فضاعت مني فرص عمل كنت لا أوليها أهمية. وجدت نفسي بعد سنوات أن شهادتي لم تعد نافعة. ولأني ماهرة في الرسم، سعيت إلى ممارسة الرسم على القماش وبيع ما أنجزه للصديقات والأقارب ومعارفهن». وتضيف «هذا العمل جعلني أحس بأني منتجة وبأن أوقات الفراغ التي كانت تمرّ لم تعد موجودة. وبما أن أولادي قد كبروا ولم تعد حاجاتهم تتطلب الكثير من اهتمامي، كما كانوا في صغرهم، أصبحت أكثر قدرة على العمل. أولادي وزوجي فرحوا جداً لكوني أعمل من منزلي. وابنتي البكر هي «المحاسب» المالي لأعمالي. نضع معاً الأسعار ونسجل المبيعات. وهي تعدّ لي الحسابات المالية آخر الشهر. أشعر أنها متواطئة معي في عملي الذي أخرجني من داخل منزلي إلى المحيط الأوسع، ولو أني أنجزه في الداخل».

مكتب تحرير
الصحفية ساندي رفاعي وكانت موظفة في إحدى المجلات ومسؤولة عن قسم يتولى تحرير 38 صفحة منها. اضطرتها الظروف إلى المكوث في المنزل والعمل منه. ففي فترة حملها بطفلها الرابع، حصلت معها مشاكل طبية وصحية ألزمتها النوم على ظهرها طيلة الفترة المتبقية من حملها. في هذا السياق تقول «حوّلت غرفة نومي إلى مكتب جهزته بفاكس وكومبيوتر وإنترنت. وصرت أجري المقابلات الصحفية عبر الهاتف، وأكتب المقالات والمواد الصحفية وأنا نائمة على ظهري. وبعد ولادة طفلي، وجدت أن العمل بهذه الطريقة، أي من المنزل، هو أسهل من تكبّد مشاق التنقل من منطقتي البعيدة عن بيروت إلى مكاتب المجلة، رغم أنه ترتب عليّ مصاريف مالية أكبر بسبب استعمالي هاتفي لساعات طويلة، واشتراكي بالإنترنت».
ولكل أمر حسنات وسيئات، في هذا السياق تقول رفاعي «من السيئات أنني أثناء انغماسي بالكتابة في المنزل، يصدر الأولاد الضجيج والأصوات ويتخاصمون، ما يفقدني التركيز، فاضطر إلى التوقف عن العمل لحل مشاكلهم أو تأمين حاجاتهم. في البيت لا دوام للعمل على عكس المكتب أو المؤسسة، إذ يصبح العمل متقطعاً فيطول أحياناً لغاية الساعة الثانية بعد منتصف الليل لإنجازه بالكامل. وهذا يصبح من دون شك متعباً. من هنا الدوام في المكتب هو أفضل، لأنه محدّد».
وتجربة العمل من المنزل باتت من العادات اليومية لدى رفاعي. توضح «صرتُ أجد صعوبة في الخروج يومياً من المنزل للذهاب إلى المكتب على غرار ما يفعل زملائي في المهنة. من هنا يجب أن تتساهل المؤسسات الإعلامية، لا سيما المكتوبة منها، حيال الصحافي ما دام يصلها العمل كاملاً عبر الإنترنت».

محط تقدير
تعتبر عالمة الاجتماع غيدا خليفة أن المرأة الواعية بشكل عام لا تحبّ أن تشكّل «عدداً إضافياً» في المجتمع، بل تسعى باستمرار إلى تحقيق ذاتها وإلى أن تكون فرداً له قيمته الإنتاجية في الحياة، وبالتالي تثبت أنها ليست مجرد ربّة منزل يقتصر دورها على تحضير الطعام وغسل الثياب وتدبير شؤون بيتها. وتضيف «يكون المردود المالي الذي تحققه هذه المرأة من خلال عملها من المنزل ضئيلاً، ولكنها تعتبره ذات قيمة عالية لأنها تستغل قدراتها المهنية ولا تهدر وقتها في الزيارات والصبحيات وفي التسوق وفي أمور لا طائل منها». وترى خليفة أن بعض النساء، بسبب الضغوط الاقتصادية، يجدن أنفسهن مضطرات للعمل ولو من المنزل، والبعض الآخر يكون مرتاحاً اقتصادياً ولا حاجة له للمال، لكنه يصرّ على العمل لتحقيق الذات والبقاء على تواصل مع فئات المجتمع التي يتعامل معها من خلال عمله. وفي كلتا الحالتين، تضيف أن المرأة تكبر في أعين أولادها وزوجها، لأنها باتت امرأة فعالة في أسرتها ومجتمعها ولها مكانتها المميّزة، وأولادها يأخذون برأيها. إذن نظرتهم حيال والدتهم تصبح مختلفة وتصبح آراؤها محطّ ثقة أكبر.
وتشير إلى أن النظرة الاجتماعية للمرأة العاملة من منزلها والتي تضطرها الأوضاع الاقتصادية للعمل وتكون غير متعلمة، تختلف عن النظرة إلى امرأة مرتاحة مادياً لكنها تصرّ على العمل. فإذا لم يكن العمل لحاجة مادية تكون نظرة المجتمع إليها أكثر تقديراً، فيما في الحالة الأولى تكون محطّ تقدير من أفراد عائلتها، لأنها مكافحة ومضحية.

اقرأ أيضا