الاتحاد

دنيا

احترام النفس والآخرين

يعيش الإنسان في هذه الحياة وهو يحمل قيمة عالية، هذه القيمة هي التي تجعله يعمل ويعطي وينتج ويبدع ويتفاعل ويبني الحياة بكل ما فيها، فإن فقدها (أي القيمة) انهارت قواه النفسية وضاقت به الدنيا بما رحبت وأصبح غير قادر على العمل والعطاء. تلك القيمة هي قيمة «الشعور بالذات»، الشعور بالاحترام والتقدير بغض النظر عن وضعه الاجتماعي ومكانته وشهاداته العلمية، ومهما كان أباً أو أماً أو ابناً أو بنتاً أو زوجاً أو زوجةً أو موظفاً كبيراً أو موظفاً صغيراً، معلماً كان أو طالباً.
حدثني عامل بسيط فقال: «أنا لا أحب أن يحرجني أحد أمام الناس مهما حصل، ومستعد أن أبقى بدون عمل ولا أن تمس كرامتي بسوء». عزيزي القارئ هل للإحساس بقيمة النفس منصب أو وظيفة أو مال أو شهادة لكي يدافع الإنسان عنها ويطلبها؟ لا أبداً؛ فالإحساس بقيمة الذات من طبع البشر. فعلماء النفس يقولون: «الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي ينعم بنعمة الشعور بالذات. وشعور الإنسان بذاته يعد مصدر مؤهلاته: شعور يتضمن قدرته على التمييز بين (أنا) وبين العالم الخارجي».
قد وضع المولى عز وجل قانوناً كونياً في هذه الحياة يسير به نظام التعامل مع الآخرين دون التقليل من شأنهم، حيث قال جل وعلى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(الحجرات:11). ولعل ما جاء في هذه الآية يوقف ويردع من يحلو له الاستهزاء والسخرية بكل من يتعامل معه أو سمع عنه، وقد رأينا العجب من بعض الناس يبتسم في وجهك ويرحب بك ويظهر لك الود، وما إن تغادر المكان أو تنهي المكالمة معه إلا ويبدأ يظهر لمن عنده التذمر منك والاستخفاف بك والتحقير من قيمتك وكأنه منزه عن كل عيب وخطأ، ويصل ببعضهم أن يرى نفسه الأفضل وأنت لا شيء، وهو الفاهم وأنت لا تفقه شيئاً، فهذه الفئة يطلق عليها «هواية استحقار الآخرين».
حدثني أحدهم فقال: «كنت مع أحد المحاضرين، فاتصلت به سيدة تستشيره في أمر فرد عليها بكل ترحيب وأجاب على استفساراتها، وبعد انتهاء المكالمة، أخذ يستهزئ منها ويتذمر ويتأفف فانصدمت من سوء خلقه». ولعلنا هنا ننوه إلى أهمية أن يحترم الإنسان نفسه أولاً ويعطيها مكانتها لكي يلقى المكانة نفسها التي وضعها لنفسه، فقد قال أحد الحكماء: «إذا رأيت من يشتري الخسيس بالنفيس، ويبيع العظيم بالحقير، فاعلم بأنه سفيه»، وهناك حكمة تقول: «احترمْ نفسكَ يحترمكَ الناسُ»، وقال في هذا (كورناي): «من قبِلَ بأن يُهانَ يستحقُ الإهانةَ».
فلا تهن أحداً لكي تلقى الحب والتقدير فقد قال أنيس المقدسي: «إن احترامَ النفس أولُ دلائلِ الحياة»، لنتعامل بحب وود واحترام وتقدير مع كل من نعيش بينهم.


د. عبداللطيف العزعزي dralazazi@yahoo.com

اقرأ أيضا