الاتحاد

الملحق الثقافي

أشرعة السفن.. ذاكرة الغوص والبحّارة

 بحارة يجذفون على ظهر مركب تقليدي

بحارة يجذفون على ظهر مركب تقليدي

«يا الله، يا الله قلنا يا الله هولو ياسيدي هولو يا فزعة الله» هكذا يتشكل المقطع الأول في أغنية طويلة عن البحر بكل أفراحه، خيرة ومآسيه، فقدانه. هذا نص غنائي فطري لم يعرف كاتبه أو مبدعه، إنما نسجته العقلية الجمعية للمجتمع الخليجي الذي صنع السفينة بأنواعها «الغراب والجالبوت والشوعي والبلم والسنبوق والبَدَن والقمبادي والبتيل والبقارة».

ومع انطلاقة البحارة الخليجيين وهم على ظهر سفينتهم يبدأ الترديد النغمي مستهلاً بهذه الكلمات «يا الله، يا الله، قلنا يا الله». يقول ديونيسيوس آ. آجيوس في كتابه «ذاكرة السفينة الشراعية في الخليج العربي» والذي أصدرته هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بترجمة عبدالإله الملاح «لطالما شغفت بأعمال الكتاب الرحالة والجغرافيا في العصور الوسطى وكنت وجدت معلومات ثمينة ومثيرة للاهتمام عن رحلات البحارة العرب وأشكال السفن ومصطلحات المسافات البحرية».

وعبر هذا الشغف بدأ آجيوس رحلته إلى الخليج ـ موطن السفن العربية وصناعتها ـ فكتب عن الملاحة في الخليج العربي وعُمان، متتبعاً فيه دراسة تصنيف أنواع السفن الشراعية وأسمائها وأجزائها.

أنواع السفن

السفينة ثقافة شعب، هكذا يبدأ آجيوس كتابه عن أنواع السفن مؤرخاً لما قبله من الكتاب الذين كتبوا في ذات الموضوع فيشتفيلد 1880 والدجيلي 1912 وريتر 1913 وكيندرمان 1934 والزيات 1949. إذ عدوا مصادر في أنواع السفن. كتب كيندرمان عن أنواع السفن الإسلامية وتناول الآخرون أنواعاً أخرى، كما عرفت المنطقة رحالة جاؤوا إلى الخليج العربي وعمان منهم نيبور 1774 ويوركهارت 1829 وتشيسني 1850 وهنتر 1877 وبورتن 1893 ومايلز 1919 وديكسون 1949 وثيسجر 1967 وآخرون ذوو أهمية كبيرة. اطلع هؤلاء على أنواع السفن وكيفية إنشائها بالإضافة إلى ما تحمل الأدبيات الغربية وبخاصة البرتغالية والهولندية والانجليزية على معلومات دقيقة عن أنواع السفن ووظائفها وتصميم هيكلها.

طريقتا البناء

طريقتان لبناء سفينة إحداهما قديمة تدعى «الخياطة» وأخرى جديدة تدعي «المسمار».. وقد بنى هيردال ما بين 1971 ـ 1982 سفينة مطابقة لقوارب القصب الشبيهة بقوارب المصريين والسومريين والأكاديين على طريقة الخياطة التي ظلت لقرون طويلة سائدة حتى دخلت سفينة الطريقة الجديدة «المسمار».

نص وتمهيد

«ثم سافرت من بلاد عمان إلى بلاد هرمز، ووصلنا إلى هرمز الجديدة، وهي مدينة حسنة كبيرة، لها أسواق حافلة وهي مرسى الهند والسند ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقين وفارس وخراسان» ابن بطوطة. ذلك نص ابن بطوطة الذي زار عمان والخليج العربي في عام 1329م، واستطاع أن يكشف في رحلته أن العرب صناع مهرة انتجوا أنواعاً من السفن الشراعية التي بدأت نشاطاتها تمخر عباب الخليج والمحيط الهندي وما أن جاء القرن السادس عشر حتى بدأنا نرى سفن البحرية البرتغالية في المحيط والخليج، وكان نجاحهم مثيراً للاهتمام في تلك الفترة إذ اتسم تفوق البرتغاليين بحسن تسليح سفنهم بالمقارنة مع صغر السفن التجارية والحربية الخليجية من حيث التقنية والعتاد. واجه البرتغاليون تحدياً جديداً تمثل في السفن الإنجليزية والهولندية في نهاية القرن 16م، ومع تأسيس شركة الهند الشرقية الإنجليزية في عام 1600 وشركة الهند الشرقية الهولندية في العام 1602 بدأت القوة البرتغالية تنحسر عن الخليج العربي وعمان. ويستفاد من الاحصاءات التي نشرها أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب قراءة مدلولات الأرقام الخاصة بالممثلين الهولنديين والإنجليزيين الملحقين بالأماكن الأجنبية وهم: 114 هولندياً في بندر عباس في العام 1740 وحوالي 130 بعد العام 1756، بينما كان عدد البريطانيين في بندر عباس في العام 1715 لا يزيد على 11، أما التواجد الهولندي الواسع فقد يعني وجود عدد من التجار العاملين في التجارة فعلاً. «يا حافظ الأرواح في الألواح يا منجي الألواح في لجج البحر تحفظ لنا هذا السنبوق يا الله يا رزاق يا الله يا حافظ». دعاء يبتهل به البحارة وهم يجلسون في مؤخرة السنبوق، وهي إحدى أنواع السفن التي كانت منتشرة في الخليج إبان القرن التاسع عشر ذلك القرن الذي بلغ عدد سفن الداو، مثلاً، والتي كانت تبحث في مصائد اللؤلؤ ما بين 1905 و1907 حوالي 4500 سفينة، وزاد عدد البحارة العاملين في اللؤلؤ عن 74 ألف بحار. حاول أجيوس في كتابه تصنيف السفن الشراعية على وفق تقسيمات جسد السفينة «البدن» أو الوظيفة التي تؤديها أو حجمها، فلاحظ تنوع الأسماء لطراز واحد من المراكب أو وجود اسم واحد لأنواع مختلفة مما جعل الأمر معقداً لآجيوس بل لكثير من العرب الذين أجرى معهم آجيوس مقابلات في كتابه هذا «ذاكرة السفينة الشراعية في الخليج العربي». وبهذا الصدد يقول: الخليجيون لم يحفلوا بتصنيف مراكبهم، بل كان صانعو المراكب والنواخذة «كلمة مكونة من ناو: سفينة وخوذة: سيد» هم الذين يهتمون بتزويقات التصنيف. البحارة الخليجيون لا يميزون بين السفن الشراعية بحسب شكل وعدد وترتيب الأشرعة والصواري وإنما بحسب وضع المركب سواء كان شراعياً أو آلياً، وهل هو مدبب أو بالرفعة «مؤخرة مربعة» كما يقول آجيوس. أما في أوروبا فكان البحارة فيها يميزون السفن بحسب الصواري منها وحيد الصاري وهو الكوتر وثلاثة صوار وهو البارك وذو صاريين وهو بريج.

الأنواع وظيفياً

1 - السفار او القطاع: وهو مركب يعبر المحيطات كونه سفينة شحن مثل «البغلة» و«الغنجة» و«البوم» وجميعها شراعية وهو صيغة مبالغة من السفر. 2 - الغواص مصطلح شائع بين بحارة الإمارات والكويت والبحرين وقطر وهي السفينة التي تشتغل في صيد اللؤلؤ وذات أشرعة ومجاذيف وبقيت حتى التسعينات من القرن العشرين حيث شوهدت المئات من هذه السفينة الشراعية في الخليج، وفي الثلاثينات والأربعينات كان هناك مئات السفن مثل السنبوق والجالبوت التي تعمل في صيد اللؤلؤ وهي من أحجام مختلفة وتنقل آلاف الغواصين في موسم صيد اللؤلؤ. 3 - السماك وهو مركب لصيد السمك ومنه «الشوعي» و«البدن» وتستخدم فيها الأشرعة والمجاذيف معاً حيث المجاذيف ضرورية عند الاقتراب من الشاطئ أو حين تكون الرياح غير مواتية تماماً. 4 - الطواش وهو قارب تجذيف صغير يستخدمه تاجر اللؤلو أو رئيس قارب للانتقال من السفينة إلى الشاطئ أو العكس، أو ربما يرفع شراعاً حين يقصد مرفأ مجاوراً، ومن الأنواع الشائعة «الهوري» أو «الكيت» وهو قارب مجوف ذو مجذاف.

حكاية

يذكر لوريمر في موضوع شطآن الكويت أن «جوانب السفن الشراعية تكاد تصطدم ببعضها البعض على امتداد مئات الياردات ولابد أنها كانت ترسم صورة مؤثرة حين تنزل إلى البحر بشكل اسطول مهيب».

الغوص البارد

كان موسم صيد اللؤلؤ الرئيس أو «الغوص الكبير» يمتد من يونيو/ حزيران حتى مطلع أكتوبر/ تشرين الأول. أما قبل ذلك أو بعده فكان هناك الغوص البارد أو «الغوص الصغير» كما كان يسمى أحياناً، أما مدته فتحددها طبيعة الأحوال الجوية.

سفن البحارة الخليجيين: أسماء وصفات.. ومهمات

للسفن والمراكب التي كانت مستخدمة من البحارة في الخلية، أسماء عديدة، بعضها مستمد من صفاتها، وبعضها مستمدة من المهمات التي كانت معدة من أجلها. ولكل نوع من تلك السفن تفصيلات تحدد شكلها الخارجي وطرق صناعتها، وكيفية استخدامها. وهنا ثبت بأهم تلك السفن: أسماؤها وصفاتها.

الداو: كلمة أطلقها الإنجليز على السفينة ذات الشراع المثلث الشكل، لشبهها بالمركب الزنجباري المعروف باللغة السواحلية «الدو» ويروى أن للقواسم في عام 1808 في رأس الخيمة 5 سفن داو ضخمة وعلى ظهر الأضخم من بينها 14 مدفعاً. العود: مصطلح عربي يتصل بالمعنى المراد له في الخليج العربي ويشير إلى سفينة أو قارب ومعناها الأساسي «قطعة من الخشب» ولم يعثر له في المعاجم أو القواميس العربية القديمة أو الحديثة عن معنى وتعنى في اللهجة الخليجية «الأكبر». اللوح: ورد في القرآن الكريم «وحملناه على ذات ألواح ودسر» (سورة القمر الآية 13) بمعنى السفينة وتلفظ في سواحل ظفار المطل على بحر العرب مشيرة إلى السفن التي تجوب البحر. الخشبة: وهي مرادفة لكلمة لوح وتستخدم اللفظة في الساحل الغربي من عمان وتعني كافة أشكال المراكب كبيرها وصغيرها كما يقول آجيوس. وليست هناك إشارة إلى كلمة الخشبة بما تعني السفينة في العربية الفصحى. ويمكن اعتبارها استعارة للدلالة على ما يطفو فوق الماء. وقد وقع «آجيوس» على تلك الكلمة بما يرادف السفينة في قاموس انجليزي ـ عربي يعود إلى القرن التاسع عشر لجورج بيرسي بادجر (ت 1888م) وهو مصطلح شائع بين البحارة والصيادين في خصب في شبه جزيرة مسندم وفي سوق السمك في الشارقة وفي ساحل ظفار حيث تتداول كلمة خشبة وفي جزيرة مصيرة يقال «خشبات». السنبوق: أقدم إشارة إلى اسم هذه السفينة «السنبوك» بالعربية الفصحى ترجع إلى القرن الرابع الهجري أو العاشر الميلادي وذكره ابن بطوطة وأيده المؤرخ النويري الاسكندراني (ت 1372 ميلادية) في أنه مركب كبير يبحر ما بين البحر الأحمر والمحيط الهندي وكتب عنه أحمد بن ماجد وذكر أنه قارب لسفينة ولم يضعه بين مكونات السفن الأساسية التي تبحر في المحيط الهندي لأن وظيفته مجرد القيام بمهمة قارب الإنقاذ أكثر منه مركباً معداً للملاحة أما الروايات البرتغالية فتأخذ بالوظيفتين. اللنج: مصطلح أكثر شيوعاً ويجمع على لنجات وفي جنوب شرق عمان يطلق عليه لنغ في الإشارة إلى مركب صيد السمك وفي البحرين اللنش وفي الإمارات اللنج وهو كبير سواء كان عربياً أو هنديآً. يسمى لنجاً شكلاً ووظيفة. البانوش: مركب ذو مؤخرة مربعة وتصميمه يحتوي على ملامح من السنبوق والشوعي. البغلة: البغلة الارستقراطية أكثر السفن شيوعاً والأضخم والأكثر زينة، مجهزة بصاريين أو ثلاثة وسطح كامل ومقدمة واطئة وتتميز بسطح المؤخرة العالي، أما رأس المؤخرة فكان يعلوه في كثير من الأحيان نوع من الزين بشكل ببغاء نحاسي مثبت بوتد وفنجه إلى الداخل. أما المبنى العلوي الخفيف المثبت في المؤخرة فإنه يقوم بدور المنزل للقبطان وزوجاته وعائلته والخدم وكبار المسافرين. عرفت البغلة في بداية القرن السابع عشر في الخليج العربي بعد أن قام بحارة عمانيون بزيارة ورشات بناء السفن التابعة لشركة الهند الشرقية الانجليزية في بومباي واستطاعوا أن يصنعوا شبيهاً لها. الغراب: قارب حربي مقدمته بارزة بروزاً واضحاً ومؤخرته مربعة مثل مركب القادس وله صاريان أو ثلاثة ووزنه يتراوح ما بين 150 و300 طن ويتسم بعرضه الكبير بالمقارنة مع طوله وصار يعرف بـ «غويراب» أو «غوراب أو غراب. صنع على الأرجح في مسقط وقد استخدمته شركة الهند الشرقية الانجليزية عام 1754. وكان يحمل 18 مدفعاً. ويروي آجيوس أن إمام مسقط أحمد بن سعيد 1741 ـ 1775 قام بتجهيز الغربان في 8 مارس 1758 بالرجال والسلاح والذخائر لتوجيهها إلى مومباسا «لاخماد عصيان نشب فيها». وغراب نسبة إلى اسم الغراب كما أن هناك حمامة وطيرة كما جاء عند المقدسي. البتيل: سفينة للتجارة الساحلية في أوقات الحرب وأحياناً لصيد اللؤلؤ، امتلك اثنين منها حاكم رأس الخيمة صقر بن راشد آل مطر شيخ القواسم كما يقول آجيوس. وهو مركب مدبب الطرفين مقدمته طويلة ومرتفعة تشبه رأس الكمان المقوس وقائم مؤخرته عال وله صاريان مائلان إلى الأمام. البوم: «ولا تتصورن البوم طيراً فما هو غير فلك ذي شراع». ذلك مقطع من شعر خالد الفرج الشاعر الكويتي يصف فيه البوم الذي لا يطير، إنه «السفينة» التي تمخر البحر بكل أنواعها. والبوم الكويتية هو الداو في باقي سواحل الخليج والجمع أبوام يتميز برأس المقدمة المدبب وهو عادة يطلى بالأسود ويستخدم في أغراض التجارة واللؤلؤ وكان عدد منه يلقي مراسيه في مسقط ورأس الخيمة وأبوظبي والبحرين، وقد حلت البوم بدل البغلة وللبوم صاريان والصاري الرئيسي مائل إلى الأمامي وصاري المعين في وضع عمودي ولبعضها 3 صوار وله دفة وعجلة عاديتان. الشوعي الإماراتي: يرى فيه البحارة الخليجيون اخت «السنبوق» لشدة الشبه بينهما والاختلاف بينهما يتمثل في شكل المقدمة: للشوعي رأس مستقيم بقوس مزدوج بينما رأس السنبوق ينتهي بقوس مقعر مفرد ورأس المقدمة في الشوعي يدهن باللون الأزرق وله مؤخرة مسطحة مع صفيفات ألواح بارزة تبدو كزعانف خشبية. للشوعي الإماراتي منصة مثبتة إلى الزعانف تحمل عليها شباك الصيد وهذا تعديل يتيح مساحة أوسع في وسط القارب الذي لا ظهر له لتحسين تخزين السمك وتوفير حرية الحركة للرجال. ويقول عنها هاروث «إنها أجمل السفن الشراعية العربية جميعها واشدها أناقة». يتراوح طول المركب ما بين 15 و20 قدماً ووزنه 5 أطنان ويحمل طاقماً مؤلفاً من 6 إلى 10 صيادين والشواعي التي رآها أجيوس في قطر عام 1992 كلها كانت صناعة إماراتية كما يذكر وعمرت في دبي وعجمان ورأس الخيمة. الجالبوت: مركب شراعي ساحلي يستخدم أساساً في شمال الخليج، ذو مقدمة مستقيمة بارزة ومؤخرة مسطحة، له صار واحد ودفة توجيه وذراع دفة ويتحرك بالمجذاف والأشرعة، طوله 20 قدماً وحجمه 25 طناً. لصيد السمك واللؤلؤ ونقل البضائع والجالبوت الحديث يعمر في أبوظبي ويصمم للسباقات ويعرف باسم جالبوت السباق وذكره الرحالة ابن جبير وابن بطوطة والمؤرخ المقريزي وربما كان جذره اللغوي (ج ل ب). سفن أخرى: وجدت سفن أخرى، صغيرة وكبيرة خصصت للصيد منها «البدن» وهو في شمال وجنوب ساحل عمان الشرقي و»البقارة» واختها «الشاحوف» وكذلك «الزاروقة» و»البلم» في البصرة والكويت، أما قوارب السفن والزوارق الخفيفة والرماث مثل «الكنز» و»القلز» و»الماشوة» فهي قوارب نجاة مثلها مثل «الهوري» وهو زورق صغير يصنع من حفر جذع شجرة من أشجار المانجو.

اقرأ أيضا